الثلاثاء، 28 أبريل 2026

02:20 م

إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري وعلاج مشكلة "المستريّح"

خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 1 مايو 2026م ـ 13 ذو القعدة 1447هـ

الثلاثاء، 28 أبريل 2026 11:22 ص

وزارة الأوقاف

وزارة الأوقاف

حددت وزارة الأوقاف، موضوعي خطبة الجمعة القادمة الأول من شهر مايو 2026م الموافق 13 من ذي القعدة 1447هـ، وستكون الخطبة الأولى بعنوان “إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري”، وتهدف إلى التوعية بأهمية إتقان كلِّ امرئٍ لعملِه، وأثر ذلك في بناء المجتمع وتشييد الحضارة، وأما الخطبة الثانية فستكون بعنوان “الاحتيال المالي ومشكلة المستريّح”.

وقد أصدرت وزارة الأوقاف الإصدار الحادي والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء “إتقان العمل واجب ديني وحضاري”، للاسترشاد به من جانب الأئمة والخطباء كالتالي:

نص الخطبة الأولى “إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري”

الحمدُ للهِ الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَه، وأتقنَ كلَّ ما صَنعَه، وأبدعَ الموجوداتِ على غير مثالٍ سبق، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، خيرِ من قامَ بما أُمرَ به من ربِّه، فبلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبذلَ في سبيلِ ذلك كلَّ جهدٍ، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوبُ بعد ضلال.

أما بعدُ 

فقد أولتِ الشريعة الإسلامية قضيةَ العمل  عنايةً كبرى، وكيف لا، وفي إتقانِه تبني الحضارات، وترتقي الأممُ، وتُصانُ الكراماتُ؟! بل كيف يجتمعُ إيمانٌ صادقٌ مع إنسانٍ لا يُحسنُ العملَ، ولا يُجيدُ ما وُكِلَ إليه؟! فبقدرِ ما يكونُ الإيمانُ راسخًا في قلبِ المؤمن، بقدرِ ما يتجلّى أثرُه في إتقانِ صَنْعتِه، وحُسنِ أدائِه، والقيامِ بأعباءِ وظيفتِه على أكملِ وجه؛ إذ الإيمانُ الحقُّ منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به وإليك بيانُ ذلك:

الإيمان يعلم الإتقان سواء في العبادة أو في غيرها:

جاء الإسلام بمنهجٍ قويمٍ يُؤكِّدُ من خلاله أنَّ الإتقان غايةٌ ساميةٌ يقصِدها الشرعُ الشريفُ من وراءِ الأوامرِ والنواهي؛ ليَنطلِقَ المؤمنُ، وقد تشرَّبَ هذا المعنى، إلى القيامِ بما أناطَه اللهُ به من أعمالٍ، تعودُ على الإنسانيةِ بالنفعِ والخير، وتُشيِّدُ صروحَ العمرانِ على أساسٍ من الإخلاصِ والإخلاص.

ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاُ} [الملك: ٢]، ولم يقل أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم.

ويغرس فينا النبي صلى الله عليه وسلم خلقًا جليلًا، هو المصاحب للمؤمن في سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فيقول مُجيبًا عن سؤال جبريل عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم]، فاستشعار المؤمن بأن الله يراه، واستحضاره لهذا المعنى كفيلٌ بأن يعينه على إحسان العبادة وإتقان العمل.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ» [متفق عليه]، وعن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه» [رواه مسلم].

الإتقان أساس انتظام الكون:

الإتقانُ منهجُ حياةٍ وسُنَّةُ كون؛ به تنتظمُ الأمور، وتستقيمُ الأحوال، وتبلغُ الأعمالُ غاياتِها في الكمال، فهو الميزانُ الذي تُوزَنُ به قيمةُ الإنسان، والمعيارُ الذي تُقاسُ به حضارة الأمم؛ إذ لا قيامَ لعمرانٍ، ولا ازدهارَ لحضارة، إلا إذا قامَت على أكتافِ أناسٍ يُحسنون ما يعملون، ويؤدّون ما أُسندَ إليهم بإخلاصٍ وإحكام.

