علاء الدين رجب يكتب: الذكاء الاصطناعي.. هل يعيد إحياء "عقيدة الاكتشاف" ويمنح الدول الغنية ثروات الدول الفقيرة؟
الإثنين، 19 أكتوبر 2026 09:19 ص
مهندس علاء الدين رجب – خبير التحول الرقمي و التطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي
قرأت عبارة أثارت في نفسي كثيرا من التأمل: "الذكاء الاصطناعي يمنح الأثرياء القدرة على الوصول إلى المهارات، بينما يسلب أصحاب المهارات قدرتهم على الوصول إلى الثروة".
ورغم ما في هذه العبارة من حقيقة تستحق النقاش، فقد وجدتني أتساءل: ماذا لو استبدلنا بالأثرياء الدول الغنية، وبأصحاب المهارات الدول الفقيرة؟ هل سنكون أمام الصورة نفسها، ولكن على مستوى العالم كله؟ وهل يمكن أن تتحول ثورة الذكاء الاصطناعي إلى فصل جديد من تاريخ طويل، احتكرت فيه القوى الأكثر تقدما أدوات إنتاج الثروة، بينما بقيت الشعوب الأقل قوة موردا للمواد الخام والعمالة والأسواق الاستهلاكية؟
أعادني هذا السؤال إلى مفهوم تاريخي ربما لم يسمع به كثيرون، هو "عقيدة الاكتشاف" (Doctrine of Discovery).
ففي عصر التوسع الاستعماري الأوروبي، نشأت تصورات قانونية وسياسية استخدمت لتبرير الاستيلاء على أراضي الشعوب الأصلية ومواردها، باعتبار أن اكتشاف الأوروبيين لتلك الأراضي يمنحهم حقوقا تتقدم على حقوق سكانها.
وكانت المفارقة الأخلاقية أن الأرض لم تكن مجهولة لأهلها، ولم تكن خالية من أصحابها، ولكن قوة المكتشف كانت كافية، في نظر المستعمر، لتحويل حق السكان الأصليين إلى حق قابل للانتزاع.
وقد ارتبطت هذه العقيدة بوثائق بابوية من القرن الخامس عشر، واستخدمت لاحقا في تبرير صور من التوسع الاستعماري، قبل أن يعلن الفاتيكان رسميا رفضها في عام 2023.
وبحكم خبرتي التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاما في إدارة الأعمال، عبر الشرق الأوسط وشمال وشرق ووسط أفريقيا، رأيت كيف أسهم الاستعمار، وما خلفه من هياكل اقتصادية وعلاقات تبعية، في وأد قدرة شعوب غنية بمواردها الطبيعية والبشرية على الانتفاع العادل بثرواتها، حتى أصبحت بعض هذه الشعوب تملك الأرض وما فيها، ولا تملك القرار فيما يستخرج منها، أو كيفية تحويل مواردها إلى قيمة اقتصادية، أو النصيب الذي يعود إليها من تلك القيمة.
ورأيت كيف يمكن لفجوات رأس المال والتكنولوجيا والقوة التفاوضية أن تجعل طرفا يقدم الموارد والعمل، بينما يمتلك طرف آخر وسائل الإنتاج والتسعير والاستحواذ على النصيب الأكبر من العوائد.
ولهذا، فإن قلقي من الذكاء الاصطناعي لا ينبع من الخوف من تقدم الآلة، وإنما من الخشية أن نشهد تكرارا لمنطق تاريخي قديم بأدوات جديدة؛ أن تمتلك الشعوب مواردها ومعرفتها وبياناتها، بينما يمتلك الآخرون القدرة على تحويلها إلى ثروة، ثم يعيدون بيعها لأصحابها.
وأخشى أن ننتقل من عصر كانت فيه الدول الغنية تستخرج المواد الخام من أراضي الشعوب الفقيرة، إلى عصر تستخرج فيه المعرفة والبيانات من عقول أبنائها، دون أن تحصل تلك الشعوب على نصيب عادل من الثروة التي تسهم في إنتاجها.
ففي الماضي، كانت الأرض والمعادن والمحاصيل والطرق التجارية من أهم مصادر الثروة. أما اليوم، فقد أصبحت البيانات والمعرفة والخوارزميات والقدرة الحاسوبية من أهم مصادر القوة الاقتصادية.
والدول المتقدمة تمتلك حصة كبيرة من البنية التحتية الحاسوبية، ورؤوس الأموال، ومراكز الأبحاث، والشركات القادرة على تطوير النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي.
