جاءت لإصلاح الدين والدنيا
مفتي الجمهورية: الفتوى الرشيدة تعزز الاستقرار الفكري والثقافي للمجتمع
الأحد، 21 ديسمبر 2025 02:28 م
دكتور نظير عياد
السيد الطنطاوي -
أكد فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الفتوى، إذا ما وُظِّفت توظيفًا رشيدًا يجمع بين العقل والنقل، ويراعي مقاصد الشريعة والأخلاق والوسطية، فإنها تصبح أداة فاعلة في حماية المجتمع من التطرف والتشدد، وتعزيز الاستقرار الفكري والثقافي، وضمان استمرار نشر العلم والمعرفة، بما يخدم مصلحة الأمة ويرسِّخ قيم الاعتدال والعدالة والسلام.
مضيفا أن الفتوى لا تقتصر على شؤون العبادات، بل تمتد لتشمل مختلف مجالات الحياة، إذ يلجأ الناس إليها في مسائل العقيدة والشريعة والسلوك، مبينًا أن الوقائع والأحداث قد تبدو في ظاهرها بعيدة عن الدين، غير أن الفتوى جاءت في أصلها لإصلاح الدين والدنيا معًا من خلال الفهم الرشيد للوحي، مؤكدًا أن للفتوى أهمية كبرى تتصل بالمعاش والمعاد، وتقوم على ركنين: مُفْتٍ ومستفتٍ، بقصد بيان ما ينبغي الإقدام عليه أو الإحجام عنه، والحكم بالحِل والحرمة.
وأوضح فضيلته خلال الدورة العلمية الأولى لإعداد المُفتين من دولة ماليزيا، والتي تقوم عليها وزارة الأوقاف، تحت عنوان «ترسيخ مفهوم الوسطية وكيفية مواجهة الفكر المتطرف من خلال بناء مهارات تدريبية متقدمة وَفْقَ التجربة المصرية»، أن المعنى الاصطلاحي للفتوى لا ينفصل عن دلالاتها اللغوية، إذ تقوم على بيان الحكم الشرعي، والكشف عن الغموض، ورفع الإشكال دون إلزام، موضحًا أن المفتي هو الفقيه المؤهل للإجابة عن الاستفسارات، بينما المستفتي هو السائل طالب البيان. وأكد أن الله تعالى هو أول من باشر بيان الأحكام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من قام بهذا المقام الشريف من البشر دون طلب مال أو جاه، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
وأشار مفتي الجمهورية إلى خطورة الفتوى، لكونها توقيعًا عن رب العالمين، وهو ما جعل العلماء يتفاوتون فيها بين مكثر ومقل ومتوسط، محذرًا من أن القول فيها بغير مراد الشارع يترتب عليه آثار سيئة على صاحبها وعلى الناس، مستدلًّا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها». وأوضح أن الفتوى انتقلت عبر الصحابة ثم التابعين ثم أئمة المذاهب، وأنها من فروض الكفايات التي لا يتصدر لها إلا من اكتملت لديه الأهلية العلمية.
وأضاف أن واجب المستفتين هو السؤال طلبًا للبيان حتى لا يقعوا في الإثم، مستشهدًا بقول الإمام الغزالي بوجوب استفتاء العامي للعلماء والعمل بأقوالهم، محذرًا من الدعوة إلى إلزام العامة بالبحث عن الفتوى بأنفسهم دون أدوات علمية، لما يترتب على ذلك من تعطيل لمصالح الناس. وشدد على أن وظيفة المفتي وظيفة عظيمة، يشترط فيها التكليف والعلم، لأن الإفتاء علم، والقول فيه بغير علم محرم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وذكر مفتي الجمهورية أن من أهم شروط المفتي العدالة والموضوعية وعدم اتباع الهوى، مؤكدًا أن المفتي مطالب باتباع الحق حيث دار، لا حيث تميل الأهواء، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». كما شدد على أهمية الفطنة، والقدرة على التمييز بين الآراء والترجيح بينها، مؤكدًا أن الاجتهاد شرط جوهري للمفتي، وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي وفق منهج علمي منضبط.
وتناول فضيلته آداب المفتي، مؤكدًا ضرورة إخلاص النية، واستحضارها في طلب العلم والفتوى، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، مبينًا أن من آداب المفتي كذلك اقتران العلم بالحلم، لما يثمره ذلك من الوقار والصبر والرفق، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. كما شدد على ضرورة إدراك المفتي لموقعه بين الناس، وتوافر الكفاية العلمية والمادية التي تصونه عن الضغوط والتلون في الفتوى، مشيرًا إلى تجربة الإمام الشافعي في مراعاة أعراف الناس وعاداتهم.
وأكد مفتي الجمهورية أن المقصد الرئيس، هو تحقيق الوسطية، موضحًا أن التطرف هو مجاوزة الحد، وينشأ من قراءة النصوص خارج سياقاتها، أو بمعزل عن الإطار الكلي للشريعة، متأثرة بالأهواء والانتماءات الضيقة، مؤكدًا أن الوسطية هي مجانبة طرفي الإفراط والتفريط. وأوضح أن تحقيق الوعي الرشيد بالفتوى يقوم على إدراك قيمة العقل في الإسلام، ورفض تعطيله، مع متابعة النماذج الفكرية المنضبطة.
