الإثنين، 02 نوفمبر 2026

04:53 م

هاني مصطفى يكتب: مدد يا رب

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 03:34 م

هاني مصطفى

هاني مصطفى

حين تلهج الألسنة بكلمة «مدد»، يتبادر إلى أذهان البعض معنىً مشوه يفارق حقيقته ؛ ففي اللغة أصل المادة ( مَد ) يشير إلى الإمداد ، والزيادة ، والتسهيل ، والإعانة ؛ وتوجد ١٠ مواضع للمدد في القرآن الكريم. 

أما في الإصطلاح عند أهل الذوق واليقين ، فالأمر أيسر وأهدأ من اللغه ؛ فمن يطلب المدد لا يقصد إلا صاحب المدد الأول والأخير وهو الله جل جلاله . 

وإنما يطلب العبد من الله المدد في العلم ، أو الوصل ، أو الرزق ، أن يفيض الله عليه من بركته بمدد من عنده «كما أمدّ به الله هذا الإنسان ولياً كان أو غيره». 

فالولي قد فاضت إليه وعلية النفحات ، والمسبب الحقيقي والمعطي المطلق هو الله وحده لا شريك له .

وهذه الكلمة في الوجدان المصري والعربي ليست مقولة عقائدية جافة ، بل هي حالة وجدانية وتعبير عن الألفة والشوق والالتجاء .

المصري حين يرفع ثقلاً ويقول " مدد يا رب " ، أو يقف عند أعتاب آل البيت فيقول “ مدد ”، فهو لا يعتقد أن أحداً يملك من دون الله نفعاً ولا ضراً ، بل هي كلمة تفيد طلب الطمأنينة ، وإستجلاب " نفحات البركة " من أرواح الصالحين الذين أكرمهم الله بنوره . 

وتحويل هذه اللهجة الروحية العاطفية إلى " متهم في مشنقة الشرك " هو جناية العقل الجاف الذي يقرأ الظاهر ويميت الروح.

والعجب كل العجب ممن يرفع صوته بكل ثقة واعتزاز قائلاً: "الله ربي لا أشرك به أحدا “ .. ونقول له صادقين : ”صدقت .. فالله ربي وربك ، ولا نشك في وحدانيته طرفة عين " ، لكن المفارقة أن هذا الشخص نفسه يلتفت فوراً ليرمي أخاه المسلم بالشرك أو الكفر !

من أين أتوا بهذا الحق ؟

 ومن أعطاهم تفويضاً لتفتيش ضمائر العباد ومحاكمة نواياهم؟

أليس من يشتاق لمن يحب ، فزار مرقده فبكى ودعا ربه ، كمن يكتب على صور الراحلين "لنا في القبور أحبة " ؟ 

أليست الدمعة على القبر ترجمة لقلب بشري يحب ويحن ، لا إعتراضاً على القدر ؟ الدين رحمة وشفقة ،، لا محاكم تفتيش تبحث عن الزلات وتفسر النوايا على غير مرادها .

فما بالك إذن حين يكون الواقف أمامك حفيداً للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أو من بُضعة فاطمة وعلي رضي الله عنهما ، أو شيخاً صالحاً قضى عمره في الدعوة إلى الله ؟

هم أصحاب الفضل وريحانة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

  أفلا أحبهم ؟!

 أفلا أزورهم ؟!

 أفلا أقدم لهم مظاهر الحب والتبجيل ؟!

بلي نفعل ، لكن دون إفراط أو تفريط .

إن تقديم التوقير لمن عظّمهم الله ورسوله ليس عبادة للبشر ، بل هو استجابة لأمر القرآن في مودة القربى ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾، وإمتثال لجميل الوفاء لأهل النور .

وهنا لا ننكر أن فينا ومنا من قد يغالي في حبه أو تقديسه ، لينصب من يحب ويحيطه بهالة وينسب إليه الكرامات وهو منه براء ، أو يأتي آخرون بأفعال وأقوال لم ترد بكتاب ولا أثر .

لكن العلاج لا يكون بالغلظة ، ولا بالصراخ ، ولا بالتكفير المتهور ؛ بل بالرفق والاحتواء .

فهوناً بهم ، ولهم ، وعليهم .. وهوناً بنا جميعاً ، كفانا فرقه وإستعلاء .

فالنصيحة الحقة لا تأتي بكلمات التشكيك في النوايا والتشريك والتكفير وجفاف القلوب ، بل بالحكمة والموعظة الحسنة .

كلنا نحب الله بغض النظر عن معتقداتنا وحتي بإختلاف أدياننا ، ونعظّم توحيده ، ونجلّ أولياءه وأحبائه بقلوب سليمة ، رافضين كل إرهاب فكري يستبيح قلوب العباد ونياتهم .

وأفوض أمري إلى الله..

إن الله بصير بالعباد.

ومدد .. يا رب !

الرابط المختصر

search