الخميس، 08 أكتوبر 2026

09:02 م

آية رفعت تكتب: الغذاء.. سلاح غير مرئي في نصر أكتوبر

الخميس، 08 أكتوبر 2026 07:37 م

آية رفعت

آية رفعت

عندما نتحدث عن نصر أكتوبر المجيد، تتجه الأنظار عادةً إلى الجندي المصري، والطائرة، والدبابة، والمدفع، وخطة العبور التي حطمت خط بارليف.

لكن خلف هذه الصورة العسكرية كانت هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة توفير الغذاء وتأمين وصوله إلى الشعب والجيش في أصعب الظروف.

فالحرب لا تُدار بالسلاح وحده؛ فالجيش يحتاج إلى غذاء ومياه وطاقة وإمدادات، والمجتمع يحتاج إلى غذاء يحافظ على استقراره وقدرته على الصمود. ومن هنا يصبح الأمن الغذائي جزءًا من الأمن القومي.


ولم يكن ذلك وليد الصدفة، وإنما ارتبط بالإنتاج الزراعي، والتصنيع الغذائي، والتخزين، والتوزيع، والاستيراد، وهي جميعها حلقات في منظومة واحدة يمكن أن نسميها اليوم سلسلة الإمداد الغذائي.

وفي عام 1973 بلغ إنتاج المحاصيل الغذائية الرئيسية نحو 17 مليون طن، إلى جانب ملايين الأطنان من الخضروات والفواكه، وهو ما وفر قاعدة مهمة لتأمين احتياجات السكان.

عندما تحول التصنيع الغذائي إلى ضرورة استراتيجية

هنا تظهر أهمية الصناعات الغذائية:

فوجود الغذاء في صورته الخام لا يعني بالضرورة أنه مناسب للوصول إلى الجبهة. الجندي الموجود في ظروف قتالية يحتاج إلى غذاء يمكن حفظه ونقله وتوزيعه واستهلاكه بسهولة.

ولهذا كان للتصنيع والحفظ الغذائي دور مهم.

و المؤسسات الغذائية وفرت أغذية محفوظة ومصنعة، من بينها الخضروات المجففة، وصلصات الطماطم، والأجبان، والأسماك المجمدة والمعلبة، والألبان، والزيوت وغيرها. كما ارتفعت قيمة الأغذية المصنعة محليًا بشكل كبير بين 1968 و1973.

وهنا تظهر بوضوح العلاقة بين علوم الأغذية والأمن القومي:

إنتاج → تصنيع → حفظ → تخزين → نقل → توزيع → استهلاك*

أي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يؤثر في قدرة الدولة على مواجهة الأزمة.

وهذا يوضح مفهومًا مهمًا في التغذية العسكرية: الغذاء ليس مجرد سعرات حرارية، وإنما عنصر من عناصر القدرة على التحمل والأداء والصمود.

فالجندي يحتاج إلى الطاقة والمياه والعناصر الغذائية التي تساعده على أداء مهامه في ظروف شديدة الحرارة والإجهاد والخطر.


وهكذا كانت هناك جبهة داخلية غذائيةبالتوازي مع جبهة القتال.

السويس... عندما أصبح الغذاء قضية حياة

ومن أكثر الصور وضوحًا لأهمية الغذاء أثناء الحرب ما حدث خلال حصار السويس.

فقد واجه السكان والجنود ظروفًا شديدة الصعوبة، وأصبح توفير الدقيق والمياه والسلع الغذائية تحديًا يوميًا.

وهنا لم يعد الغذاء مجرد "وجبة"، بل أصبح وسيلة للصمود والاستمرار.

ماذا تعلمنا كمتخصصين في علوم الأغذية؟

من منظور علوم الأغذية، تقدم لنا تجربة أكتوبر مجموعة من الدروس المهمة.

أولًا: الأمن الغذائي يبدأ من الإنتاج الزراعي.

ثانيًا: التصنيع الغذائي يزيد قدرة الغذاء على التحمل والتخزين والنقل.

ثالثًا: الحفظ والتعبئة والتغليف تصبح أكثر أهمية في حالات الطوارئ.

رابعًا: سلاسل الإمداد الغذائية جزء من الأمن القومي.

خامسًا: المخزون الاستراتيجي من الغذاء يمثل خط دفاع للدولة في الأزمات.

سادسًا: سلامة الغذاء لا تتوقف في أوقات الأزمات؛ بل تصبح أكثر أهمية.

وهذه النقطة تحديدًا تجعل علوم الأغذية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي؛ فالغذاء الذي يصل إلى الجندي أو المواطن يجب ألا يكون متاحًا فقط، بل يجب أن يكون آمنًا وصالحًا للاستهلاك ويحافظ على قيمته الغذائية قدر الإمكان.

من أكتوبر 1973 إلى أزمات اليوم

بعد أكثر من خمسين عامًا، تغيرت التكنولوجيا، وتطورت الصناعات الغذائية، وأصبحت لدينا تقنيات حديثة في التجميد والتجفيف والتعبئة والتغليف وسلاسل التبريد وتحليل المخاطر.

لكن المبدأ الأساسي لم يتغير:

الدولة القادرة على تأمين غذائها في الظروف الطبيعية تكون أكثر قدرة على الصمود في الظروف الاستثنائية.

ولهذا فإن دراسة تجربة مصر في حرب أكتوبر لا ينبغي أن تكون محصورة في التاريخ العسكري فقط.

يمكن قراءتها أيضًا باعتبارها تجربة في:

الأمن الغذائي، وإدارة الأزمات، والتصنيع الغذائي، واللوجستيات، والتخزين الاستراتيجي، وسلامة الغذاء.
وفي النهاية...

ربما لم يكن الغذاء هو السلاح الذي عبر به الجنود قناة السويس، لكنه كان أحد العوامل التي ساعدت على استمرار الإنسان الذي حمل هذا السلاح.

فوراء كل جندي يحتاج إلى الطاقة، وكل مستشفى تحتاج إلى الغذاء، وكل مخبز يحتاج إلى الدقيق، وكل أسرة تحتاج إلى احتياجاتها الأساسية، كانت هناك منظومة كاملة تعمل في صمت.

ولهذا يمكننا النظر إلى نصر أكتوبر من زاوية مختلفة:

كانت هناك معركة بالسلاح على الجبهة، ومعركة أخرى بالغذاء والإمداد في الخلفية.

وقد أثبتت التجربة أن الغذاء عندما يتحول إلى منظومة أمن قومي، يصبح جزءًا من قدرة الدولة على الصمود والانتصار.

الرابط المختصر

search