الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

08:56 م

علاء ثابت مسلم يكتب: نادية فتحي رؤية جديدة تقود المعاهد القومية نحو تعليم يصنع الإنسان

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026 08:08 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

ليست المعاهد القومية مجرد مجموعة من المدارس العريقة التي تحمل تاريخًا طويلًا في مسيرة التعليم المصري، وإنما هي تجربة تعليمية لها خصوصيتها، وذاكرة ممتدة، وطلاب وأسر ومعلمون ينتظرون دائمًا أن تظل هذه المؤسسات في مقدمة المشهد التعليمي.

ومن هنا يكتسب تولي الأستاذة نادية فتحي رئاسة مجلس إدارة الجمعية العامة للمعاهد القومية ومديرًا تنفيذيًا للجمعية أهمية خاصة، في مرحلة تتغير فيها خريطة التعليم بسرعة، وتتسع فيها الحاجة إلى مدرسة أكثر تطورًا، ومعلم أكثر تأهيلًا، وطالب يمتلك المعرفة والمهارات معًا.

نادية فتحي.. قيادة من قلب الميدان

لم تأتِ نادية فتحي إلى موقعها الجديد من خارج المنظومة التعليمية، بل تحمل خبرة ميدانية وإدارية سابقة في قطاع التعليم.

فقد شغلت منصب مدير إدارة العجمي التعليمية بالإسكندرية، ثم تولت منصب وكيل مديرية التربية والتعليم بالإسكندرية، قبل أن تتولى منصب وكيل وزارة التربية والتعليم بمطروح، وصولًا إلى رئاسة الجمعية العامة للمعاهد القومية في أغسطس 2026.

وهذه الخلفية تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة المرحلة الجديدة؛ فالمسؤولية لا تتعلق فقط بإدارة ملفات مكتبية، وإنما بالتعامل المباشر مع المدارس والمعلمين والطلاب وأولياء الأمور، وفهم تفاصيل العملية التعليمية من داخل الميدان.

الطالب أولًا.. عنوان الرؤية الجديدة

اللافت في الرؤية المنشورة رسميًا للمعاهد القومية أن الطالب يحتل موقع الصدارة.

وتؤكد نادية فتحي أن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، وإنما عملية لبناء الإنسان واكتشاف قدراته وإعداده ليكون شريكًا فاعلًا في صناعة المستقبل.

ومن هذا المنطلق، تقوم الرؤية على وضع الطالب في قلب العملية التعليمية، مع الاهتمام ببناء الشخصية إلى جانب التحصيل الدراسي.

وهنا تظهر فلسفة مختلفة للتطوير؛ فالمدرسة الناجحة ليست التي تحقق نتائج دراسية فقط، وإنما التي تمنح الطالب القدرة على التفكير، والتعلم، والتفاعل، وتحمل المسؤولية.

المعلم.. حجر الأساس في أي تطوير

لا يمكن لأي منظومة تعليمية أن تحقق تطويرًا حقيقيًا دون معلم يمتلك الأدوات والقدرة والدعم.

ولهذا تضع رؤية نادية فتحي المعلم في موقع محوري باعتباره المحرك الأساسي لجودة التعليم.

والمعنى هنا يتجاوز الحديث التقليدي عن التدريب؛ فدعم المعلم يعني توفير بيئة عمل تساعده على أداء رسالته، وإتاحة فرص التطوير المهني، والاستفادة من خبراته، وربط أدائه باحتياجات المدرسة والطالب.

وهذا التوجه يتسق مع ما شهدته المعاهد القومية بالفعل من خطوات نحو تطوير الإدارة والرقمنة ورفع كفاءة المؤسسات التابعة لها.

المدرسة ليست مبنى.. وإنما مؤسسة متكاملة

الرؤية الجديدة لا تتوقف عند الطالب والمعلم، بل تنظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة تعليمية متكاملة تحتاج إلى إدارة واعية وبيئة مناسبة وقدرة على مواكبة المتغيرات.

ولهذا تصبح أعمال الصيانة والتجهيز، والانضباط، والأنشطة، والمتابعة الميدانية، والتكنولوجيا، والإدارة المالية والإدارية، جميعها عناصر مرتبطة بجودة العملية التعليمية.

وفي هذا السياق، جاءت جولات نادية فتحي الميدانية للمدارس، ومنها جولتها بمدارس ليسيه الإسكندرية في سبتمبر 2026، لمتابعة انتظام الدراسة، وأعمال الصيانة والتجهيزات، والاستعداد لتطبيق نظام البكالوريا المصرية، مع التأكيد على أهمية التواصل المباشر مع إدارات المدارس وتذليل المعوقات.

التحول الرقمي.. إدارة أكثر كفاءة

التطوير في المعاهد القومية لا ينفصل كذلك عن التحول الرقمي.

وكانت الجمعية قد أطلقت في أبريل 2026 منصة رقمية لإدارة المدارس القومية، شملت بيانات الطلاب والمعلمين والعاملين، ومتابعة عدد من الخدمات والعمليات المرتبطة بالمدارس. كما ارتبط المشروع بأهداف تتعلق بالحوكمة والشفافية ودعم اتخاذ القرار.

