الدكتورة منة الله المشيرفي تكتب: حين يمشي الظل معنا
الخميس، 01 أكتوبر 2026 09:14 ص
الدكتورة منة الله المشيرفي
وأنا صغيرة، كنت أمشي في الشارع وأتوقف أحيانا لأنظر إلى الأرض.
كان هناك شخص آخر يمشي معي.
لا يتكلم، لا يسبقني، ولا يتأخر عني كثيرا. إذا مشيت مشى، وإذا جريت جرى، وإذا وقفت وقف. وكنت أتعجب جدا من شيء واحد: لماذا ظلي أحيانا أطول وأكبر مني؟
كنت أظن أن الظل يجب أن يكون في حجمي.
لم أكن أعرف وقتها أن الأشياء التي تشبهنا ليست بالضرورة أن تكون في حجمنا، أحيانا نخرج من داخلنا شيئا، فنكتشف أنه كان أضخم من قدرتنا على تصوره.
كبرت وبقي الظل، لكن علاقتي به تغيرت.
لم يعد مجرد ذلك الشكل الذي كنت أحاول أن أصوره وأنا أمشي في الطرقات. صار بالنسبة لي فكرة، وحكاية، وأحيانا شخصا أتخيله.
ولعل واحدة من أحب الحكايات إلى قلبي كانت "صاحب الظل الطويل".
كنت أحب جودي أبوت ورسائلها إليه حبا لا أعرف كيف أصفه. أحببت تلك العلاقة الغريبة بين فتاة تكتب إلى شخص لا تراه، ومع ذلك يصبح حضوره في حياتها حقيقيا جدا. شخص لا تعرف ملامحه، لكنها تستطيع أن تحكي له عن يومها، وعن خوفها، وعن أحلامها، وعن الأشياء الصغيرة التي لا تجد من تحكيها له.
ربما أحببت جودي لأنها كانت تكتب إلى ظل.
ظل لا تراه، لكنه كان حاضرا في كل شيء.
ثم قرأت أبيات محمود درويش عن الظل، فاكتشفت أن الظل الذي عرفته طفلة، وأحببته في حكاية، يمكن أن يتحول فجأة إلى سؤال مخيف عن الإنسان نفسه.
يقول محمود درويش:
"الظل، لا ذكر ولا أنثى
رمادي، ولو أشعلت فيه النار
يتبعني، ويكبر ثم يصغر"
في البداية يبدو الأمر بسيطا؛
"كُنت أَمشي كان يمشي
كنت أَجلس كان يجلس
كنت أركض كان يركض"
علاقة واضحة جدا بين الأصل والصورة.
أنا هنا، وهو هناك.
لكن درويش لا يتركنا في هذه الطمأنينة طويلا.
يحاول أن يخدعه.
يخلع معطفه، فيخلع الظل معطفه.
يغير الطريق، فيغير الظل الطريق.
يحاول أن يخرج من غروب مدينته، فيجد ظله يمشي أمامه في غروب مدينة أخرى.
وهنا توقفت.
لأنني فكرت في كل الأشياء التي حاولنا يوما أن نهرب منها بمجرد أن نغير المكان.
نترك مكانا فنظن أننا تركنا ما حدث فيه.
نبتعد عن أشخاص فنظن أننا ابتعدنا عن أثرهم.
نبدأ شيئا جديدا فنعتقد أن البداية الجديدة تعني بالضرورة أننا أصبحنا شخصا جديدا.
نغير أدوارنا، نغير طريقة كلامنا، نغير أحلامنا، نحاول أن نبدو أقوى.
نحاول أن نقنع أنفسنا أننا لم نتأثر، ثم نصل إلى مكان آخر، فنجد شيئا ما يمشي معنا.
شيئا لا نستطيع أن نتركه على الرصيف القديم؛ "نحن" .
وهذا هو الجزء الذي جعلني أقرأ القصيدة بطريقة مختلفة.
ربما لم يكن درويش يتحدث عن الظل بقدر ما كان يتحدث عن تلك النسخة التي نحملها من أنفسنا أينما ذهبنا.
النسخة التي تعرف كل ما مررنا به؛ كل الخيبات، كل المحاولات، كل المرات التي بدأنا فيها من جديد.
كل الأشياء التي قلنا لأنفسنا إننا تجاوزناها، ثم اكتشفنا أنها كانت تمشي معنا في هدوء.
وأحيانا يكون الظل أكبر منا.
تماما كما كنت أسأل وأنا طفلة:
لماذا ظلي أطول وأكبر مني؟
ربما لأن هناك أشياء داخلنا تكبر أسرع منا؛ الخوف مثلا، الذكرى، الحلم، وأحيانا الجرح.
وأحيانا حتى النسخة التي نتمنى أن نصبحها.
لكن أكثر ما أدهشني في قصيدة درويش أن الظل في النهاية لا يظل تابعا.
في لحظة ما، يقول:
"فرأيته يمشي أمامي
في غروب مدينة أخرى"
أمامي ليس خلفي. وهنا ينقلب كل شيء.
ماذا لو لم نكن دائما نحن الذين نقود؟
ماذا لو كانت بعض الأشياء التي نظن أننا اخترناها قد سبقتنا إلى الطريق؟
ماذا لو كان ذلك الجزء الخفي فينا يعرف الطريق قبل أن نعرفه نحن؟
ثم تأتي المحاولة الأخيرة.
