الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

12:55 م

الدكتورة منة الله المشيرفي تكتب: حين تنتهي المحبة، ماذا يبقى من الأمانة؟

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 11:14 ص

الدكتورة منة الله المشيرفي

الدكتورة منة الله المشيرفي

"سليم القلب يؤتمن حتى في عداوته، ومرضى القلوب لا يُؤتمنون حتى في صداقتهم". لنتخيل شخصين جمعتهما يوما صداقة، ثم فرقت بينهما الخصومة، وانقطعت سبل التواصل بينهما. لم تعد بينهما محبة ظاهرة، لكن أحدهما لا يزال يحفظ سر الآخر، ولا يشارك في تشويه صورته، ولا يتخذ من معرفته بنقاط ضعفه فرصة للانتقام.
لماذا يفعل ذلك؟ هل لأنه ما زال يحبه، أم لأن بعض ما كان بينهما يستحق أن يصان، حتى بعد انتهاء العلاقة؟
لعل صون العشرة ليس دليلا على بقاء المحبة بقدر ما هو دليل على بقاء الأخلاق حين تنتهي المحبة. فنحن نحتفظ بذكرى الأيام الجميلة لأننا نقدر ما عشناه، لا لأننا نخشى الاعتراف بنهاية العلاقة. يمكننا أن ندرك أن عودتنا لم تعد ممكنة، دون أن نستبيح أسرارا اؤتمنا عليها، أو نحول نقاط ضعف الآخرين إلى أسلحة ضدهم.


وعلى الجانب الآخر، تأتي الخيانة أحيانا من شخص لم نتوقع منه الأذى؛ صديق ائتمناه على أسرارنا، وكشفنا أمامه عن ضعفنا، واطمأننا إلى وجوده حتى ظننا أن الثقة كافية لحمايتنا. ثم تأتي الخصومة لتكشف أن الأمانة التي حسبناها أصيلة ربما كانت مشروطة ببقاء العلاقة على الصورة التي يريدها صاحبها.
وهنا لا يكون الألم في الأذى وحده، بل في اكتشاف أننا لم نعرف الشخص كما ظننا، وفي عودتنا إلى الذكريات بحثا عن إشارات تجاهلناها. قد نعيد النظر في كل ما عشناه معه، ونتساءل إن كانت اللحظات الجميلة صادقة حقا، ونلوم أنفسنا لأننا منحنا الثقة لمن لم يكن أهلا لها.
فالخيانة لا تهز ثقتنا بالآخر فحسب، بل قد تجعلنا نشك في قدرتنا على معرفة الناس. وربما كان أشد ما يؤلمنا أننا منحنا أحدهم مساحة آمنة داخلنا، ثم اكتشفنا أنه قد يستخدم ما عرفه عنا لإيذائنا.
إن الخصومة تكشف جانبا مهما من أخلاق الإنسان. فالاختلاف أمر طبيعي، والغضب شعور بشري، لكن الرغبة في الإيذاء شيء آخر. سليم القلب ليس من لا يغضب أو لا يكره، بل من لا يسمح لمشاعره بأن تسلبه أخلاقه، فيحفظ الأمانة حتى حين تتغير مشاعره.


ومع ذلك، لا تعني سلامة القلب أن نبقي أبوابنا مفتوحة لمن أساء إلينا، أو أن نعيد الثقة إلى من فقدها. يمكننا أن نسامح دون أن نعود، وأن نحفظ أسرار شخص دون أن نسمح له بالاقتراب مجددا. فحماية النفس لا تتعارض مع الأخلاق، والامتناع عن الأذى لا يلزمنا باستعادة العلاقة.


إن الأمانة ليست مكافأة لمن أحببناهم، ولا امتيازا يسحب ممن اختلفنا معهم؛ إنها جزء مما نختار أن نكونه، مهما تغيرت مشاعرنا.
لكن يبقى السؤال: هل نعرف الإنسان حقا حين يحبنا، أم حين تتغير مشاعره تجاهنا، ويصبح قادرا على إيذائنا، ثم يختار ألا يفعل؟

الرابط المختصر

search