وتوفر هذه الخطوة أرضية مهمة أمام الإدارة الجديدة لاستكمال بناء منظومة تعتمد بصورة أكبر على البيانات، بدلًا من الاعتماد الكامل على الإجراءات الورقية.

فالمدرسة الحديثة تحتاج إلى معلومات دقيقة وسريعة تساعد الإدارة على معرفة الاحتياجات، ومتابعة الأداء، ورصد المشكلات، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

مدرسة تواكب العصر وتحافظ على هويتها

التطوير لا يعني التخلي عن هوية المعاهد القومية أو تاريخها.

بل إن التحدي الحقيقي يتمثل في الجمع بين الأصالة والتحديث.

فالمعاهد القومية تمتلك رصيدًا تاريخيًا كبيرًا، وتضم مدارس عريقة في القاهرة والإسكندرية والجيزة وبورسعيد والمنيا، ولذلك فإن الحفاظ على هذا الإرث يمكن أن يسير بالتوازي مع تحديث أساليب الإدارة والتعليم. وتشير بيانات منشورة إلى أن الجمعية تشرف على عشرات المدارس ويضم مجتمعها التعليمي أعدادًا كبيرة من الطلاب والمعلمين.

وهنا يمكن أن تتحول المدرسة القومية من مجرد اسم له تاريخ إلى نموذج تعليمي يستفيد من تاريخه ويستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات المستقبل.

البكالوريا المصرية تفرض واقعًا جديدًا

ومع استعداد عدد من المدارس لتطبيق المستجدات التعليمية، ومن بينها نظام البكالوريا المصرية، تصبح المتابعة الميدانية والتأهيل المؤسسي أمرًا أكثر أهمية.

وقد ظهرت هذه الأولوية بوضوح خلال زيارة نادية فتحي لمدارس ليسيه الإسكندرية، حيث تابعت استعدادات المدارس المتعلقة بتطبيق النظام الجديد، إلى جانب متابعة العملية التعليمية والتجهيزات.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل القرارات التعليمية الجديدة إلى ممارسات فعلية داخل الفصول، وليس الاكتفاء بالتوجيهات الإدارية.

من مدرسة ناجحة إلى منظومة ناجحة

التحدي الأكبر أمام المعاهد القومية خلال المرحلة المقبلة لن يكون في وجود مدرسة متميزة هنا أو هناك، وإنما في بناء مستوى متقارب من الجودة داخل مختلف المدارس.

وهنا تبدو أهمية الرؤية التي تضع المدرسة باعتبارها مؤسسة متطورة، والمعلم باعتباره أساس الجودة، والطالب باعتباره محور العملية التعليمية.

فالتطوير الحقيقي هو الذي يصل إلى الفصل الدراسي، ويشعر به الطالب، ويجد المعلم أثره في عمله، ويراه ولي الأمر في مستوى المدرسة وانضباطها وخدماتها.

نادية فتحي أمام اختبار التطوير الحقيقي

رئاسة المعاهد القومية ليست مجرد منصب إداري، وإنما مسؤولية أمام تاريخ طويل من المؤسسات التعليمية.

والمرحلة المقبلة تضع أمام نادية فتحي مجموعة من الملفات المتشابكة: استكمال التحول الرقمي، دعم المعلمين، رفع كفاءة المدارس، تطوير البيئة التعليمية، متابعة تطبيق المستجدات التعليمية، وتعزيز التواصل مع إدارات المدارس والمجتمع التعليمي.

والنجاح في هذه الملفات لن يقاس بعدد الاجتماعات أو القرارات، وإنما بما يصل في النهاية إلى الطالب داخل المدرسة.

فحين يشعر الطالب أن مدرسته أكثر تنظيمًا، ويجد المعلم أدوات أفضل للعمل، ويرى ولي الأمر خدمة تعليمية أكثر وضوحًا وكفاءة، عندها فقط يصبح التطوير واقعًا ملموسًا.

المعاهد القومية.. تاريخ ينتظر المستقبل

المعاهد القومية تمتلك ما لا يمكن بناؤه بقرار إداري واحد: التاريخ، والخبرة، والكوادر، والمدارس العريقة.

لكن التاريخ وحده لا يكفي.

المستقبل يحتاج إلى رؤية تتحرك، وإدارة تسمع، ومعلم يتطور، وطالب يكون محور الاهتمام.

ومن هذه النقطة تحديدًا تبدو رؤية نادية فتحي واضحة في اتجاهها العام: تعليم يبني الإنسان قبل أن يملأ الذاكرة بالمعلومات، ومدرسة تضع الطالب في قلب اهتمامها، ومعلم يحصل على الدعم الذي يمكنه من أداء رسالته، ومؤسسة تعليمية قادرة على مواكبة العصر.

ويبقى الرهان الحقيقي أن تتحول هذه الرؤية إلى ممارسة يومية داخل كل فصل ومدرسة، وأن تصبح المعاهد القومية خلال المرحلة المقبلة نموذجًا يجمع بين عراقة الماضي ومتطلبات تعليم المستقبل

الرابط المختصر

search