هاني مصطفى يكتب: عروس البحر وعاصمة العشق المحمدي (2)
الثلاثاء، 18 أغسطس 2026 12:29 ص
هاني مصطفى
إذا كان الجزء الأول من رحلتنا قد طاف بنا حول الجغرافيا الروحية ومقامات الأولياء والصالحين الذين استقروا في ثرى الإسكندرية، فإن للروح رحلة أخرى تنفذ إلى أفئدة السكندريين وحياتهم الإيمانية. فحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام سجية تجري في شرايين المصريين عامة في كل ربوع مصر المحروسة من أقصاها إلى أقصاها، غير أن للإسكندرية في هذا العشق طقساً فريداً ونفحة خاصة؛ تلتحم فيها بساطة أهل البحر بصدق المحبة الفطرية ليصنعوا مشاهد من الفرح الخالص.
مع حلول إشراقة المولد النبوي الشريف، تكتسي شوارع المدينة وأزقتها—من بحري إلى أبوقير ومن العجمي إلى الجمرك، مروراً بالعطارين وشارع فؤاد وكرموز أبهى حُلل البهجة. يتنقل الأهالي كباراً وصغاراً بين الطرقات، يحملون صواني "شربات المولد" الأحمر المنسم بماء الورد والمزين بقطع الموز، يوزعونه بتلقائية وبشاشة على المارة والمشاة.
وفي تلك اللحظات، مع تبادل النفحات وحلويات السمسميه والسودانيه ، يتسامى في الزوايا والساحات صدى أبيات الإمام البوصيري صاحب البردة الخالده والتي تُعقد لها جلسات أسبوعية منتظمة في مساجد شتى بالإسكندرية لقراءتها والإنشاد بها والإحتفاء بنفحاتها،
وكأن أمواج البحر تشارك الأهالي ترتيل:
"مولاي صلّ وسلّم دائماً أبداً.. على حبيبك خير الخلق كلهمِ".
ولأن الشغف السكندري لا يقف عند حد الذكرى العطرة للمولد الشريف، بل يمتد ليعانق مواسم أولياء الله العارفين؛ فتتحول أيام موالدهم كأنها أعراس روحية مشهودة، من ساحة سلطان العارفين سيدي أبي العباس المرسي، إلى رحاب سيدي أبي الإخلاص الزرقاني وسيدي المنير وغيرهم من رجال الله.
هناك يتجلى الكرم السكندري في أبهى صوره؛ حيث تُذبح الذبائح لأهل الله، وتُقام الولائم،
ورغم ما قد يتخلل هذه التجمعات الكبرى أحياناً من بعض الممارسات والظواهر غير المحمودة، إلا أن القائمين عليها وأهل العلم يجاهدون و يسعون في كل عام لمعالجتها وتهذيبها، ليبقى جوهر هذه المناسبات خالصاً ناصعاً، محفوفاً بالذكر والإطعام والمحبة الشريفة.
ولأن المحبة المحمدية ليست مجرد رسوم أو مظاهر، بل هي سريرة يطّلع الله عليها فيجزي أهلها بالكرامة والتوفيق، تجلت إحدى أروع قصص هذا الصدق في قلب حي "كرموز" العريق:
كان هناك رجلٌ من خيار أهل الإسكندرية، شُغف قلبه بحب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، وكان يحرص في كل عام على إحياء ذكرى المولد النبوي بنشر الفرح وتوزيع الشربات على الصغير والكبير. وفي أحد الأعوام، وفي نفس يوم المولد الشريف، فاضت روحه إلى بارئها.
وعقب الصلاة عليه في "المسجد العمري" الشهير بكرموز، وبينما كان جثمانه يُحمل في السيارة، ليجدوا علي الرصيف المقابل للمسجد طاولات كبيرة أُعدت كعادة أصحابها الكرام لتوزيع شربات المولد على المارة.
وفي تلك اللحظة المهيبة، وقف ابن المتوفى بجوار جثمان أبيه ليرفع صوته بكلمات هزت القلوب: "يا أحباب رسول الله.. نشرب شربات رسول الله!"
استعجب الناظرون والمشيعون من هذا الموقف، فنظر إليهم الابن وقال بقلبٍ يملؤه اليقين: "أبويا الله يرحمه كان دايماً يقول: نفسي أموت وأدفن يوم مولد سيدنا النبي، والناس تمشي ورايا وتشرب شربات المولد".
