دعوة الإسلام إلى التراحم وآتوا حقه يوم حصاده
خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 8 مايو 2026م ـ 20 ذو القعدة 1447هـ
الثلاثاء، 05 مايو 2026 02:39 م
صلاة الجمعة "أرشيفية"
حددت وزارة الأوقاف، موضوعي خطبة الجمعة القادمة 8 من شهر مايو 2026م الموافق 20 من ذي القعدة 1447هـ، وستكون الخطبة الأولى بعنوان “دعوة الإسلام إلى التراحم”، وهدفها التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم.
وأما الخطبة الثانية، فستكون بعنوان “وآتوا حقه يوم حصاده”، وتهدف إلى التوعية بأهمية اخراج زكاة الزروع والتوسعة على الفقراء خلال موسم حصاد القمح.
وينشر “المصري الآن” نص خطبة الجمعة القادمة 8 مايو 2026م الموافق 20 ذو القعدة 1447هـ، للدكتور خالد بدير، بعنوان : دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 8 مايو 2026م، للدكتور خالد بدير، بعنوان : دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ : كما يلي:
أولًا: منزلةُ الرحمةِ في الإسلامِ.
ثانيًا: التراحم صورٌ ومظاهر.
ثالثًا: «وآتوا حقَّهُ يومَ حصادِهِ».
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 8 مايو 2026م الموافق 20 ذو القعدة 1447هـ ، للدكتور خالد بدير : دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ : كما يلي:
نص خُطبةٌ الجمعة بعنوان: دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ 20 ذو القعدة 1447هـ – 8 مايو 2026م للدكتور خالد بدي: كما يلي:
نص الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: منزلةُ الرحمةِ في الإسلامِ.
للرحمةِ منزلةٌ عظيمةٌ في الإسلامِ، ولقد انفردتْ صفةُ الرحمةِ في القرآنِ الكريمِ بالصدارةِ، وبفارقٍ كبيرٍ عن أيِّ صفةٍ أُخرَى، فبينمَا تكررتْ صفةُ الرحمةِ بمشتقاتِهَا ثلاثَ مائةٍ وخمسَ عشرةَ مرةً، جاءتْ صفةُ الصدقِ مثلًا مائةً وخمسًا وأربعينَ مرةً، وجاءتْ صفةُ الصبرِ تسعينَ مرةً، وجاءتْ صفةُ العفوِ ثلاثًا وأربعينَ مرةً، وجاءتْ صفةُ الأمانةِ أربعينَ مرةً، وجاءتْ صفةُ الوفاءِ تسعًا وعشرينَ مرةً، وهكذا! وهذا ليس مصادفةً بحالٍ مِن الأحوالِ، وحاشَ للهِ أنْ تكونَ هناكَ أمورٌ عشوائيةٌ في كتابِ ربِّ العالمين، فهو الحقُّ الذي لا باطلَ فيهِ، وكلُّ كلمةٍ وحرفٍ فيه نزلَ لهدفٍ.
لذلك اهتمَّ نبيُّ الرحمةِ ﷺ بذكرِ هذا الخلقِ العظيمِ والتأكيدِ عليهِ في أحاديثَ عدةٍ، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاص رضي اللهُ عنهما أنَّهُ ﷺ قال: ” الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” (البخاري)، وعن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ” (البخاري)، وتوعدَ ﷺ أولئكَ الذين لا يرحمونَ أنَّهُم أبعدُ الناسِ عن رحمةِ اللهِ سبحانَهُ وتعالَى فقالَ:” لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ”(متفق عليه)، وقالَ في أهلِ الجنةِ:” أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ”(مسلم).
إنَّها الرحمةُ المتجردةُ عن أيِّ هوَى، والتي ليس مِن ورائِهَا نفعٌ دنيويٌّ أو هدفٌ شخصيٌّ، هكذا كانت حياتُهُ عليه السلامُ رحمةً، فقد بعثَ اللهُ لنَا الرسولَ ﷺ رحمةً بنَا فقالَ تعالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. (الأنبياء: 107). وهو القائلُ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ». (البيهقي والحاكم وصححه).