أما الدول الأقل تقدما، فقد تجد نفسها تقدم البيانات والمعرفة المحلية واللغات والمحتوى والأسواق الاستهلاكية، ثم تعود لشراء الخدمات المبنية على هذه الموارد، دون أن تمتلك بالضرورة نصيبا عادلا من القيمة الاقتصادية المتولدة عنها، أو القدرة على التحكم في شروط استخدامها وتكلفتها.
وليس المقصود أن كل استخدام للبيانات استغلال، أو أن كل تبادل تكنولوجي صورة من الاستعمار؛ فالتعاون الدولي ونقل المعرفة والاستثمار الأجنبي قد تكون جميعها وسائل حقيقية للتنمية.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح العلاقة غير متكافئة إلى الحد الذي يحتفظ فيه طرف بملكية التكنولوجيا وسلطة التسعير والتحكم في الوصول إليها، بينما يقتصر دور الطرف الآخر على توفير الموارد واستهلاك المخرجات.
ويزداد قلقي حين أتأمل احتمالا آخر: ماذا لو استطاعت الدول الصناعية، بفضل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، إعادة جزء كبير من إنتاجها إلى أراضيها، بعد عقود اعتمدت فيها على العمالة منخفضة التكلفة في الدول النامية؟
وماذا لو أصبحت قادرة على الاستفادة من خبرات تلك الدول وأسواقها وبياناتها، دون الحاجة إلى القدر نفسه من العمالة أو الاستثمار المحلي؟
عندئذ قد تفقد بعض الدول النامية ميزتها التنافسية التقليدية قبل أن تنجح في بناء ميزة جديدة قائمة على المعرفة والابتكار، وتتحول التكنولوجيا من أداة لزيادة الإنتاجية وتحسين حياة الإنسان، إلى وسيلة لتقليص فرص عمله وتعميق تبعيته الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن هذا المصير ليس حتميا؛ فالذكاء الاصطناعي نفسه يستطيع أن يمنح الدول النامية فرصا غير مسبوقة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة، وأن يخفض تكلفة الوصول إلى خبرات كانت حكرا على الاقتصادات المتقدمة.
ولكن الفرصة شيء، والقدرة على اقتناصها شيء آخر.
فالتكنولوجيا لا توزع فوائدها بالعدل من تلقاء نفسها، وإنما تتحدد تلك الفوائد إلى حد بعيد بمن يملك أدواتها، ويضع قواعد استخدامها، ويمتلك القدرة على التفاوض بشأن عوائدها.
ولهذا، لا أرى أن مسؤولية الدول النامية تقتصر على تشجيع شعوبها على تعلم استخدام الذكاء الاصطناعي؛ فتعلم استخدام أدوات الآخرين لا يكفي وحده لبناء استقلال اقتصادي أو سيادة تكنولوجية.
المطلوب هو الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، والبنية التحتية الرقمية، والقدرات الحاسوبية، وتطوير النماذج والتطبيقات المحلية، وحماية الحقوق المرتبطة بالبيانات، وبناء شراكات عادلة تتيح نقل المعرفة وتوطينها، لا مجرد استهلاكها.
كما تقع على المؤسسات الدولية والدول المتقدمة مسؤولية أخلاقية واقتصادية في منع تحول الفجوة الرقمية إلى فجوة تنموية أشد عمقا، تتراكم فيها الثروة والمعرفة والقوة في جانب واحد من العالم.
وأعود هنا إلى "عقيدة الاكتشاف"، لا لأقول إن الذكاء الاصطناعي استعمار بالمعنى التاريخي ذاته، وإنما لأحذر من تكرار منطقه الاقتصادي في صورة جديدة.
فقديما، كان الأقوى يصل إلى أرض غيره، ثم يجد مبررا للاستحواذ على مواردها. واليوم، أخشى أن يصبح القادر على الوصول إلى بيانات الآخرين ومعرفتهم وأسواقهم هو الأقدر على امتلاك ثمارها.
والفرق كبير بين العصرين، ولكن السؤال الأخلاقي الذي يجمعهما واحد:
"هل تمنح القدرة على الوصول إلى موارد الآخرين حق الاستحواذ على القيمة التي تنتج عنها؟"
إن التقدم الذي يجعل الدول الغنية أكثر قدرة على إنتاج الثروة، والدول الفقيرة أكثر اعتمادا عليها، لا ينبغي أن يطمئننا لمجرد أنه تقدم تكنولوجي؛ فليس كل تقدم في الأدوات تقدما في العدالة، وليس كل نمو في الاقتصاد العالمي دليلا على أن العالم أصبح أكثر إنصافا.
