الثلاثاء، 09 يونيو 2026

08:43 م

«يا رايحين الغورية».. كيف صنع محمد قنديل مجده بصوت خرج من قلب الشارع المصري؟

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 05:51 م

محمد قنديل

محمد قنديل

«3 سلامات» و«يا رايحين الغورية» و«جميل وأسمر».. مجرد أغنيات كفيلة بأن تعيد إلى الأذهان صوتًا استثنائيًا ارتبط بالوجدان المصري لعقود طويلة، إنه المطرب الكبير محمد قنديل، أحد أبرز نجوم الغناء الشعبي في القرن العشرين، الذي استطاع أن يقدم نموذجًا فنيًا خاصًا جمع بين الأصالة والبساطة، ليصبح صوته جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة.

وفي التاسع من يونيو من كل عام، يستعيد عشاق الطرب الأصيل ذكرى رحيل محمد قنديل، الفنان الذي لم يكن مجرد مطرب ناجح، بل حالة فنية متفردة عبرت عن نبض الشارع المصري، وقدمت الأغنية الشعبية في صورتها الراقية القريبة من الناس.

وُلد محمد قنديل في حي شبرا بالقاهرة، داخل أسرة ارتبطت بالفن والموسيقى ارتباطًا وثيقًا، ما أسهم في تشكيل وعيه الفني منذ سنواته الأولى، كان والده من هواة العزف على آلتي العود والقانون، فيما تمتعت والدته بصوت جميل، أما جدته، التي عُرفت باسم «سيدة السويسية»، فقد كانت من أشهر من غنوا في الأفراح والمناسبات الشعبية خلال بدايات القرن الماضي.

ولم يكن محمد قنديل الوحيد الذي اختار الطريق الفني داخل أسرته، إذ سبقه شقيقه الأكبر عبد الله قنديل إلى عالم الغناء والتمثيل، وشارك في عدد من الأفلام خلال أربعينيات القرن الماضي، إلا أن نجم محمد قنديل سرعان ما سطع بقوة، ليصبح أحد أشهر الأصوات الغنائية في مصر.

بعد انتهائه من الدراسة الثانوية، التحق بمعهد الموسيقى العربية، حيث درس العزف على آلة العود، وتلقى علوم الموسيقى على أيدي أساتذة كبار، وكان الملحن إبراهيم شفيق من أبرز من آمنوا بموهبته وساعدوه في تطوير أدواته الفنية.

وخلال سنوات الدراسة، لفت الأنظار بصوته المميز، حتى نال فرصة استثنائية عندما اختارته كوكب الشرق أم كلثوم للمشاركة بالغناء في تابلوه «القطن» ضمن أحداث فيلم «عايدة»، وهي التجربة التي مثلت دفعة قوية له في بداية مشواره الفني.

لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت من خلال مسرح المنوعات الذي كانت تديره الفنانة حكمت فهمي في منطقة الكيت كات بالقاهرة، حيث اعتاد تقديم المواويل والأغنيات أمام الجمهور، وشارك في حفلات ضمت عددًا من أبرز نجوم تلك الفترة، من بينهم المطربة نجاة الصغيرة.

وشكلت أغنية «يا رايحين الغورية» نقطة التحول الأبرز في حياته الفنية، بعدما قدمها من ألحان الموسيقار الكبير كمال الطويل، لتصبح واحدة من أشهر الأغنيات في تاريخ الغناء المصري. 

وحقق بعدها نجاحات متتالية بأغانٍ لا تزال حاضرة حتى اليوم، من بينها «يا غاليين علي يا أهل إسكندرية»، و«جميل وأسمر»، و«يا حلو صبح يا حلو طل»، و«إن شاء الله ما أعدمك»، إلى جانب الأغنية الشهيرة «3 سلامات» التي ارتبطت بصوته ارتباطًا وثيقًا.

وخلال مسيرته الممتدة لسنوات طويلة، قدم محمد قنديل أكثر من 800 أغنية تنوعت بين الشعبي والعاطفي والوطني، واستطاع من خلالها أن يحافظ على هويته الفنية الخاصة، دون أن يتخلى عن بساطة الأداء وصدق الإحساس اللذين ميزا تجربته.

ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الغناء، بل شارك في نحو 20 فيلمًا سينمائيًا، جمع خلالها بين التمثيل والاستعراض والغناء، ومن أبرز أعماله السينمائية «صراع في النيل» و«شاطئ الأسرار»، كما شارك في عدد من الأعمال الإذاعية والدرامية التي حققت نجاحًا كبيرًا.

وعلى المستوى الإنساني، عرف محمد قنديل بتواضعه الشديد وبساطة حياته، إذ فضل الابتعاد عن صخب النجومية، وظل محتفظًا بعلاقته الوثيقة بالناس والحياة الشعبية التي خرج منها. 

كما عُرف بحبه لتربية الطيور وجمع آلات العود القديمة، إلى جانب اهتمامه بالرياضة، خاصة المصارعة ورفع الأثقال.

وفي التاسع من يونيو عام 2004، رحل محمد قنديل عن عمر ناهز 75 عامًا، لكنه ترك وراءه إرثًا فنيًا خالدًا ما زال يعيش في وجدان المصريين والعرب.

 وبين أزقة «الغورية»، ودفء «3 سلامات»، وعذوبة «جميل وأسمر»، يبقى محمد قنديل واحدًا من أهم الأصوات التي شكلت ملامح الأغنية المصرية الأصيلة، وصاحب مدرسة غنائية لا تزال قادرة على عبور الزمن والوصول إلى القلوب.

الرابط المختصر

search