الخميس، 20 أغسطس 2026

12:36 م

هشام عياد يكتب: قبل أن تتسع العاصفة ( ١ ).. هل يقترب العالم من أزمة اقتصادية تاريخية؟

الخميس، 20 أغسطس 2026 11:33 ص

هشام عياد

هشام عياد

​لم يعد السؤال الذي يشغل خبراء الاقتصاد وصناع القرار حول العالم هو هل يشهد الاقتصاد العالمي أزمة جديدة؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو.. إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الأزمة، ومن ستكون الدول الأكثر قدرة على الصمود أمامها؟
​ورغم أن الحديث عن أزمة ستكون الأسوأ في التاريخ يبدو مبالغاً فيه في ضوء البيانات الحالية، فإن الاقتصاد العالمي يواجه بالفعل مجموعة غير مسبوقة من الضغوط المتزامنة، فالحروب والتوترات الجيوسياسية تضغط على أسواق الطاقة، والديون الحكومية تتضخم، وأسعار الفائدة طويلة الأجل ترتفع، والتجارة العالمية تتعرض لمزيد من القيود، بينما تتزايد المخاوف من التضخم وتراجع الاستثمار.
​والأخطر أن هذه العوامل لم تعد تعمل بصورة منفردة، وإنما أصبح كل عامل منها يغذي الآخر، بما يفتح الباب أمام سيناريو اقتصادي شديد الصعوبة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وارتفعت أسعار الطاقة وتدهورت أوضاع الأسواق المالية.
​والمتابع لبيانات صندوق النقد الدولي، يجد أن أحدث توقعاته لا تشير إلى ركود عالمي حتمي، بل تتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال العام الحالي 2026 و3.4% في العام المقبل 2027. 
لكن الصندوق يحذر في الوقت نفسه من أن المخاطر ما زالت تميل إلى الجانب السلبي، ولا سيما مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، واضطراب سلاسل الإمداد، والتوترات التجارية، وارتفاع مستويات الدين.
​وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالعالم لا يواجه أزمة اقتصادية تقليدية من النوع الذي حدث في 2008، عندما كان مركز الأزمة هو القطاع المالي والعقاري، وإنما يواجه هذه المرة أزمة متعددة الرؤوس.. 
طاقة، وغذاء، وتجارة، وديون، وفائدة، وعملات، وجغرافيا سياسية.
​ففي منتصف أغسطس الحالي 2026، شهدت أسواق السندات العالمية ارتفاعاً كبيراً في عوائد الديون طويلة الأجل، مع بلوغ العائد على السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً مستويات لم تشاهد منذ سنوات طويلة، وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع الدين الحكومي والتضخم وتكاليف الاقتراض. 
وهذه التطورات مهمة لأنها تعني أن تمويل الحكومات والشركات والأفراد يمكن أن يصبح أكثر تكلفة، بما يضغط على الاستثمار والاستهلاك والنمو.
​والسؤال الذي يفرض نفسه.. 
هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى زلزال اقتصادي عنيف؟
نعم، ولكن ليس هذا هو السيناريو الحتمي. فالسيناريو الأكثر خطورة يبدأ إذا اجتمعت عدة عوامل في الوقت نفسه.. 
استمرار الصراعات العسكرية، ارتفاع أسعار النفط والغاز، اضطراب طرق التجارة، عودة التضخم، استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، واتساع أزمة الديون السيادية.
​في هذه الحالة قد تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة للغاية:
​هل يكون الإنفاق لدعم المواطنين والاقتصاد؟
​أم تقلص الإنفاق للحفاظ على استقرار المالية العامة؟
​في المقابل، فإن رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يحد من الاستثمار والنمو، بينما خفضها سريعاً قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية. وهكذا يدخل الاقتصاد العالمي في دائرة معقدة.. 
طاقة أغلى، تضخم أعلى، فائدة أعلى، اقتراض أكثر تكلفة، استثمار أقل، نمو أضعف.
​كما أن استمرار الحرب والتوترات التجارية يمكن أن يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، ويدفع الدول إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة والغذاء والسلع الاستراتيجية، ويعزز اتجاهاً نحو إعادة توطين بعض الصناعات وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد البعيدة.
​والسؤال الأهم.. 
ماذا عن مصر في ظل تلك الاحتمالات المتواترة؟
​مصر ليست بمنأى عن هذه العاصفة، بل تتأثر بعدد من القنوات المهمة، وفي مقدمتها أسعار الطاقة، وتكلفة الاستيراد، وسعر الصرف، والاستثمار الأجنبي، والسياحة، وإيرادات قناة السويس، وخدمة الدين.
​وفي المقابل، تمتلك مصر نقاط قوة لا يمكن تجاهلها، من بينها الأسواق المحلية الكبيرة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وقاعدة صناعية وزراعية يمكن توسيعها، وقطاع طاقة مهم، وإمكانات كبيرة في السياحة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة.
​ومن جانبه فإن صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد المصري، لكنه يحذر أيضاً من ارتفاع التضخم خلال النصف الثاني من 2026 إلى نحو 16.7%، مع تأثر الاقتصاد بارتفاع أسعار الطاقة وضغوط سعر الصرف وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية. كما يتوقع نمواً بنحو 4.4% في السنة المالية 2026/2027.
​وهذا يعني أن التحدي أمام مصر ليس منع الأزمة العالمية، وإنما منع انتقال آثارها إلى الداخل بصورة تضاعف الضغوط على المواطن والاقتصاد والدولة.
« يستكمل في المقال القادم » 

الرابط المختصر

search