لقد بلغتْ رحمةُ الرسولِ ﷺ بأمتِهِ حدًّا لا يتخيلُهُ عقلٌ، حتى إنَّ الأمرَ وصلَ إلى خوفِهِ عليهم مِن كثرةِ العبادةِ!! ومع أنَّ التقربَ إلى اللهِ والتبتلَ إليهِ أمرٌ محمودٌ مرغوبٌ، بل هو مأمورٌ بهِ، لكنَّهُ ﷺ كان يخشَى على أمتِهِ مِن المبالغةِ في الأمرِ فيفتقدونَ التوازنَ في حياتِهِم، أو يصلُ بهم الأمرُ إلى المَللِ والكسلِ، أو يصلُ بهم الحدُّ إلى الإرهاقِ الزائدِ عن طاقةِ الإنسانِ، لذلك رأيناهُ كثيرًا ما يُعرِضُ عن عملٍ مِن الأعمالِ، مُقرَّبٍ إلى قلبِهِ، محببٍ إلى نفسِهِ، لا لشيءٍ إلّا لخوفِهِ أنْ يُفرَضَ على أمتِهِ فيعنتهُم ويشقُّ عليهم، تقولُ أمُّ المؤمنين عائشةُ: “إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ”[البخاري ومسلم].
ولذلك كان كثيرًا ما يقولُ كلمةً: “لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي”، دلالةً على أنَّه يحبُ الأمرُ، ولكنَّهُ يخشَى الفتنةَ على الأمةِ، فانظرْ كيف كان لا يخرجُ في كلِّ المعاركِ لكي لا يتحرَّجَ الناسُ في الخروجِ في كلِّ مرةٍ، وكيف كان لا يؤخرُ صلاةَ العشاءِ إلى منتصفِ الليلِ، وكيف رفضَ الخروجَ إلى قيامِ الليلِ جماعةً في رمضانَ خشيةَ أنْ يُفرَضَ على المسلمين، وكيف تأخرَ في الردِّ على مَن سألَ عن تكرارِ الحجِّ في كلِّ عامٍ خشيةَ فرضهِ بهذه الصورةِ على المسلمين، وهكذا..
ثانيًا: التراحم صورٌ ومظاهر.
إليكم هذهِ الصُّوَرَ والمواقفَ للتَّراحُمِ بينَ جميعِ فئاتِ المجتمعِ؛ لنُطبِّقَها عمليًّا على أرضِ الواقعِ:
فمنها: الرحمة بالخدمِ والعبيدِ: فينبغي أن يكون الإنسان رحيما بالخدم والعبيد لضعفهم. فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ”، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: “مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “(أخرجهما البخاري ومسلم ). وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: “كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ” (مسلم).
ومنها: الرَّحمةُ بالنساءِ: وهذه هي وصية الرسول ﷺ لأمته. فكان ﷺ دائما يقولُ لأصحابِهِ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا”[البخاري]، كذلك رحمتُهُ ﷺ بالإِمَاءِ، وهُنَّ الرقيقُ مِن النساءِ، فقد روى أنسُ بنُ مالكٍ قال: “إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!”[ البخاري].
ومنها: الرَّحمةُ بالأطفالِ والصبيانِ: ولنا القدوة في حبيبنا ﷺ، فقد كان ﷺ رحيمًا بالأطفالِ، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ” (متفق عليه).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ :” مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَكَانَ يَأْتِيهِ وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيُدَّخَنُ فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ “.(مسلم). وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» “(البخاري). فأينَ نحن مِن ذلك؟! قارنْ بمَا يحدثُ الآن!
ومنها: الرَّحمةُ بالحيوانِ والطُّيورِ؛ ولنا القُدوةُ في حبيبِنا ﷺ في رحمتِهِ بالحيوانِ والطُّيورِ، فقد تجاوزتْ إنسانيتُهُ ﷺ ذلك كلَّهُ إلى الحيوانِ والبهيمةِ، فرويَ أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ حائطًا لرجلٍ مِن الأنصارِ، فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأَى النبيَّ ﷺ حنَّ وذرفتْ عيناهُ، فأتاهُ ﷺ فمسحَ ظفراهُ فسكتَ، فقالَ ﷺ: “مَن ربُّ هذا الجملِ؟ لِمَن هذا الجملُ؟” فجاءَ فتًى مِن الأنصارِ فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ: ” أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ” (أبو داود)، ( وَتُدْئِبهُ: أَيْ تُكْرِههُ وَتُتْعِبهُ وَزْنًا وَمَعْنًى)، وقد مَرَّ ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: “اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً” (أبوداود بسند صحيح). وعن عبدِاللهِ بن مسعودٍ قالَ: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ، فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا». (أبو داود والحاكم وصححه).
ومنها: الرَّحمةُ بكبارِ السنِّ: فقد جاءَ أبو بكرٍ بأبيهِ عامَ الفتحِ يقودُهُ نحو رسولِ اللهِ ﷺ ورأسهُ كالثَّغامةِ بياضًا مِن شدةِ الشيبِ، فرحمَ النبيُّ ﷺ شيخوخَتَهُ وقال: “هلا تركتَ الشيخَ في بيتِهِ حتى أكونَ أنَا آتيهِ فيهِ، قال أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه: هو أحقُّ أنْ يمشِي إليكَ يا رسولَ اللهِ مِن أنْ تمشِي إليهِ.” [مجمع الزوائد للهيثمي] وهو القائلُ ﷺ: ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا” [الحاكم وصححه].
