الإثنين، 16 مارس 2026

07:07 م

تحليل: صدمة الطاقة تقود الأسواق العالمية إلى مواجهة مع البنوك المركزية

الإثنين، 16 مارس 2026 05:05 م

دانييلا سابين هاثورن محلل سوق أول في Capital.com

دانييلا سابين هاثورن محلل سوق أول في Capital.com

القوة الأكثر تأثيراً في الأسواق حالياً هي صدمة الطاقة الناتجة عن توترات إقليمية مرتفعة في الشرق الأوسط. ومع استمرار الحذر حول مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط عالمياً، بدأت عمليات التسعير تعكس كلفة الطاقة الأعلى وتباطؤ النمو العالمي.

في الأساس، تعود المخاوف من الركود التضخمي: تضخم مدفوع بتكاليف الطاقة يقابله نشاط اقتصادي أضعف. وكلما طال أمد التوترات واستمرت اضطرابات الإمداد من الخليج العربي، زادت احتمالات انتقال أسعار النفط المرتفعة إلى التضخم العالمي بالتوازي مع ضغطها على آفاق النمو. ولأسواق الأسهم، يعد هذا المزيج تحدياً مباشراً: تضخم أعلى يبقي أسعار الفائدة مرتفعة، ونمو أضعف يضغط هوامش الأرباح، ما يدفع إلى نفور أوسع من المخاطر.

مضيق هرمز في قلب الاضطراب

تزايد تركّز الأنظار على أمن الملاحة في مضيق هرمز. وقد أثّرت اضطرابات إقليمية وتدابير أمنية بشكل متقطع على تدفقات الطاقة عبر الممر المائي، ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة للأسواق العالمية.

بالنسبة لصناع السياسات، فإن عودة الحركة الطبيعية عبر المضيق ضرورية لاستقرار الاقتصاد. ومع ذلك، تتباين حوافز الأطراف الإقليمية والدولية، ما يطيل أمد عدم اليقين حول مخاطر الشحن ويصعّب على المستثمرين التسعير بدقة.

النتيجة هي حالة جمود مطوّلة يصعب على الأسواق استيعابها سعرياً. ولا تزال التدفقات مقيدة إلى حد ملحوظ، ومع استمرار ذلك تبقى مخاطر صدمة طاقة عالمية ممتدة مرتفعة.

البنوك المركزية أمام مفترق سياسات

توقيت هذه التطورات يزيد المشهد تعقيداً أمام البنوك المركزية عالمياً. أسبوع حافل بقرارات السياسة النقدية، يشمل الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك الاحتياطي الأسترالي، يأتي في وقت بدأت فيه بعض الجهات تميل إلى بحث الخفض بعد دورة تشديد.

قبل التطورات الأخيرة، كانت بيانات التضخم تسير باتجاه مطمئن نسبياً. مؤشر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة جاء دون التوقعات مطلع الأسبوع، بما يوحي باستمرار مسار التباطؤ في التضخم. ومع ذلك، ظل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي عند 3.1%، وهو قراءة تعود إلى يناير، أي قبل القفزة الأخيرة في أسعار النفط والوقود المكرر.

حالياً، على صناع السياسات تقدير مدى تسرب صدمة الطاقة الراهنة إلى التضخم والنشاط الأوسع. لدى اقتصادات مثل الولايات المتحدة قدرة أكبر نسبياً على استيعاب أسعار الطاقة الأعلى مع متانة النمو، فيما تبدو أوضاع اقتصادات أخرى مثل المملكة المتحدة أكثر هشاشة. فالنمو هناك شبه ساكن، والتضخم فوق المستهدف ومن المرجح بقاؤه مرتفعاً بفعل كلفة الطاقة.

هذا يخلق بيئة سياسات معقدة. على البنوك المركزية إما “تجاهل” الصدمة باعتبارها مؤقتة في جانب العرض، أو التعامل بحزم أكبر مع آثارها التضخمية. وقد بدأت الأسواق إعادة تسعير التوقعات بالفعل، مع تقليص رهانات الخفض وفي بعض الحالات إعادة طرح احتمالات الرفع في الاقتصادات الأكثر تعرضاً لضغوط أسعار الطاقة.

أسواق الأسهم تحت الضغط

تعكس الأسهم تدريجياً مخاوف الركود التضخمي. وقد شهدت الأسواق في الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل ألمانيا واليابان تراجعات أكثر حدّة بحكم حساسيتها لارتفاع أسعار النفط واضطرابات الإمداد، فيما بدأت الأسهم الأمريكية هي الأخرى تفقد الزخم الذي قادها إلى قمم تاريخية مؤخراً.

وقد تزامن هذا التحول مع محاور كانت تتشكل قبل ذلك، إذ بدا أن حماسة المستثمرين لأسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا تتعرض للاختبار مع تقييمات مشدودة وتوقعات صعبة التحقق. وقد شكّل هذا الصدمة الخارجية محفزاً لإعادة تقييم أوسع للمخاطر عبر أسواق الأسهم.

الأداء السابق ليس مؤشرًا موثوقًا على النتائج المستقبلية.

صعود الدولار وتراجع الذهب

من التحركات غير البديهية ضعف الذهب رغم ارتفاع مستويات المخاطر عالمياً. عادةً ما يستفيد الذهب من طلب الملاذ الآمن، لكن قوى فنية وتشغيلية ضغطت عليه.

على مدى 18 شهراً، حقق الذهب صعوداً قوياً ما جعل التموضع مزدحماً. وفي المقابل، تعرض الدولار لموجات بيع ضمن سردية سلبية على العملة الأمريكية، قبل أن تدفع موجة التصعيد المستثمرين للعودة بقوة إلى الدولار، الذي لا يزال الملاذ النقدي الأول عالمياً.

هناك أيضاً عوامل هيكلية تدعم قوة الدولار: تسعير النفط بالدولار يرفع الطلب عليه مع صعود الأسعار، كما أن تشدد الأوضاع المالية يدفع لتغطية الالتزامات المقومة بالدولار، ما يعزز الطلب إضافياً. وقد أعادت هذه العوامل مؤشر الدولار إلى قرب مستوى 100 ذي الدلالة النفسية، وهو نقطة مقاومة فنية تتابعها الأسواق عن كثب.

نظرة مقبلة

تركز الأسواق حالياً على مسار التوترات الإقليمية وحالة مضيق هرمز. وطالما استمرت قيود التدفقات، سيظل سرد الركود التضخمي حاضراً  أي أسعار نفط أعلى، ودولار أقوى، وأوضاع مالية أكثر تشدداً، وضغط مستمر على الأصول ذات المخاطر.

في الوقت ذاته، قد تتراكم ضغوط مالية أعمق تحت السطح. اتساع هوامش الائتمان للشركات وارتفاع القلق حيال سوق الائتمان الخاص يوحيان بأن تشدد الأوضاع المالية بدأ يتسرب إلى النظام.

في المحصلة، ستتحدد الرؤية وفق سرعة احتواء صدمة الطاقة. فإذا عادت الحركة الطبيعية عبر مضيق هرمز واستقرت التدفقات، يمكن للأسواق أن تهدأ سريعاً. أما إذا طال الاضطراب، فقد يجتمع تضخم أعلى مع نمو أبطأ وتشدد مالي أوسع، بما يفرض تحديات أكبر على صناع السياسات والمستثمرين في الأشهر المقبلة.

  •  كبيرة محللي الأسواق في capital.com

الرابط المختصر

search