وقد تكون المأساة أن تدخل بعض الشعوب عصر الذكاء الاصطناعي وهي تظن أنها أصبحت شريكة في صناعة المستقبل، بينما لا يتجاوز دورها تقديم البيانات وشراء الخدمات ودفع ثمن الاعتماد على الآخرين.
وأخشى ألا يكون الاستعمار الرقمي، إن تشكل، بحاجة إلى احتلال الأرض، بعدما أصبحت السيطرة على البيانات والتكنولوجيا والأسواق قادرة على خلق تبعية اقتصادية دون وجود عسكري.
وما يعنيني في النهاية ليس إعادة محاكمة التاريخ، وإنما ألا نكرر أخطاءه ونحن نظن أننا نصنع المستقبل.
وأترك لكم سؤالا أراه جديرا بنقاش يتجاوز حدود التكنولوجيا إلى مستقبل العدالة الاقتصادية بين الأمم:
1. هل نحن أمام ثورة ستمنح الدول الفقيرة فرصة تاريخية للحاق بالدول المتقدمة، أم أمام مرحلة جديدة من تراكم الثروة والقوة، تعيد إنتاج الفجوة بين الشمال والجنوب بأدوات رقمية؟
2. وهل يمكن أن نشهد نشوء "عقيدة اكتشاف رقمية" غير معلنة، يصبح فيها امتلاك التكنولوجيا مبررا عمليا للاستحواذ على القيمة الاقتصادية لبيانات الشعوب ومعرفتها، دون ضمان نصيب عادل لها من العوائد؟
أود أن أسمع آراءكم، خاصة ممن يعملون في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسات العامة:
"هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة لتحرير الدول الفقيرة من تبعيتها الاقتصادية، أم وسيلة جديدة لترسيخ تلك التبعية؟"
الرابط المختصر
آخبار تهمك
سعر الدينار البحريني اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 مقابل الجنيه المصري في البنوك
19 أكتوبر 2026 09:47 ص
سعر الريال العماني اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 مقابل الجنيه المصري في البنوك
19 أكتوبر 2026 09:44 ص
سعر الجنيه الإسترليني اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 في البنوك المصرية.. تحديث
19 أكتوبر 2026 09:39 ص
سعر الريال السعودي اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 في البنوك المصرية.. تحديث
19 أكتوبر 2026 09:35 ص
سعر اليورو اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 في البنوك المصرية.. تحديث أسعار الشراء والبيع
19 أكتوبر 2026 09:32 ص
الأكثر قراءة
-
الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في المنطقة الشرقية
-
قطع الكهرباء عن مناطق بالبحيرة غدًا.. اعرف هل منطقتك ضمن الأماكن المتأثرة؟
-
عمرو أديب عن جدل 2030: «الرئيس يقول هسلم السلطة.. ناس تقوله لا نرجع ورا تاني»
-
عمرو أديب عن مد التصويت على تفويض الرئيس بإرسال قوات إلى السعودية: دي قضية أمن قومي
-
هشام عياد يكتب : «معركة المصير العربي.. صراع البقاء والسيادة في زمن المخاطر الكبرى»
1 مواعيد مباريات اليوم الإثنين 19 أكتوبر 2026 والقنوات الناقلة.. مواجهات قوية في الدوريات الأوروبية والعربية
-
خاص | تطورات ملف التجديدات في الأهلي.. مصير غامض لـ3 نجوم
-
من دمشق إلى إفريقيا.. محمد إسماعيل يقود مشروع الاتحاد الليبي نحو حلم البال
-
خاص للمصري الآن.. اتفاق نهائي بين محمد هاني والأهلي على التجديد لمدة 3 مواسم
-
تاريخ مواجهات الزمالك وبترول أسيوط قبل لقاء الدوري المصري
-
مفاجأت في دوري أبطال إفريقيا.. تعرف عليها
-
داليا إبراهيم تحسم الجدل: لا رجعة للتمثيل واكتفي بما قدمته من أعمال
-
مواعيد مباريات اليوم الإثنين 19 أكتوبر 2026 والقنوات الناقلة.. مواجهات قوية في الدوريات الأوروبية والعربية
-
سعر الدينار البحريني اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 مقابل الجنيه المصري في البنوك
-
منى زكي تروي كواليس معاناتها مع المرض المناعي ورحلة إنجابها بعد سن الأربعين
-
سعر الريال العماني اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 مقابل الجنيه المصري في البنوك
أكثر الكلمات انتشاراً