ومن يتأمّل هذا الوجودَ يدرك أن الإتقانَ هو سرُّ انتظامه وجماله؛ نظامٌ دقيق، وتناسقٌ بديع، يشهد بأن الإتقانَ هو الأصلُ الذي تقوم عليه الحياة، ومن هنا كان لزامًا على الإنسان أن يجعلَ الإتقانَ سبيلَه في كلِّ شأن، في عبادته، وعمله، ومعاملاته؛ ليكون عنصرَ بناءٍ لا معول هدم، ونبعَ خيرٍ لا مصدرَ ضُر.

قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤] "... والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إِحسانهم أَحسن الجزاء، والإِحسان يشمل: إتقان العمل، والإِتيان به على الوجه الأكمل" [التفسير الوسيط - مجمع البحوث].

وقال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ‌صُنْعَ ‌اللَّهِ ‌الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨] قال ابن عباس: "أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه". [جامع البيان للطبري]. قَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أحكم وأبرم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أي: أحسن كل شيء. [تأويلات أهل السنة للماتريدي].

وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: ٧]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: ٦-٧]

وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ‌فَارْجِعِ ‌الْبَصَرَ ‌هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: ٣-٤] قال العلامة ابن عاشور: "والتعبير بوصف {الرَّحْمنِ} دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس؛ لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم؛ لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام، فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧]، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: ٥] [التحرير والتنوير].

الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية:

أكد ﷺ على أن الإتقان في العمل أمر يحبه الله تعالى فقال: «‌إِنَّ ‌اللَّهَ عز وجل ‌يُحِبُّ ‌إِذَا ‌عَمِلَ ‌أَحَدُكُمْ ‌عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المعجم الأوسط للطبراني وشعب الإيمان للبيهقي].

إن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدةً شاملةً في حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادةٍ دون أخرى، ولا على عملٍ دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك.

يقول وُهَيب بن الوَرْد: "لا يكن همّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكنْ همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه". [صفة الصفوة].

وعلى ذلك فالإتقان هو: أداء العمل على أكمل وجه، مع إحكامه، وإخلاص النية فيه، فليس الإتقان مجرد إنهاء العمل، بل هو إحسانه، وتجويده، والحرص على أن يكون في أفضل صورة.

فعلى المرؤوس أن يُحْكم عمله بإخلاص وصدق وإتقان، قاصدًا بذلك النفع للمسلمين، ميسرًا لهم، باذلًا لهم العون في حدود نظام العمل [موسوعة الأخلاق للخراز]ِ.

ذلك أن الإتقان يعكس صدق الإيمان، ويُجسِّد مراقبة الله في السر والعلن، وبه تتحقق الأمانة، ويؤدَّى الحق إلى أهله دون تقصير أو تهاون، والمجتمعات المتقنة في أعمالها هي الأقدر على المنافسة والريادة، كما أن الإهمال والتسيب من أسباب التخلف وضعف الإنتاج؛ لذلك كان الإتقان واجبًا دينيًّا وضرورة إنسانية لا غنى عنها في كل زمان ومكان.

دعوة القرآن إلى إتقان العمل:

أشار القرآن في محكم آياته إلى إحكام الصنعة وإتقان العمل في غير موضع، فيقول تعالى على لسان ذي القرنين، وهو يضع أسس هذا البناء المحكم الذي قام به: {فَأَعِينُونِي ‌بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف: ٩٥- ٩٦].

قال الحافظ ابن كثير: "وأما السد [يعني: سد يأجوج ومأجوج] فإن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس، وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال، فلا يُعرف على وجه الأرض ‌بناء ‌أجل ‌منه، ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم" [البداية والنهاية، لابن كثير].

