الأربعاء، 07 أكتوبر 2026

09:13 م

علاء البدري يكتب: السلام من موقع القوة: قراءة في خطاب النصر للرئيس السادات عام 1973

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 07:39 م

رئيس التحرير

رئيس التحرير

عزيزي القارئ، هل تذكر تلك اللحظات الفاصلة التي أعادت تشكيل وعينا العربي؟ دعنا نعود بالذاكرة معا إلى السادس عشر من أكتوبر عام 1973.

حينها لم تكن المدافع قد هدأت تماماً على جبهات القتال، ولم تكن دماء الشهداء الزكية قد جفت بعد في رمال سيناء، حينما وقف الرئيس محمد أنور السادات تحت قبة مجلس الشعب المصري ليلقي خطابا لم يكن مجرد إعلان عن انتصار عسكري، ولم يكن خطابا للحشد الشعبي وكفى، بل كان صياغة لرؤية مختلفة ولعقيدة استراتيجية جديدة غيرت وجه الشرق الأوسط.

في هذا المقال، أدعوك لتتأمل معي ما وراء الكلمات، لنفكك معا هذا الخطاب التاريخي من منظور الأمن القومي، ونرى كيف تحول الانتصار في الميدان إلى حجر زاوية في مناورة سياسية كبرى أجادت مصر لعبتها بجدارة.

بدأ السادات خطابه بلغة اتسمت بالثقة الاستراتيجية الفائقة، معلنا تفكيك أسطورة "الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر".

وهذه من وجهة نظري النقطة الأهم التي يجب أن نقف عندها وأن ننظر إلى العمق الاستراتيجي للعبارة فالهدف لم يكن إبادة أو سحق الطرف الآخر، بل كان "كسر الغرور الإسرائيلي" وإعادة التوازن العسكري للمنطقة.

وبتحليل بسيط وقراءة معمقة ترتكز على منظور الأمن القومي المصري نجد أن الراحل السادات نجح في تحويل الحرب من "حالة انتحارية" إلى "أداة سياسية حاسمة".

لقد أثبت الخطاب أن القوات المسلحة المصرية استعادت زمام المبادرة والمفاجأة الاستراتيجية، وهو ما أجبر القوى العظمى – وعلى رأسها الولايات المتحدة – على إعادة النظر في حساباتها في المنطقة بعد أن ظنت لسنوات أن العرب جثة سياسية هامدة.

وفي سياق الرسائل ذات البعد الإقليمي والتضامن العربي، أرى أن المشهد الأبرز في حرب أكتوبر، والذي انعكس بقوة في خطاب السادات، هو تجسيد مفهوم "الأمن القومي العربي المشترك".

فلم يتحدث الزعيم الراحل أنور السادات بأنانية المنتصر المفرد، بل أشاد بالملحمة العربية، وخاصة استخدام سلاح النفط والتنسيق العسكري مع سوريا.

واستراتيجيا، كان السادات يرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي: الأمن القومي المصري خط أحمر تدعمه أمة بأكملها.

فلقد فطن الرئيس الراحل إلى أن أوراق القوة العربية لا تكمن فقط في فوهات البنادق، بل في قنوات الاقتصاد وأنابيب النفط، وهو تفكيك مبكر لما نعرفه اليوم بـ "الحرب الشاملة" أو الهجينة.

والآن، دعنا عزيزي القارئ نصل معا إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل والتحليل في الخطاب، ففي ذروة النشوة العسكرية، وبينما كانت صيحات النصر تملأ الأرجاء، فاجأ السادات الجميع بطرح "مبادرة للسلام".

قد يتساءل البعض منكم: لماذا يتحدث المنتصر عن السلام في لحظة قوته؟

الإجابة تكمن في عبقرية التخطيط الاستراتيجي.

السادات كان يعلم أن الحرب وسيلة وليست غاية.

وبتفنيد بسيط يوضح الخطاب أنه أراد إحراج إسرائيل دوليا؛ فبينما يمتلك الجيش المصري اليد العليا ميدانيا، يمد رئيسه يد السلام العادل القائم على استعادة الأرض والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لقد نقل السادات المعركة من خنادق القتال إلى أروقة الدبلوماسية الدولية، وهو يرتدي عباءة الفارس المنتصر لا الانكسار.

ومن ناحية التواصل مع القوى الكبرى وإذا أمعنا النظر في ثنايا الخطاب، سنجد أن السادات وجه رسالة مبطنة وذكية للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث أوضح أن مصر لا تحارب بالوكالة عن أحد، وأن القرار مصري خالص.

هذا التوجه كان إيذانا ببدء تحول دراماتيكي في السياسة الخارجية المصرية، والانتقال من الاعتماد الكلي على المعسكر الشرقي إلى فتح قنوات تواصل استراتيجية مع الغرب، تفكيكا لجمود الحرب الباردة واستغلالا للانتصار لتحقيق السيادة الكاملة.

ختاما عزيزي القارئ نقول بلا شك إن خطاب النصر في أكتوبر 1973 لم يكن مجرد سرد لبطولات المعركة، بل كان وثيقة أمن قومي صاغت ملامح مصر الحديثة.

لقد أثبت السادات من خلاله أن القوة العسكرية دون رؤية سياسية تحميها هي قوة مهدرة، وأن السلام لا يصنعه الضعفاء، بل تفرضه الجيوش القوية.

وسيظل ويبقى درس أكتوبر الأول والأخير مستمراً معنا حتى اليوم: امتلاك المبادرة، ووحدة الجبهة الداخلية، والتكامل العربي، هو الدرع الحقيقي لحماية الأمن القومي المصري والعربي في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

الرابط المختصر

search