الجمعة، 04 سبتمبر 2026

04:39 م

د. رانية يوسف راغب صافي تكتب: حجية أحكام المحكمة الجنائية الدولية أمام المحاكم الوطنية

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 02:42 م

د. رانية يوسف راغب صافي عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية المصرية للأمم المتحدة

د. رانية يوسف راغب صافي عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية المصرية للأمم المتحدة

ينهض الاختصاص الإقليمي للمحكمة الجنائية الدولية على الاختصاص العالمي، فالأصل في الاختصاص الجنائي هو الاختصاص الإقليمي، فلا تنعقد الولاية القضائية للمحكمة الجنائية، إلا على الجرائم المرتكبة على إقليم دولة طرف في روما، أو مصدقة على الاتفاقية، أو على دولة ليست طرف ولكن شرط قبولها بهذا الاختصاص، أو أن يكون المتهم أحد رعاياها، ويكون هذا القبول بإيداعها إعلان مودع المحكمة، طبقًا لنص المادة(12/3) من نظام روما الأساسي للمحكمة، ولا تمارس المحكمة ولايتها القضائية إلا بعد بدء نفاذ هذا النظام، وذلك عملًا بالمادة(11/1) من نظام روما، فالاختصاص القضائي للمحكمة اختصاصًا مستقبلًا، بقبول الدولة لهذا الاختصاص سواء بانضمامها فيكون قبولًا ضمنيًا أو بقبول صريح للاختصاص لدولة غير طرف للاتفاقية وحجية أحكام المحكمة الجنائية الدولية، مقارنة بحجية المحاكم الوطنية عند نظر الجرائم ضد الإنسانية، وهل تحوز نفس الحجية من عدمه؟.. فأحكام المحاكم الوطنية تحوز حجية المحكمة الجنائية الدولية نفسها إلا في حالتين استثنائيتين :
الأولى: صدور حكم بعد فصل المحاكم الوطنية في الدعوى بشكل صوري، تحقيقًا لهدف إفلات المتهم من المحاكمة الجنائية، وذلك بالحكم بعقوبات مخففة غير متناسبة وخطورة الجرم الواقع أو بالتساهل في الإجراءات.
الثانية: صدور حكم من المحاكم الوطنية في الدعوى بعد إجراء المحاكمة بشكل لا يغلب عليه النزاهة والاستقلال طبقا للمحاكمات الخاضعة للقانون الدولي، كحق إنساني في محاكمة عادلة كما جاء في الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية.
فيشترط قبل اللجوء للمحاكم الوطنية ذات الاختصاص العالمي، استنفاذ الولايات القضائية للمحاكم الوطنية، بمعني آخر أن يكون النظام القضائي الوطني غير قادر أو غير راغب في نظر الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في نظام روما للمحكمة، ومن خلال التطبيقات العملية حين رفض إحدى المحاكم الاسبانية ممارسة ولايتها القضائية في جرائم ضد الإنسانية المرتكبة في "جوانتيمالا"؛ وذلك لفتح المجال أمام المحاكم الوطنية في جواتنيمالا لممارسة الاختصاص القضائي، وفي عام 2005 غيرت المحاكم الاسبانية من مسارها القضائي حين قضت المحكمة الدستورية "بإتاحة نظر هذه الجرائم طالما توافرت الدلائل على عدم رغبة وقدرة المحاكم في جوانتيمالا على نظر هذه الجرائم.
وجاءت المادة(17/1/ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بمسألة عفو المحاكم الوطنية عن مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية كجرائم دولية بشرط صدور هذا العفو قبل التحقيق أو إقامة الدعوى، ولكن إذا صدر العفو من المحاكم الوطنية بعد التحقيق ورفعت الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية فتطبيقًا لنص المادة(17/1/ب) سالفة البيان يتم عدم مقبوليتها.
المعيار الأول: معيار عدم رغبة المحاكم الوطنية: نص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن المحكمة الوطنية هي صاحبة الاختصاص الأصيل ومبدأ التكامل هو الذي يجعل اختصاص المحكمة تكميلي للمحكمة الوطنية، فوضع عدم رغبة دولة في نظر جريمة ضد الإنسانية منصوص عليها في نظام روما الأساسي بعدم السير في إجراءاتها، أو إجراء سواء التحقيق أو المحاكمة بالمخالفة لأصوال العدالة أو حدوث تأخير أو محاباة لحماية المتهم من المسؤولية الجنائية التي نص عليها نظام المحكمة مما يشكل عدم استقلالية ونزاهة القضاء الوطني، وذلك بناء على اعتبارات سياسية، مما يجعله محلًا للمعارضة على الصعيد الدولي وينتج عنه إفلات مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية من المحاكمة.
وقد عارضت بعض الوفود المشاركة في اجتماعات اللجنة التحضيرية التي انعقدت في مارس وابريل من عام 1996 مسألة "عدم الرغبة" باعتبارها أحد الأسس لممارسة المحكمة الجنائية للولاية القضائية وذلك استنادًا إلى الضمانة التي كفلتها الدساتير الوطنية وهي سيادة الدول، وتوصلوا من خلال المفاوضات إلى عدم إدراج "عدم الرغبة" منفردًا؛ لأنه سيعطل سير المحكمة وذلك من خلال لجوء بعض الدول إلى انشاء محاكم صورية وضرورة إدراج "عدم الرغبة" إلى جانب "عدم القدرة" كأسس للولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية.
