الخميس، 01 يناير 2026

09:39 م

علاء ثابت مسلم يكتب: حين يكافأ العنف ويعاقب الضمير

الخميس، 01 يناير 2026 07:43 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

يكشف ما حدث مع المعلمة دعاء حسن عن لحظة فارقة في مسار التعليم، لحظة لا يمكن التعامل معها كواقعة فردية أو «خلاف عابر»، بل كجرس إنذار خطير يقرع بعنف في وجه منظومة بأكملها، بدأت تفقد هيبتها، وتتنازل تدريجيًا عن أبسط قواعدها: أن يكون التعليم قائمًا على الحق، لا على الفوضى.

تبدأ القصة ببساطة شديدة تكاد تكون ساذجة: معلمة تمنع الغش داخل لجنة امتحان. لا أكثر ولا أقل. لا استفزاز، لا تعسف، لا خروج عن الدور الوظيفي. مجرد «لا» في وجه الخطأ. لكن هذه الـ«لا» كانت كافية لتحويل الفصل الدراسي من مكان للتعلم إلى مسرح سباب، ثم إلى ساحة عنف، انتهت باعتداء بسلاح أبيض وسحل أمام المدرسة، في مشهد لا يليق بدولة ولا بمجتمع يدّعي احترام التعليم.

تتضاعف المأساة حين نعلم أن الأم لم تكن جزءًا من الحل، بل شريكًا في الاعتداء. هنا لا نتحدث فقط عن طالب فقد البوصلة، بل عن منظومة قيم مختلة، ترى في الغش حقًا مكتسبًا، وفي منعه جريمة تستوجب العقاب. كأننا نعيد تعريف الأخلاق من جديد، ولكن بالمقلوب.

يُطرح السؤال الساخر المؤلم: منذ متى أصبح المعلّم مطالبًا بدفع ثمن التزامه؟ ومتى تحوّلت المدرسة إلى مكان يحتاج فيه المعلم إلى حراسة لا إلى قلم سبورة يكتب به؟ هل أصبح القيام بالواجب الوظيفي عملًا بطوليًا يستحق الإصابة والتشويه؟

لم تُعتدَ المعلمة دعاء حسن لأنها أخطأت، بل لأنها أصابت جوهر المشكلة. لأنها حاولت أن تُبقي على ما تبقى من فكرة أن الامتحان قياس للجهد، لا مسابقة في التحايل. أصيبت في وجهها، نعم، لكن الأخطر أن ما أصيب فعلًا هو صورة المعلم في المجتمع، وهيبة المدرسة، ورسالة التعليم نفسها.

يمثل الصمت أو التراخي في التعامل مع هذه الواقعة جريمة لا تقل خطورة عن الاعتداء ذاته. فالتسامح مع العنف ضد المعلمين يفتح الباب واسعًا لتكراره، ويبعث برسالة قاتلة مفادها: «افعل ما تشاء، فلن تُحاسَب». وعندها، لا نحتاج إلى خطط تطوير تعليم، لأن الأساس نفسه يكون قد انهار.

يفرض الواقع تحركًا فوريًا من وزارة التربية والتعليم، لا بيانات تضامن عابرة ولا تعليقات إنشائية. المطلوب إجراءات حاسمة: حماية قانونية حقيقية للمعلمين، تشديد العقوبات على أي اعتداء داخل أو خارج المدارس، وجود أمني فعّال في محيط المدارس، والأهم إعادة ضبط العلاقة بين الطالب، وولي الأمر، والمعلم على أساس الاحترام لا التهديد.

يقع على عاتق وزير التربية والتعليم مسؤولية تاريخية: إما أن يُعيد للمعلم اعتباره وهيبته، أو أن يقبل ضمنيًا بتحويل المدرسة إلى مساحة مفتوحة للفوضى. المعلم لا يطلب امتيازات، بل أمانًا. لا يطلب بطولة، بل حماية وهو يؤدي عمله.

تنتهي هذه الواقعة عند المعلمة دعاء حسن جسديًا بإصابات بالغة، لكنها لا يجب أن تنتهي مجتمعيًا بلا حساب. فإما أن تكون هذه الحادثة نقطة فاصلة تعيد الأمور إلى نصابها، أو تتحول – لا قدر الله – إلى نموذج يُحتذى، وعندها سنكون جميعًا شركاء في الجريمة بالصمت.

الرابط المختصر

search