فسبحان من يعطي على نية الصادقين! لقد لبى الله رجاء عبده ورغبته في نفس اليوم والساعة، إكراماً لصدق محبته لجنابه الشريف صلى الله عليه وسلم.
إن هذه القصة تختصر سر السلوك والوصول إلى الجناب العالي؛ فالصدق في المحبة هو الإكسير الذي يحول العادات إلى عبادات ومقامات.
لا يضر المحب الصادق أطباع الناس ولا أحوالهم، ولا يشغله رضاهم أو جفاؤهم؛ إنما يسير في طريقه متجرداً، يترك كل القيل والقال خلف ظهره، لا يبتغي إلا وجه ربه ومعاملة خالقه وحده، كما كان يردد العارف بالله فضيلة الشيخ عبد السلام علي شتا رحمه الله
( فَخَلِّ الْخَلْقَ خَلْفَكَ ثُمَّ عَامِلْ .. بِصِدْقِ ذَاتِ مَوْلَاكَ الْعَلِيَّةْ )
ستبقى الإسكندرية بنفحات مساجدها، وحرارة زواياها، وصواني شرباتها الممتدة في الحارات شاهدةً على أن العشق المحمدي ليس كلاماً يُكتب في الكتب، بل هو حقيقة حية تعاش في القلوب والبيوت، ويقين يترجمه السكندريون أفعالاً وكرامات تُروى جيلًا بعد جيل..
وتعالوا معي نردد سوياً مع الإمام البوصيري صاحب بردة رسول الله:
نَبِيُّنَا الآمِرُ النَّاهِي فَلا أَحَدٌ .. أَبَرَّ فِي قَوْلِ لا مِنْهُ وَلا نَعَمِ
هُوَ الحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ .. لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ
يَا رَبِّ بِالمُصْطَفَى بَلِّغْ مَقَاصِدَنَا .. وَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى يَا وَاسِعَ الكَرَمِ.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
الفيومي: تثبيت التصنيف الائتماني لمصر يتطلب تخفيف الأعباء عن المواطنين ومواجهة جشع التجار
13 أكتوبر 2026 10:41 ص
انطلاق «جولة الفرنشايز في مصر» وإعلان تأسيس لجنة متخصصة للامتياز التجاري بغرفة الإسكندرية
12 أكتوبر 2026 01:39 م
الإسكان: إزالة مخالفات بناء واسترداد 180 فدانًا من أراضي الدولة
12 أكتوبر 2026 12:29 م
خطوات التظلم على بطاقة التموين المتوقفة 2026.. الأوراق المطلوبة وطريقة استعادة الدعم
12 أكتوبر 2026 08:50 ص
سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026
12 أكتوبر 2026 08:30 ص
الأكثر قراءة
-
الزمالك يشكو مخرج مباراة القمة للمجلس الأعلى للإعلام بسبب هتافات جماهير الأهلي
-
عصام عبد الفتاح يكشف كواليس اختيار حكم أجنبي للقمة ويدافع عن التحكيم المصري
-
وزير التعليم يكرم مديري المدارس المتميزة على مستوى الجمهورية
-
أحمد محارم يكتب: القوة الناعمة المصرية.. ما أراه من أمريكا
-
نتيجة مباراة بيراميدز و سيراميكا كليوباترا في الدوري المصري
-
من القمة إلى إفريقيا.. كيف يستعيد الزمالك توازنه أمام الجيش الرواندي؟
-
الدوري المصري يشتعل.. الأهلي والزمالك وبيراميدز في صراع ناري على القمة
-
محمود ممدوح يتصدر ترتيب هدافي الدوري المصري.. وزيزو وصلاح محسن في المنافسة
-
موكوينا بعد رباعية بيراميدز أمام سيراميكا: نسعى لزيادة عدد لاعبينا في منتخب مصر
-
إصابة كومان تربك حسابات النصر أمام نيفتشي فرغانة وتثير القلق بشأن مدة غيابه
-
مصر تطالب هولندا بحماية السفارة المصرية في لاهاي والإفراج عن أحمد ناصر
-
«ما تعرفوش يعني إيه عادل إمام».. رسالة غاضبة من محمود سعد بسبب صورة مفبركة
-
مواعيد مباريات اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026.. مواجهات قوية في دوري الأبطال وآسيا والدوري المصري
-
«أنا الغالي اللي تمنه فيه».. وائل عبدالعزيز يرد على شائعات أجره المرتفع
-
وفاة الممثل الأمريكي الشاب آر جيه ميت بطل مسلسل Breaking Bad
أكثر الكلمات انتشاراً