الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

01:15 م

مينا غالي يكتب: سيناء.. طريق المجد

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 12:27 م

مينا غالي

مينا غالي

في ذكرى يوم من أمجد أيام التاريخ المصري، نحتفل - كمصريين - بالذكرى الثالثة والخمسين لحرب السادس من أكتوبر، ذلك اليوم المجيد الذي مهّد الطريق لاسترداد سيناء الحبيبة، وإعادتها إلى حضن الوطن الغالي مصر.

سيناء.. أرض الفيروز، وبوابة مصر الشرقية، والأرض التي ارتبطت بصفحات خالدة من التاريخ الديني والحضاري للمنطقة؛ فعبرتها العائلة المقدسة إلى مصر، وعلى أرضها ارتبط جبل الطور بقصة النبي موسى عليه السلام، لتظل واحدة من أغلى بقاع الوطن وأكثرها حضورًا في الذاكرة المصرية.

ولم تكن مكانة سيناء نابعة من قيمتها الروحية والتاريخية فحسب، وإنما من موقعها الاستراتيجي الفريد، باعتبارها حلقة الوصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، وبوابة مصر الشرقية، الأمر الذي جعلها على مر العصور هدفًا للقوى الطامعة في مصر، ومسرحًا لصراعات كبرى رسمت جانبًا مهمًا من تاريخ المنطقة.

ولأن سيناء كانت دائمًا طريقًا إلى مصر، فقد كانت كذلك طريقًا إلى المجد للجيوش المصرية منذ فجر التاريخ. وبالعودة إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا خلال عهدي الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، نجد أن سيناء شكّلت ممرًا مهمًا لتحركات الجيوش المصرية في حملاتها العسكرية شرقًا بقيادة الملكين العظيمين تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، كما كانت مصدرًا مهمًا للثروات المعدنية، وفي مقدمتها الفيروز، الذي استخرجته مصر القديمة من مناطق مثل سرابيط الخادم ووادي المغارة.

وهكذا لم تكن سيناء مجرد أرض تعبرها الجيوش، وإنما كانت جزءًا من منظومة القوة المصرية؛ فموقعها وثرواتها جعلا السيطرة عليها وتأمين طرقها أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للدولة المصرية عبر عصورها المختلفة.

ومع تعاقب الحضارات والإمبراطوريات، ظلت سيناء حاضرة في صراعات المنطقة، فعبرتها جيوش وقوافل وحملات عسكرية متجهة إلى مصر، من الآشوريين والفرس وغيرهم، فيما نظر إليها الرومان باعتبارها الحصن الشرقي لإمبراطوريتهم، وأطلقوا على مدينة الفرما اسم «بلوزيوم». وبحكم موقعها الاستراتيجي، ظلت سيناء تمثل خط الدفاع الأول عن حدود مصر الشرقية، لتكتسب أرض الفيروز مكانة استثنائية في الاستراتيجية العسكرية المصرية، باعتبارها الحصن المتقدم الذي يحمي قلب الوطن.

وفي العصر الحديث، امتد الصراع على سيناء إلى الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، التي اتخذت من الطريق عبر سيناء معبرًا نحو بلاد الشام، قبل أن تواجه مقاومة حالت دون تحقيق أهدافها. وشهدت مدينة العريش إحدى المحطات المهمة في هذه الحملة، لتواصل سيناء بذلك حضورها في صفحات التاريخ العسكري المصري الحديث.

ثم جاءت محطة أخرى في تاريخ الصراع على أرض سيناء مع العدوان الثلاثي عام 1956، عندما تعرضت مصر لعدوان من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، في سياق الصراع حول قناة السويس وشبه جزيرة سيناء، إلا أن المقاومة المصرية والضغوط الدولية أسهمت في إنهاء العدوان وانسحاب القوات المعتدية.

وبعد ذلك جاءت نكسة يونيو 1967، لتقع سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتبدأ واحدة من أصعب الفترات في التاريخ المصري الحديث. وعلى مدار ست سنوات، خاضت مصر معركة طويلة لاستعادة الأرض، بدأت بحرب الاستنزاف، وانتهت بالعبور العظيم في السادس من أكتوبر عام 1973، الذي أعاد لمصر زمام المبادرة وفتح الطريق أمام استرداد الأرض بأكملها لاحقًا.

ولم تتوقف التحديات التي واجهت سيناء عند الصراعات العسكرية التقليدية؛ ففي أعقاب عام 2011، تحولت أجزاء من شبه الجزيرة إلى مسرح لعمليات إرهابية استهدفت رجال القوات المسلحة والشرطة والمدنيين. وخاضت الدولة المصرية وقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية مواجهة طويلة مع التنظيمات الإرهابية، في معركة جديدة هدفها حماية الأرض واستعادة الأمن والاستقرار.

وهكذا، تبدو سيناء في صفحات التاريخ المصري أكثر من مجرد أرض؛ إنها ذاكرة وطن، وساحة معارك، وطريق عبرته الجيوش المصرية في مسيرتها نحو المجد، وأرض ارتوت بدماء الشهداء دفاعًا عن الوطن، وستظل دائمًا جزءًا لا يتجزأ من روح الوطن ونبضه.

وصباح الخير يا سيناء.

الرابط المختصر

search