يقول:
“إذن، سأتبعه لأخدعه”
يا لها من مفارقة، الرجل الذي قضى القصيدة كلها يحاول أن يهرب من ظله، قرر أخيرا أن يتبعه.
ربما لأن بعض المعارك لا تنتهي عندما نهزم الطرف الآخر.
تنتهي عندما نتوقف عن اعتباره طرفا آخر أصلا.
ثم يصل درويش إلى الجملة التي أراها مفتاح القصيدة كلها:
"أقلِد ما يقلدني
لكي يقع الشبيه على الشبيه
فلا أراه، ولا يراني".
الأصل يقلد الصورة، والصورة تقلد الأصل.
وفي اللحظة التي يصبح فيها الاثنان متشابهين تماما، يختفي الفرق بينهما.
فلا أراه ولا يراني، وأظن أن هذا يحدث لنا أحيانا.
نقضي سنوات نحاول أن نعرف: من نحن؟
ثم نكتشف أننا كنا طوال الوقت نحاول فصل أنفسنا عن أجزاء منا؛ عن الماضي، عن الضعف، عن الخوف، عن النسخ القديمة منا، عن الأشخاص الذين كنا نظن أننا يجب أن نصبح مثلهم، أو ألا نصبح مثلهم أبدا.
وربما النضج ليس أن نتخلص من ظلنا.
ربما النضج أن نلتفت إليه أخيرا، أن نقف في منتصف الطريق، ننظر إلى الأرض ونقول: أنت هنا أيضا.
لا أحب فكرة أن علينا دائما أن نهرب من الأشياء التي تؤلمنا.
أحيانا أحب أن أتخيل أنني لو التفت إلى ظلي، فلن أجد وحشا، سأجد فتاة صغيرة تمشي، تتوقف فجأة، تنظر إلى الأرض وتسأل في دهشة حقيقية:
هو ليه ظلي أطول وأكبر مني؟
وربما لو استطعت أن أجيبها الآن، بعد كل هذه السنوات، سأقول لها:
لأنك لم تكوني تعرفين بعد أن الإنسان أكبر من شكله، وأصغر من بعض ما يحمله داخله، ولأن الظل لا يكبر فقط عندما تكبرين، أحيانا يكبر مع كل شيء عشته، ومع كل شيء فقدته، ومع كل شيء حلمت به، ومع كل نسخة منك تركتها في طريقك، ومع ذلك سيظل يمشي معك. فلا تخافي منه، فقط من حين لآخر، التفتي إليه.
ربما يكون هناك شيء فيك ظللت تبحثين عنه طويلا وكان يمشي معك طوال الوقت.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
أسعار الفراخ اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026
01 أكتوبر 2026 07:30 ص
الآن نتيجة قرعة الحج السياحي 2027.. رابط الاستعلام بالرقم القومي
30 سبتمبر 2026 07:58 م
هل تعاود البورصة الارتفاع غدًا الخميس بعد خسائر سبتمبر؟
30 سبتمبر 2026 06:26 م
وزير الاستثمار يبحث مع 6 شركات دولية فرص التوسع والاستثمار في مصر
30 سبتمبر 2026 06:25 م
الزراعة تبيع البيض للمواطنين بتخفيض 25%.. اعرف أماكن المنافذ المتنقلة في القاهرة والجيزة
30 سبتمبر 2026 06:24 م
آي صاغة: الذهب ينهي سبتمبر على تراجع.. والدولار يحد من خسائره بالسوق المحلية
30 سبتمبر 2026 12:19 م
الأكثر قراءة
-
د. لولوه البورشيد تكتب: جيل السوشيال ميديا بين الحرية والوحدة
-
علاء ثابت مسلم يكتب: نادية فتحي رؤية جديدة تقود المعاهد القومية نحو تعليم يصنع الإنسان
-
أزمة رونالدو تشعل البرتغال.. اجتماع عاجل بعد مفاجأة مباراة النرويج
-
الحكومة تكشف حقيقة حذف 3 ملايين أسرة من «تكافل وكرامة»
-
تغيير وحيد في تشكيل شباب مصر أمام تونس.. مفاجأة وائل رياض قبل انطلاق المباراة
-
بعد هدفه مع مصر.. حمزة عبد الكريم يدخل قائمة تاريخية مع يامال ودونوفان
-
بعد مغادرة معسكر البرتغال.. هل يضع كريستيانو رونالدو حدًا لمسيرته الدولية؟
-
محمد شبانة: زيكو "اللهو الخفي" لحسام حسن.. والمنتخب يحتاج للهدوء
-
رونالدو يفاجئ البرتغال.. يغادر معسكر المنتخب قبل مواجهة الدنمارك
-
محمد شبانة يكشف مفاجأة في عقد الشناوي: الأهلي ألغى بند نسبة المشاركة
-
الداخلية تكشف تفاصيل ضبط 6 متهمين في واقعة صفحة «متصدقش».. يديرها إخواني هارب
-
تعزيز التعاون الاقتصادي بين غرفة تجارة رأس الخيمة بالإمارات ومنظمة آن أربور سبارك في ميشيغان الأمريكية
-
الدكتورة منة الله المشيرفي تكتب: حين يمشي الظل معنا
-
أسعار الفواكه والخضروات اليوم في الأسواق المصرية
-
أسعار الفراخ اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026
أكثر الكلمات انتشاراً