الجمعة، 04 سبتمبر 2026

06:08 م

هاني مصطفي يكتب: لطفه يجري والعبد لا يدري

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 03:55 م

هاني مصطفى

هاني مصطفى

كام مرة عدت عليك في حياتك مواقف.. وقفت بعدها مشدودا ومذهولا وتقول لنفسك: "سبحان الله.. أنا ازاي نجيت من دا؟!".. 

كام مرة كُنت سايق وفجأة فرملت على آخر لحظة، أو حاجة وقعت منك على الأرض فأخرتك دقايق عن الخروج، وبعدها اكتشفت إن الدقيقة دي بالذات كانت الفاصل بينك وبين حادثة كبيرة لا قدر الله؟ 

كام مرة مشيت في شارع، أو خذت قرار في شغلك كنت فاكره غلط، واكتشفت بعد سنة إنه كان أفضل حاجة حصلت لك في حياتك؟

إنه لطف الله الخفي.. اللطف اللي بيتدفق في تفاصيل أيامنا من غير ما نحس، يسندنا وإحنا ماشيين، ويبعد عننا الشرور من غير ما نطلب.

ربنا سبحانه وتعالى هو اللطيف، واللطف في حقيقته هو البر والرحمة التي تتسلل إليك في أضيق الأوقات ودون أن تدري. 

وهو أيضاً الجبار، اللي بيلطف بيك في القدر، ويصلح لك كواليس حياتك من غير ما تحس ويرمم كسرك.. والجبار لا يُخيب أبداً من يقصده ولا يرُد أبدا من يطرق علي بابه.

ولأن جبر الخواطر من شيم الأنبياء، ربنا بيبعت لك لطفه ساعات في صورة إنسان! أمس فقط، جبر خاطري صديق عزيز لم أره منذ أكثر من 21 سنة؛ بهدلتنا زحمة الحياة والسفر ومشاغل العمل، لكن زيارته أعادت للنفس روحها وضحكاتها القديمة. وفي وسط الحديث، حكى لي عن أول عمرة له، وكيف فاتته الطائرة بسبب ورقة روتينية، فبكي لله وظن بالله الظنون.. سخر الله له من ينهي أوراقه في اليوم التالي ليركب طائرة في بدايه اليوم الثالث وكل هذا وهو متعلق بأمل العمرة وزيارة سيدنا النبي ولم ينم أو يغفل .

وصل مكة متأخراً بعد أن أتم أصحابه زيارتهم للمدينة وكمان خلصوا عمرتهم، وفجأة وجد نفسه وسط الزحام بعد إنتظارهم وحيدا إلا من الله الودود ينوي العمرة معتمداً على مالك الملك وحده، فتيسرت له بسلاسة ولذة عجيبة! 

ولم ينتهِ اللطف هنا، فبمجرد خروجه التقى بمعارف متجهين لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب معهم، وهناك وبعد السلام علي الحبيب مباشرة أخذته سِنة من النوم بجوار روضه الحبيب.. ساعتان فقط عوضتاه عن سهر ثلاثة أيام، وعاد بسلام الله.

 التأخير الذي ظنه عطلاً، كان في حقيقته ترتيباً إلهياً ليزور ويطوف ؤيتجمل.. يتأمل ويتعبد وحده بأجمل طريقة ممكنة.. النية وصدق الدعوة هما أساس وجوهر استحقاق اللطف.

ولما نحب نفهم الفلسفة دي من القرآن، مافيش أجمل ولا أعمق من مقاصد سورة الكهف.. افتكر معايا قصة الجدار والأيتام، لما ربنا سخر سيدنا موسى وسيدنا الخضر عشان يبنوا جدار لغلامين يتيمين في قرية أهلها لئام وما ضيفوهمش! 

ليه كل اللطف ده يحصل للولدين دول بالذات؟ 

الإجابة في جملة واحدة هزت أركان التاريخ: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحا} [سُورَةُ الكَهۡفِ: ٨٢] .

صلاح الأب ويقال الجد الخامس كمان، ولطفه القديم، ربنا ردّه لأولاده بعد سنوات طويلة وهم مش داريين ولا فاهمين حاجة!

وعلى العكس تماماً، شوف قصة "أصحاب الجنة" في سورة القلم.. أصحاب البستان اللي قرروا في نيتهم الخفية إنهم يمنعوا الفقراء والمساكين وقالوا {أَن لَّا یَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡیَوۡمَ عَلَیۡكُم مِّسۡكِین}.. [سُورَةُ القَلَمِ: ٢٤]

علشان ما ياخدوا من المحصول وصدقته، فكانت النتيجة إيه؟ {فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤئف مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤئمُونَ }.. [سُورَةُ القَلَمِ: ١٩].. زال اللطف وانقطع الستر في لحظة لأن النية تغيرت.

القصص دي كلها بتقولنا إن "النية الصادقة" و"أثر الخير" هما المحرك الأساسي للطف الله في حياتنا.

عشان كده، اعمل الخير واوعى تستهين بيه و إوعي ترميه في البحر.. 

إحنا في معركة وعي أزليه وقائمة إلي أن يسترد الله الأرض ومن عليها في كل المجالات، وربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً.

اعمل الخير واحتسبه بوعي كامل لله وعند الله، لأن اللي عند ربنا باقي وما بيروحش، وهو سلاحك الحقيقي في الدنيا والآخرة..

اطمئن.. حتى في أشد أوقاتك ظلاماً، وفي اللحظات اللي بتحس فيها إن الأبواب كلها اتسدت.. اعلم تماماً إن لطفه يجري، وتدبيره يعمل لك في الخفاء، حتى لو كنت أنت كعبد.. لا تدري.

الرابط المختصر

search