السبت، 10 أكتوبر 2026

02:21 م

منة الله المشيرفي تكتب: أنا كفاية.. أنا أستحق

السبت، 10 أكتوبر 2026 12:27 م

منة الله المشيرفي

منة الله المشيرفي

لماذا يبذل الإنسان أحيانا جهدا ضخما كي يثبت قيمته لشخص واحد، حتى لو كان هذا الجهد يؤذيه ويستنزفه؟
ربما لأنه لا يشعر بأن أحدا يراه حقا. يبحث عمن يراه، ويفهمه، ويقدر ما فيه.
نحتاج أحيانا إلى أن يرانا شخص بعينه، لا لأنه الوحيد القادر على حبنا، بل لأننا منحنا اختياره لنا معنى أكبر من حجمه. يصبح اختياره دليلا على أننا نستحق، وأننا جيدون بما يكفي.
وهنا قد يحدث شيء أكثر تعقيدا من الحب نفسه.
قد يظن الإنسان أنه يحب شخصا آخر بشدة، بينما يكون جزء من تعلقه مرتبطا بما يمثله هذا الشخص بالنسبة إليه: مكانة اجتماعية، أو صورة أفضل عن نفسه، أو شعورا بأنه أصبح أقرب إلى مستوى أشخاص كان يراهم أعلى منه.
حين يختاره ذلك الشخص، يشعر وكأنه ارتقى باختياره. وحين يرفضه، لا يشعر بأنه خسر علاقة فحسب، بل كأنه خسر جزءا من قيمته.
فيبدأ السؤال الداخلي القاسي: ما الذي ينقصني؟ لماذا لم يخترني؟ ثم يتحول الرفض من موقف في علاقة إلى حكم شامل على الذات: "لا أحد يحبني"، "أنا فاشل"، "الدنيا دائما ضدي".
لكن هل هذا حب فعلا؟
الحب، في رأيي، يختبر في المساحة التي لا تمنح صاحبها مكسبا اجتماعيا أو نفسيا؛ في أن أقبل الشخص بكل ما فيه، لا بالصورة التي تضيف إلى صورتي أنا. أن أحبه دون أن أحول العلاقة إلى شهادة على قيمتي، أو أحتاج إلى التباهي بها أمام الآخرين.
فهناك فرق بين أن أحب إنسانا، وبين أن أحب نفسي أكثر لأن هذا الإنسان اختارني.
لكن ماذا يحدث حين لا يراني الآخر كما أنا؟
ربما يكون هذا من أصعب ما نواجهه، خصوصا حين نكون قد أظهرنا حقيقتنا أمامه بكل صدق. نفتح أبوابا لا نفتحها للجميع، ونحكي، ونشارك، ولدينا عشم في أن يفهمنا من سمحنا له بالاقتراب كما نحن. ولهذا يكون سوء الفهم مؤلما، لأننا كنا نظن أنه يعرفنا.
ومع ذلك، ليس كل سوء فهم يحتاج إلى معركة، وليس كل موقف يستدعي أن نظل ندافع فيه عن أنفسنا إلى ما لا نهاية. هناك فرق بين الدفاع عن النفس حفاظا على الكرامة، واستنزافها في محاولة مستمرة لإثبات البراءة.
حين يكون الطرف الآخر مستعدا للحوار، تكون هناك مساحة للفهم والمراجعة. أما حين يضعك دائما في موضع الاتهام، مهما شرحت ومهما حاولت، فإن الأمر يتحول إلى استنزاف لا ينتهي.
وهنا تأتي لحظة تقول فيها: "كفاية".
ليس هروبا، ولا غرورا، بل إدراكا بأن للإنسان حدودا لا ينبغي أن يتجاوزها للحفاظ على أي علاقة.
فيصبح سلامه النفسي جزءا أساسيا من حساباته.
لكن حماية النفس لا تعني أن أضع نفسي دائما في موضع البراءة. 
وهنا يأتي دور الوعي: أن أنظر إلى الموقف من الخارج، وأرى الصورة كاملة، وأحتكم إلى ضميري، وأسأل نفسي بصدق: هل أنا مظلوم فعلا؟ هل أخطأت؟ هل أسأت الفهم؟ هل تجاوز الطرف الآخر حدودي، أم أنني أتهرب من مواجهة خطئي؟
فهناك فرق كبير بين أن أقول: "أنا لن أثبت نفسي لأحد" وأن أقول: "أنا لن أراجع نفسي". الأولى قد تعبر عن الثقة بالنفس وإدراك للقيمة، أما الثانية قد تخفي غرورا يمنع الإنسان من الاعتراف بخطئه.
أنا أستحق الاحترام، نعم، لكنني لست كاملا. لي عيوب أحتاج إلى إصلاحها، ومميزات أحتاج إلى تنميتها. فقيمتي كإنسان شيء، وكوني مناسبا أو غير مناسب لشخص ما شيء آخر تماما.
الرفض لا يعني أنني سيئ، ولا أنني أقل من غيري، ولا أنني لا أستحق الحب.
قد يعني ببساطة أنني لست الشخص المناسب لهذا الإنسان، كما قد يكون هناك شخص جيد ومحترم لكنه لا يناسبني.
نحن لا نختار كل من نلتقي بهم، ولا يختارنا كل من نحبهم.
تبدأ المشكلة حين نحول اختيار شخص لنا إلى مقياس لقيمتنا الإنسانية، وننسى أن الإنسان يستحق الاحترام والتقدير لأنه إنسان. لقد خلق الله الإنسان وكرمه، وهذا الاستحقاق ليس مكافأة يمنحها لنا الآخرون حين ننجح في إرضائهم.
وأحيانا تكون حماية النفس تعني أن أخسر شخصا أحبه. فإذا أخطأت، فعلي أن أعترف بخطئي وأتحمل مسؤوليته، حتى لو كان الثمن خسارة العلاقة؛ فالحفاظ على النفس لا يعني الهروب من المسؤولية، كما أن الاعتراف بالخطأ لا يعني التنازل عن الكرامة.
ربما نحتاج، في النهاية، إلى أن نعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا؛ أن نعرف قيمتنا بعيدا عن الشخص الذي يحبنا أو يرفضنا، وأن نتقبل الرفض دون أن نحوله إلى حكم بالإعدام على ذواتنا، وأن نعرف متى تكون كلمة "كفاية" شجاعة، ومتى يكون الصمت أرحم من ألف تفسير.
ليس المطلوب أن أصل إلى مرحلة لا يؤلمني فيها الرفض، ولا يحزنني فيها الفقد. المطلوب أن أعرف أن الرفض لا يلغي قيمتي، وأن رحيل شخص لا يعني أنني فقدت نفسي، وأن عدم اختيار أحد لي لا يعني أنني غير جدير بأن أختار.
ربما كل ما نحتاج إليه هو أن نعود إلى أنفسنا، بعيدا عن الأصوات التي أقنعتنا بأن قيمتنا معلقة بشخص أو علاقة أو رأي. أن نقف أمام أنفسنا دون مقارنة أو محاكمة قاسية، وأن نرى عيوبنا دون أن نختزل ذواتنا فيها.
ثم نقول ببساطة، وبهدوء، وبكل ما تحمله الكلمات من تحرر:
أنا كفاية.
أنا أستحق.

الرابط المختصر

search