الخميس، 13 أغسطس 2026

10:38 ص

علاء ثابت مسلم يكتب: منذ رحيل أحبتي وأنا أسأل نفسي هل اقترب دوري؟

الخميس، 13 أغسطس 2026 09:24 ص

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

لا أدري لماذا أصبح الموت حاضرًا في ذاكرتي أكثر من أي وقت مضى.

ربما لأن الوجوه التي عشت معها طفولتي بدأت تتساقط من حولي واحدًا تلو الآخر، وربما لأنني كلما سمعت خبر رحيل عزيز، شعرت أن المسافة بيني وبين ذلك الموعد المجهول أقصر مما كنت أتصور.

أجلس أحيانًا وسط عائلتي الصغيرة ، أضحك معهم وأشاركهم تفاصيل الحياة، ثم تأتي لحظة صامتة تمامًا…

أنظر إليهم وأفكر:

ماذا لو لم يجمعنا العمر طويلًا؟

فأشعر برهبة لا تشبه أي شيء.

لا أخاف الموت لأنه قدر الله الذي لا مفر منه، لكنني أخاف أن أقف بين يدي الله وفي قلبي تقصير، أو في ذمتي حق لإنسان، أو خلفي كلمة جرحت قلبًا ولم أعتذر عنها.

أفكر في أشياء كثيرة فعلتها، وأشياء أكثر لم أفعلها.

وأتساءل:

كم شخصًا أحبني ولم أقل له بما يكفي إنني أحبه؟

كم إنسانًا وقف بجانبي ولم أشكره كما ينبغي؟

وكم كلمة قلتها في لحظة غضب، ثم نسيتها أنا، بينما ربما حملها شخص آخر في قلبه سنوات؟

لهذا، إن كنت قد أخطأت في حق أحد يومًا…

فأنا أطلب منه المسامحة.

إن جرحت إنسانًا بكلمة، فليعذرني.

إن قصّرت في حق صديق، فليسامحني.

إن أسأت فهم أحد، أو قسوت عليه، أو ابتعدت عنه في وقت كان يحتاجني فيه، فليغفر لي.

ليس عيبًا أن يعترف الإنسان بتقصيره.

العيب أن يعرف أنه أخطأ، ثم يترك الأيام تمر وكأنها مضمونة.

وأنا لا أكتب هذه الكلمات لأودّع الدنيا.

بل أكتبها لأنني بدأت أفهم أن الإنسان لا يحتاج إلى انتظار خبر وفاة أحد حتى يتذكر أن عمره قصير.

يكفي أن تنظر حولك…

ستجد أن بعض الذين كانوا بالأمس معنا أصبحوا اليوم صورًا وذكريات ودعوات.

أسماء كانت تملأ المكان ضحكًا، أصبحت تُذكر في الدعاء.

وأصدقاء كنا نظن أننا سنكبر معهم، سبقونا إلى دار الحق.

وهنا أقف مع نفسي طويلًا…

ماذا أعددت للقاء الله؟

هل جمعت من الدنيا ما يكفي؟

لا.

فالدنيا مهما أعطتنا لن تكفي.

لكن هل جمعت من العمل ما يطمئن قلبي؟

هل أصلحت ما بيني وبين الله؟

هل رددت الحقوق؟

هل سامحت من ظلمني؟

هل طلبت الصفح ممن ظلمتهم؟

هل تركت خلفي أثرًا طيبًا؟

هذه الأسئلة هي التي تخيفني أكثر من فكرة الرحيل نفسها.

لأنني مؤمن بأن الأجل بيد الله وحده، وأن لكل إنسان كتابًا لا يتقدم ولا يتأخر.

لكنني مؤمن أيضًا بأن ما دام في العمر بقية، فالباب لم يُغلق.

باب التوبة مفتوح.

باب الاعتذار مفتوح.

باب رد الحقوق مفتوح.

باب بر الوالدين مفتوح.

باب الصدقة مفتوح.

باب جبر الخواطر مفتوح.

وباب العودة إلى الله لا يحتاج إلا إلى قلب صادق.

لذلك، لن أقول: وداعًا يا دنيا.

بل سأقول:

ما دام الله قد أبقاني فيها يومًا آخر، فسأحاول أن أجعل هذا اليوم أفضل من الذي سبقه.

سأحب أكثر.

سأسامح أكثر.

سأعتذر دون أن أنتظر أن يعتذر الآخرون.

سأقول لمن أحبهم إنني أحبهم.

وسأحاول ألا أنام وفي قلبي خصومة لا تستحق أن تحملها روحي.

فربما لا نملك أن نعرف متى تكون آخر مرة…

آخر جلسة.

آخر ضحكة.

آخر مكالمة.

آخر لقاء.

لكننا نملك أن نجعل كل لقاء جميلًا بما يكفي كي لا نندم إذا أصبح ذكرى.

اللهم إن قصّرت فاغفر لي.

وإن أخطأت فاهدني إلى إصلاح خطئي.

وإن كان لأحد عندي حق فأعنّي على رده.

وإن كنت قد جرحت قلبًا بكلمة، فبلّغ إليه منّي اعتذاري، واكتب لي وله السلام.

اللهم لا تجعل تذكري للموت خوفًا يُطفئ الحياة في قلبي، بل اجعله نورًا يوقظني من الغفلة.

واجعل ما بقي من عمري أقرب إليك، وأرحم بالناس، وأصدق مع نفسي.

فأنا لا أستعد للرحيل.. أنا أستعد لأن أعيش ما بقي من عمري كما ينبغي أن يعيش عبدٌ يعرف أنه عائد إلى ربه.

الرابط المختصر

search