ومنها: الرَّحمةُ بالمُخطئِ: فعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أعرَابِّيٌ فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ“. (البخاري).
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ:” إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ”(مسلم).
ومنها: الرَّحمةُ بجموع الأمتِهِ: فالرسولُ بعثَ رحمةً بأمتهِ ﷺ، ولا ريبَ في ذلك لأنَّها الهدفُ الذي أُرسلَ بهِ ولهُ، قالَ تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ؟}(التوبة: 128).
ومن مظاهر رحمته بأمته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص :” أن النبي ﷺ تلَا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي” ( إبراهيم: 36) وَقَالَ عِيسَى عليه الصلاةُ والسلامُ: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” ( المائدة: 118)؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي” وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه الصلاة والسلام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ عليه السلام بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ:”يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ”[ مسلم ]فهل بعد ذلك من رحمة؟!!
ومنها: الرَّحمةُ بالكفارِ: فالرحمةُ في الإسلامِ لم تقتصرْ على المسلمينَ فحسب، فعندمَا قِيلَ له ﷺ ادعُ على المشركين قال: “إنِّي لم أبعثْ لعانًا، وإنّما بعثتُ رحمةً” (مسلم).
وقال في أهلِ مكةَ – لما جاءَهُ ملكُ الجبالِ ليأمرَهُ بمَا شاءَ-:” بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ” (البخاري ومسلم).
ولمَّا أُصيبَ في أُحدٍ قال له الصحابةُ الكرامُ ادعُ على المشركين فقالً:” إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (شعب الإيمان للبيهقي).
وهكذا شملتْ الرحمةُ جميعَ أطيافِ المجتمعِ حتى غيرِ المسلمين، وهذا هو عين التراحم في الإسلام .
وبعدُ… فهذه دعوةٌ إلى الرحمةِ: رحمةٌ بالكبيرِ، ورحمةٌ بالصغيرِ، ورحمةٌ بالنساءِ، ورحمةٌ بالضعفاءِ، ورحمةٌ بالحيوانِ، ورحمةٌ بالناسِ في قضاءِ مصالحِهِم ولا سيّمَا في المؤسساتِ والمصالحِ الحكوميةِ، وتيسيرِ حاجاتِهِم، وبالجملةِ: رحمةٌ بجميعِ أفرادِ الأمةِ، فيعيشُ الجميعُ في توادٍّ وتراحمٍ وتعاطفٍ، حتى يتحققَ فيهم قولُهُ ﷺ: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (البخاري ومسلم).
نص الخطبة الثانية
«وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ».
أيُّها الإخوةُ المسلمونَ: في هذهِ الأيَّامِ نعيشُ موسمَ حصادِ الزروعِ، وبهذهِ المناسبةِ نُذَكِّرُ الجميعَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. وحقُّهُ هو العُشرُ إذا سُقِيَتِ الأرضُ بماءِ السماءِ، ونصفُ العُشرِ إذا سُقِيَتْ بالآلةِ، واعلمْ أنَّ هذا حقُّ الفقيرِ وليسَ مِنحةً منك أو تفضُّلًا عليه.
فعن عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ فرضَ على أغنياءِ المسلمينَ في أموالِهم قدرَ الذي يسعُ فقرائَهم، ولن يُجهَدَ الفقرَاءُ إلَّا إذا جاعوا وعُرُّوا ممَّا يصنعُ أغنياؤُهم، ألا وإنَّ اللهَ مُحاسِبُهم يومَ القيامةِ حسابًا شديدًا، ومُعذِّبُهم عذابًا نُكرًا» (الطبرانيُّ في الأوسطِ والصغيرِ، والبيهقيُّ موقوفًا).
فاعلمْ أنَّ الغنيَّ لو منعَ حقَّ الفقيرِ – المُقرَّرَ شرعًا، ليسَ مِنحةً ولا تفضُّلًا – لازدادَ الغنيُّ غنًى، والفقيرُ فقرًا، واختلَّ التوازنُ في المجتمعِ؛ لذلك قالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ أيضًا: «ما رأيتُ نعمةً موفورةً إلَّا وإلى جانبِها حقٌّ مُضيَّعٌ». وكما قالَ الشيخُ الشعراويُّ رحمهُ اللهُ: «إذا رأيتَ فقيرًا في بلادِ المسلمينَ، فاعلمْ أنَّ هناك غنيًّا سرقَ مالَه». وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: «ما تمتعَ غنيٌّ إلَّا من جوعِ فقيرٍ”.