كما أشار إلى ذلك في قوله على لسان سليمان عليه السلام: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل: ٤٤]، قال ابن كثير: "وذلك أن سليمان عليه السلام ‌أمر ‌الشياطين ‌فبنوا ‌لها ‌قصرًا ‌عظيمًا من قوارير؛ أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه... وقال محمد بن إسحاق، عن "يزيد بن رومان ثم قال لها: ادخلي الصرح؛ ليريها ملكًا هو أعزُّ من ملكها وسلطانًا هو أعظم من سلطانا، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله". [تفسير القرآن العظيم لابن كثير].

وتأمل قمة الإتقان الذي شيد به سليمان- عليه السلام- قصر بلقيس، فلما عاينت، علمت أنه نبي، فرجعت إلى رشدها {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: ٤٤]، وغيره مما قصه علينا القرآن الكريممما يثير في المسلم حماسة "الإتقان في العمل" بما يسمح للمنتج الوطني بغزو الأسواق، ورواج الصناعة على أكمل وجهٍ.

وفي قصة داود – عليه السلام-: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: ١١]، "والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء، والسرد: نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها". [التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مولانا أ.د/ محمد سيد طنطاوي].

حضارات الأمم تبنى بعقول المتقنين وسواعدهم:

قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ‌صُنْعَ ‌اللَّهِ ‌الَّذِي ‌أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨].

عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ: "أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأُعْجِبَ بِي، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ‌حَتَّى ‌حَذَقْتُهُ -أتقنته وأحكمته- وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ" [رواه أحمد في المسند].

ولَمَّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ، فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ، وَكَانَ حَسَّانُ غَائِبًا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ حَسَّانُ: جَاءَنِي رَسُولُهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، وَقُلْتُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ، فقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلِأَصْوَاتِهِمْ أَحْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ. [السيرة النبوية لابن هشام بتصرف].

احتراف المهن باب رزق ومغفرة ذنوب:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «‌مَنْ ‌طَلَبَ ‌الدُّنْيَا ‌حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُفَاخِرًا مُكَاثِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [مسند إسحاق بن راهوية].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَلَا الصِّيَامُ وَلَا الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ» قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ» [المعجم الأوسط للطبراني].

حسن التوكل على الله من الإتقان:

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٢].

قال الإمام البقاعي: "وحرف الاستعلاء "على"؛ للإشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه؛ لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار، ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار...، فمن توكل استفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل، لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه، وطال غمه بشدة سعيه، وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة" [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور].

السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ولكن تمطر ماء يشق الأرض، فيجني الإنسان ثمارها، ويعف نفسه، وينفع مجتمعه؛ لذا عليه أن يأخذ بالأسباب؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي وحسنه].

الأجر على قدر الإتقان:

يرسخ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبدأ أن إتقان العمل باب المغفرة؛ فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَمْسَى كَالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» [رواه الطبراني في "المعجم الأوسط].

وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» [رواه أبو داود].

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: «.. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [رواه مسلم].

واعلموا أن الله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عمله وأتقنه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: ٣٠].

إتقان العمل أمانة:

عملك أمانة ستسأل عنها يوم القيامة {وَالَّذِينَ هُمْ لَأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: ٨]، وإهمال العامل في عمله يعد خيانة للأمانة؛ لأنه مؤتمن على العمل الذي وُكل إليه، وكُلف به حيث لم يؤديه على الوجه المطلوب مع تقاضيه أجرًا عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: ٢٧]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].

الخطبة الثانية

الاحتيال المالي ومشكلة: "المستريّح"

إن الاحتيال المالي، المعروف مجتمعيًّا باسم مشكلة: “المستريح”، من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة في المجتمع المصري، مستهدفة البسطاء من المواطنين، ومُستغلّة احتياجهم لتحقيق الربح السريع خارج الإطار القانوني والاقتصادي السليم.