وتكمن مشكلة عدم رغبة الدولة في ممارسة الاختصاص القضائي لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في حالة رفض تسليم الدولة المتهمين للمحكمة، في حالة رفضها مسبقًا ممارسة اختصاصها بنظر الدعوى ويحق لمجلس الأمن هنا وطبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة اتخاذ إجراءات وقائية أو تحفظية، كمنع المتهمين من السفر وضرورة تسليمهم للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهم.
وقد وضعت المحكمة الجنائية في نظامها الأساسي معايير عدم رغبة الدولي في الآتي:
أولًا: معيار الرغبة في حماية المتهم: تكمن المشكلة في الوصول إلى إثبات حماية الدولة متمثلة في النظام القضائي الوطني في حماية المتهم ولكن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا في حالة شهادة فرد بذلك لما في ذلك من فتح مجال التدخل في سيادة الدولة .
ثانيًا : معيار تأخير تقديم المتهم للمحاكمة: ويبدو التأخير هنا عند تأخير تقديم متهم في جريمة ضد الإنسانية كجريمة دولية تتصف بالأشد خطورة عن جرائم أخرى، وذلك إذا لم يتخطى الحدود المعتادة في حالة تأخير اتخاذ الإجراءات، ويقع عبء إثبات مبرر للتأخير من عدمه كمعيار لعدم رغبة المحكمة الوطنية على المحكمة الجنائية الدولية.
ثالثًا: معيار عدم استقلالية الجهاز القضائي الوطني: وتبدو معالم استقلالية النظام القضائي الوطني ونزاهته في مدى استقلال تعيين وعزل أعضاء الجهاز القضائي، ومدى التدخل السياسي في تطبيق إجراءات التحقيق والمحاكمة للمتهمين من قبل قوي أخرى سواء سلطة احتلال أجنبي أو نشوب حرب أهلية داخل الدولة أو تحكم قوى سياسية في قرارات السلطات السياسية الكبرى بالدولة أو تدخل السلطات التنفيذية في الدولة في السلطات القضائية مما يترتب عليه عدم استقلالية الجهاز القضائي الوطني بالدولة، وقد يكون هناك تنازع داخلي بين السلطتين القضائية والتنفيذية رغبة من احداهما في محاكمة بعض من أفراد السلطات القيادية وعدم محاكمة البعض الآخر أو قد يكون رغبة من القيادة التنفيذية لحماية أفرادها ممن قام بتنفيذ الأوامر العسكرية استنادًا للحصانة الممنوحة لهم وهو ما يتعارض مع نصوص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ويخول الأخيرة فرض اختصاصها القضائي ونظر الجرائم ضد الإنسانية محل التنازع.
المعيار الثاني: معيار عدم قدرة النظام القضائي الوطني:
نصت المادة (17/3) في فقرتها الثالثة على معيار عدم قدرة المحاكم الوطنية على ممارسة الاختصاص القضائي لنظر الجرائم ضد الإنسانية من ضمن الجرائم الدولية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة؛ وذلك بسبب انهيار النظام القضائي للمحكمة الوطنية وذلك في حالة عدم توافر نظام قضائي من الأساس أو نتيجة أحداث معينة تسببت في انهياره، أو لعدم القدرة على إحضار المتهم أو الحصول على الأدلة أو الشهادة الضرورية أو لسبب آخر، ويرجع انهيار النظام القضائي الوطني للأسباب الآتية:
أولًا: انهيار النظام القضائي الوطني نتيجة انهيار الدولة نفسها؛ وذلك بسبب احتلال أجنبي قام باحتلالها وفرض سيطرته الكاملة على سلطاتها الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية وهو على سبيل المثال لا الحصر ما تم من الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق وليبيا وأفغانستان وغيرهم.
ثانيًا: انهيار النظار القضائي الوطني بسبب نشوب حرب أهلية داخل إقليم الدولة ووجود ميلشيات وتفرقة لوحدة أفراد الشعب، مما ترتب عليه عدم قدرة الجهاز القضائي في الدولة على اتخاذ إجراءات التحقيق والمحاكمة. 
وقد ورد على لسان القاضي الألماني"هانز بيتر كول" من اعتبار عدم منح المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص الجنائي العالمي ماهو الا ضعف مؤلم لنظام المحكمة، بدليل في حالة نشوب حروب أهلية داخل الدولة، مع عدم عضوية الدولة التابع لها المجني عليه في نظام روما للمحكمة، وكذلك عدم عضوية دولة الجاني ولا الإقليم الواقع عليه الجريمة أو عدم موافقة الدولة على اختصاص المحكمة أو عدم إحالة مجلس الأمن، فلن يخشي من العقاب مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة الجسامة أمثال الجرائم ضد الإنسانية. 

  • عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية المصرية للأمم المتحدة

الرابط المختصر

search