ولفت فضيلته إلى ما ذكره الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «التفكير فريضة إسلامية»، مؤكدًا أن القرآن الكريم خاطب العقل بأعلى درجات التكريم، وجعل له دورًا محوريًّا في فهم الدين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وبيَّن أن القياس في حقيقته عمل عقلي منضبط، مستشهدًا بحديث الرجل الذي شكا للنبي صلى الله عليه وسلم ولادة زوجته غلامًا أسود.
ونوه فضيلته أن عمل المفتي يقوم على الجمع بين النص والاجتهاد، مشددًا على انتفاء التعارض الحقيقي بين العقل والنقل؛ لأن كليهما حق صادر عن الحق، وأن العقل قائد والدين مدد، ليجتمع النوران فيكونا نورًا على نور. وبيَّن أن العلاقة بين العقل والدين تحكمها دوائر الاختصاص والحاكمية والتكامل، موضحًا أن الإسلام يضع إطارًا أخلاقيًّا منضبطًا للعقل، خاصة في مجالات البحث العلمي.
وأشار مفتي الجمهورية إلى دروس تاريخية لآثار الفتاوى غير المنضبطة، مثل فتاوى منع الاجتهاد في العصر المملوكي، وفتاوى تحريم استخدام المطبعة في الدولة العثمانية، وفتاوى تحريم الاحتفاظ بالآثار في العصر الحديث، مؤكدًا أن الفتوى المنضبطة تعزز التسامح والاعتدال، وتحمي من التكفير والتشدد، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، موضحًا أن الفتوى الفاعلة تعتمد على سد الذرائع، وتفعيل الاجتهاد المؤسسي، واحترام العرف باعتباره معيارًا معتبرًا في ضبط الأحكام، مؤكدًا القاعدة الفقهية: «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا».
اقرأ أيضا:
مسابقة الفجيرة الدولية للخط العربي بالإمارات تكرم الفنان التشكيلي الازهري إسماعيل عبده
الإفتاء توضح حكم الوضوء بماء المطر وفضله
خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 19 ديسمبر 2025م ـ 28 جمادى الآخرة 1447هـ
خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 19 ديسمبر 2025م ـ 28 جمادى الآخرة 1447هـ
الدكتورة عائشة المناعي: الفتوى مسؤولية حضارية وأمانة أخلاقية
علماء يؤكدون: الفتوى أداة شرعية تنموية وركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي
الأمانة العامة لدُور الإفتاء في العالم تطلق ميثاق الفتوى والكرامة الإنسانية
الدكتور عبد الله النجار: الرؤية الإسلامية تقوم على تحقيق العدل والاستدامة
باحثة تطالب بإصدار فتاوى دقيقة تراعي المقاصد الشرعية والمعطيات الطبية الحديثة
انطلاق فعاليات ندوة الفتوى وقضايا الواقع الإنساني
وكيل الأزهر: الفتوى من أهم الآليات الشرعية في ترسيخ قيم السلم المجتمعي
وكيل رابطة العالم الإسلامي: الفتوى تسهم في حماية الإنسان وتصون كرامته
قاضي قضاة فلسطين: محاولات انتزاع المسجد الأقصى والمقدسات لن تنجح
وزير الأوقاف: الفقيهَ الحق ينفذ ببصيرتِه إلى أحوال الناس وواقعهم ومعايشهم
الرابط المختصر
آخبار تهمك
أسعار صرف الدينار الكويتي مقابل الجنيه المصري اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 في البنوك
20 أكتوبر 2026 06:40 ص
أسعار صرف الريال العماني مقابل الجنيه المصري اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 في البنوك
20 أكتوبر 2026 06:36 ص
الأكثر قراءة
-
الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في المنطقة الشرقية
-
وزير التعليم العالي: دعم الابتكار التطبيقي وتمويل المشروعات الصناعية بما يصل إلى 10 ملايين جنيه
-
توقعات الأبراج اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 حظك اليوم عاطفيا ومهنيا وماليا
-
حالة الطقس اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
-
جامعة القاهرة تنفي قبول 1056 طالبًا سعوديًا بطب قصر العيني وتكشف الأعداد الحقيقية
-
معتمد جمال يدرس مفاجآت في تشكيل الزمالك أمام بترول أسيوط
-
قبل مواجهة دوري الأبطال.. 4 مباريات لا تُنسى بين برشلونة وباريس سان جيرمان
-
وليد خليل يفتح مدرجات غزل المحلة مجانًا أمام جماهيره قبل مواجهة الاتحاد السكندري
-
المصري يواصل نزيف النقاط بتعادل أمام أبو قير للأسمدة في الدوري
-
قبل الكلاسيكو.. أرقام ركلات الجزاء والطرد تكشف الفارق بين ريال مدريد وبرشلونة
-
وزير البترول يفتتح مؤتمر ومعرض البحر المتوسط للبترول MOC 2026
-
سينتيا خليفة تفتح النار على فيلم «لمن يجرؤ» بمهرجان الجونة وتؤكد: لبنان أكبر وأرقى من الصور النمطية
-
تشغيل محطة مليحة بالصحراء الغربية في مرحلتها الثانية لإضافة إنتاج جديد من الغاز
-
اليوم..افتتاح مهرجان الموسيقى العربية فى دورته الـ 34
-
معتمد جمال يدرس مفاجآت في تشكيل الزمالك أمام بترول أسيوط
أكثر الكلمات انتشاراً