ويقوم هذا النمط من الاحتيال على إغراء الناس بعوائد مالية مرتفعة مقابل تسليم مدخراتهم لأشخاص يزعمون تشغيلها في أنشطة استثمارية وهمية أو غير واضحة المعالم، وقد ترتب على بروز هذه المشكلة ضياع أموال آلاف الأسر، وتعرض الكثيرين لحالات إفلاس نفسي ومادي، وارتكاب بعضهم لسلوكيات شخصية ضارة نتيجة الخسارة.

إن من أقبح صور الفساد الأخلاقي والاجتماعي المتسربل بلباس الدين: الاستهانة بحقوق الخلق وأموالهم، بحيث يأتي واحد من الناس فَيُوهم الناس بالسفر إلى الخارج للعمل، أو برحلات حج وعمرة، أو ببناء عقارات، أو باستثمار عالي الربح عديم المخاطر، أو نحو ذلك ليجمع أموال الناس ثم يهرب بها وقد أكل أموال الخلق، ولنا على ذلك عدة أمور لا بد من بيانها:

من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه:

روى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمْ حَسَنٌ: «يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْت هَذَا الدَّيْنَ؟ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ، وَلَكِنْ إمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ: أَيْ بَيْعٌ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ، فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ».

من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله:

عدَّ العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه: (الزواجر عن اقتراف الكبائر): [الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: الِاسْتِدَانَةُ مَعَ نِيَّتِهِ عَدَمَ الْوَفَاءِ أَوْ عَدَمَ رَجَائِهِ].

آكل أموال الناس لا يدخل الجنة:

فعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن جحش رَضِي الله عَنهُ قَالَ: "كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَاعِدا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز، فَرفع رَأسه قِبَل السَّمَاء ثمَّ خفض بَصَره فَوضع يَده على جَبهته، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله مَا أنزل من التَّشْدِيد» قَالَ: فَعرفنَا وسكتنا حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا: مَا التَّشْدِيد الَّذِي نزل؟ قَالَ: «فِي الدَّيْن، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قُتل رجلٌ فِي سَبِيل الله ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل وَعَلِيهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجنَّةَ حَتَّى يُقْضى دينُه» [رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد].

أموال الناس تؤخذ من حسنات العبد يوم القيامة:

روى الطَّبَرَانِيُّ: «الدَّيْنُ دَيْنَانِ فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».

وللطبراني أيضا فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا قَلَّ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ كَثُرَ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا حَقَّهَا خَدَعَهَا فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهَا حَقَّهَا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَدَانَ دَيْنًا لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ خَدَعَهُ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ سَارِقٌ».

آكل أموال الناس غادر:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده].

إجراءات عملية لمواجهة مشكلة المستريَّح:

أولًا:  التروي قبل اتخاذ أي قرار مالي، وعدم الاندفاع وراء العروض المغرية أو الربح السريع، وإعطاء النفس وقتًا للتفكير والمراجعة، فمعظم عمليات الاحتيال تعتمد على استعجال الضحية.

ثانيًا: التحقق من الجهة أو الشخص، وذلك من خلال التأكد من الترخيص والسجل التجاري والسمعة الفعلية، والبحث عن تجارب الآخرين، وعدم الاكتفاء بالوعود أو المظهر الخارجي.

ثالثًا: عدم تسليم الأموال دون مستند رسمي، فأي تعامل مالي يجب أن يكون بعقد مكتوب واضح البنود، يحدد الحقوق والالتزامات، مع توثيق قانوني كلما أمكن.

رابعًا: استشارة أهل الخبرة، قبل الدخول في أي استثمار أو شراكة، يُستحسن سؤال شخص مختص في المال أو القانون؛ فالنظرة الخارجية تكشف ما قد يغيب عن المتحمس.

خامسًا: تجنب التعاملات غير الموثقة، الابتعاد عن التسليم النقدي أو التحويلات غير الرسمية، والاعتماد على القنوات البنكية التي تحفظ الحقوق وتتيح التتبع.

سادسًا: الحذر من الوعود غير المنطقية، كل مشروع يعد بأرباح كبيرة في وقت قصير وبمخاطر معدومة غالبًا ما يكون مشبوهًا.

الرابط المختصر

search