فكيفَ يحدثُ توازنٌ وتكافلٌ وتراحمٌ وقد منعَ الغنيُّ حقَّ الفقيرِ، وضنَّ وبخلَ به؟!
فعليكم بالزكاةِ قبلَ أن يأتيَكم الأجلُ وأنتم لا تشعرونَ؛ وقتَها يتمنَّى أحدُكم الرجوعَ ليُخرجَ زكاةَ مالِه ويتصدَّقَ، ولكن هيهاتَ هيهاتَ! قالَ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10].
وهنا وقفةٌ لطيفةٌ مع هذا التصويرِ القرآنيِّ لمانعِ الزكاةِ والصدقاتِ؛ الميتُ تمنى الرجوعَ قائلًا: «فأصدَّق»، ولم يقلْ: لأصلِّي أو لأصومَ أو غيرَ ذلك! قالَ أهلُ العلمِ: ما ذَكَرَ الميتُ الصدقةَ إلَّا لعظيمِ ما رأى من فضلِ ثوابِها وأثرِها بعدَ موتِهِ. ولذلك قالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: «إنَّ الأعمالَ تباهتْ، فقالتِ الصدقةُ: أنا أفضلكنَّ» (إحياءُ علومِ الدين). وعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: من كانَ له مالٌ يبلغُه حجَّ بيتِ اللهِ تعالى ولم يحجَّ، أو تجبُ فيه الزكاةُ ولم يُزكِّ؛ سألَ الرجعةَ عندَ الموتِ. فقالَ لهُ رجلٌ: اتقِ اللهَ يا ابنَ عباسٍ، فإنَّما يسألُ الرجعةَ الكفارُ. فقالَ ابنُ عباسٍ: سأتلو عليكَ بذلك قرآنًا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾… أي أُؤدِّي الزكاةَ، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي أحجُّ (تفسيرُ الدرِّ المنثورِ).
فهيا أخرجْ زكاتَكَ قبلَ فواتِ الأوانِ، وقبلَ أن تندمَ ولا ينفعَ الندمُ! اللهمَّ إنِّي قد بلَّغتُ، اللهمَّ فاشهدْ يا ربَّ العالمينَ!
فما أجملَ أن نكونَ جميعًا متراحمينَ متعاونينَ متكافلينَ، فتسودَ بيننا علاقاتُ الودِّ والمحبةِ والتراحمِ والتكافلِ!
نسألُ اللهَ أن يكتبنَا عنده مِن الرحماءِ، وأنْ يحفظَ مصرَنا من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ،
اقرأ أيضا:
فتوى تاريخية: حكم التبرع بنفقة الحج للحماة.. الشيخ عبد اللطيف حمزة يوضح
شروط الاستطاعة في الحج للنساء.. مفتي الجمهورية يوضح
7 فضائل لإطعام الطعام.. مركز الأزهر للفتوى يوضحها
خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 8 مايو 2026م ـ 20 ذو القعدة 1447هـ
تأجيل الحج مع الاستطاعة.. مركز الأزهر للفتوى يوضح
أداء صلاة الفجر بعد الشروق بسبب النوم.. مركز الأزهر للفتوى يوضح
كيفية قضاء الصلوات الفائتة.. مركز الأزهر للفتوى يوضح
الإفتاء ترد على ادعاءات أن السنة النبوية ليست وحيا
حصول البنت على ميراث أكثر من الولد.. دار الإفتاء توضح
تسليم شهادات الإعفاء من التجنيد لذوي الهمم من طلاب جامعة الأزهر
مفتي الجمهورية يهئ عمال مصر في عيدهم
الرابط المختصر
آخبار تهمك
من دلتا النيل إلى أعماق المتوسط.. خريطة الاكتشافات البترولية الجديدة في 2026
05 مايو 2026 05:27 م
وزير المالية: حزمة تسهيلات ضريبية وجمركية تعرض على البرلمان خلال أسابيع
05 مايو 2026 04:04 م
الأكثر قراءة
-
د. جمال المجايدة يكتب: مخاطر تجدد العدوان الإيراني الغادر على الامارات
-
فتوى تاريخية: حكم التبرع بنفقة الحج للحماة.. الشيخ عبد اللطيف حمزة يوضح
-
موعد والقنوات الناقلة لمباراة الأهلي وإنبي في الدوري المصري
-
الزمالك يواجه سموحة في الدوري المصري
-
خاص | المصري البورسعيدي يختبر لاعبيه البدلاء قبل حسم القائمة النهائية للموسم الجديد
أكثر الكلمات انتشاراً