الثلاثاء، 13 يناير 2026

04:45 م

تأثير تهديدات ترامب بمحاكمة باول على أسعار الذهب

الثلاثاء، 13 يناير 2026 12:09 م

سبائك ذهبية

سبائك ذهبية

 كشف جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، عن تعرضه لتهديدات مباشرة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه اتهام جنائي ضده. 

هذه التصريحات، التي جاءت على خلفية شهادة سابقة أمام الكونجرس بشأن مشروع تجديد مبنى تابع للاحتياطي الفيدرالي، لم تمر مرور الكرام في الأسواق، بل أشعلت موجة قلق واسعة بين المستثمرين، وأعادت إلى الواجهة قضية استقلالية البنك المركزي الأميركي، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار النظام المالي العالمي.
وفي قلب هذه الاضطرابات، برز الذهب مجددًا كملاذ آمن، مسجلًا مستويات تاريخية غير مسبوقة، في وقت تراجع فيه الدولار وتعرضت أسواق الأسهم لضغوط واضحة، ما يعكس حجم الحساسية التي تتعامل بها الأسواق مع أي تهديد يمس السياسة النقدية الأميركية.

خلفية الأزمة: من خلافات السياسة النقدية إلى التهديد القضائي

تعود جذور الخلاف بين دونالد ترامب وجيروم باول إلى عام 2018، مع تولي باول رئاسة الاحتياطي الفيدرالي.

 فمنذ ذلك الحين، لم يخفِ ترامب استياءه المتكرر من سياسات الفائدة التي انتهجها البنك المركزي، معتبرًا أنها تعيق النمو الاقتصادي وتحد من قدرة الاقتصاد الأميركي على المنافسة.


إلا أن التصعيد الأخير يمثل نقطة تحول فارقة؛ فبحسب باول، فإن إدارة ترامب لم تكتفِ بالضغط العلني، بل لجأت إلى التلويح باستخدام أدوات قانونية، عبر التهديد باتهام جنائي وإصدار مذكرات استدعاء لهيئة محلفين كبرى، بزعم وجود مخالفات في شهادة أدلى بها أمام الكونجرس.
ووصف باول هذه الخطوة بأنها «ذريعة سياسية» هدفها الحقيقي هو الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لدفعه نحو خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع، وهو ما يضع استقلالية البنك المركزي على المحك، ويثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل السياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.

ارتدادات فورية على الأسواق المالية

لم تتأخر ردود فعل الأسواق على هذه التطورات، فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، حيث انخفض المؤشر الأوسع بنحو 0.5%، في إشارة إلى تنامي حالة الحذر بين المستثمرين، كما امتدت التأثيرات إلى أوروبا، إذ شهدت العقود الأوروبية تراجعًا طفيفًا خلال التعاملات الآسيوية، ما يعكس الطبيعة العابرة للحدود لهذه الأزمة.


في الوقت نفسه، تعرض الدولار الأميركي لضغوط ملحوظة، متراجعًا بنحو 0.2% أمام معظم العملات الرئيسية، لينخفض دون مستوى 158 ينًا يابانيًا، ويتراجع إلى حدود 1.1660 دولار مقابل اليورو.

 ويعكس هذا التراجع اهتزاز الثقة في العملة الأميركية، التي ترتبط قيمتها ارتباطًا وثيقًا باستقرار السياسة النقدية ومصداقية الاحتياطي الفيدرالي.

السندات وأسعار الفائدة: قراءة في توقعات المستثمرين

على صعيد سوق السندات، سجلت العقود الآجلة لسندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات ارتفاعًا ملحوظًا، بما يعكس انخفاض العائد الضمني إلى نحو 4.15%، أي أقل بنحو نقطة أساس واحدة مقارنة بإغلاق السوق النقدية في نهاية الأسبوع.


كما أظهرت عقود الفائدة الأميركية تسعيرًا لاحتمال خفض إضافي للفائدة بنحو ثلاث نقاط أساس خلال العام، وهو تحرك محدود من حيث الأرقام، لكنه يحمل دلالات مهمة.

 إذ يشير إلى أن المستثمرين باتوا يأخذون في الحسبان سيناريو تعرض الاحتياطي الفيدرالي لضغوط سياسية متزايدة، قد تجبره على تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا مما تفرضه المعطيات الاقتصادية البحتة.

استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تحت الاختبار

لطالما اعتُبرت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي صمام أمان للأسواق المالية العالمية، وضمانة لعدم خضوع السياسة النقدية للأهواء السياسية قصيرة الأجل. 

ومن هنا، فإن أي مساس بهذه الاستقلالية ينعكس فورًا على توقعات التضخم، وأسعار الفائدة، وقيمة الدولار، وتوجهات الاستثمار العالمية.


تهديد رئيس الاحتياطي الفيدرالي بمحاكمة جنائية، حتى وإن لم يُنفذ فعليًا، يكفي لإحداث حالة من عدم اليقين، لأن الأسواق لا تتعامل فقط مع الوقائع، بل مع التوقعات والمخاطر المحتملة. وهذا ما يفسر التحركات السريعة التي شهدتها مختلف الأصول عقب تصريحات باول.

الذهب يستعيد بريقه كملاذ آمن

في خضم هذه الاضطرابات، كان الذهب الرابح الأكبر. فقد قفز المعدن الأصفر إلى مستوى قياسي غير مسبوق، متجاوزًا حاجز 4600 دولار للأوقية، في دلالة واضحة على عودة المستثمرين بقوة إلى الأصول الآمنة.
ويأتي هذا الصعود مدفوعًا بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها تراجع الدولار الأميركي، وتصاعد المخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتزايدة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، مع تصاعد الاضطرابات في إيران، وهو ما عزز الطلب العالمي على الذهب كأداة للتحوط من المخاطر.

العلاقة بين السياسة النقدية وأسعار الذهب

تاريخيًا، ترتبط أسعار الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة الحقيقية والدولار الأميركي. فعندما تتراجع الثقة في العملة الأميركية، أو تتزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة، يصبح الذهب أكثر جاذبية، لكونه أصلًا لا يدر عائدًا، لكنه يحتفظ بقيمته على المدى الطويل.


وفي الحالة الراهنة، فإن تهديدات ترامب لمحاكمة باول تفتح الباب أمام سيناريوهين كلاهما داعم للذهب: الأول يتمثل في احتمال خضوع الاحتياطي الفيدرالي لضغوط سياسية وخفض الفائدة بوتيرة أسرع، ما يضعف الدولار. أما الثاني، فيتمثل في تصاعد حالة عدم اليقين المؤسسي، وهو ما يدفع المستثمرين إلى التحوط عبر الذهب.

النفط والملاذات الأخرى في دائرة التأثر

لم يكن الذهب وحده المستفيد من هذه التطورات؛ إذ تلقت أسعار النفط دعمًا إضافيًا، مستفيدة من تزايد المخاطر الجيوسياسية في إيران، إلى جانب تراجع الدولار.

 كما شهدت بعض العملات الآمنة، مثل الين الياباني والفرنك السويسري، تحسنًا نسبيًا، في حين بقيت أسواق الأسهم تحت الضغط.
ويعكس هذا المشهد إعادة توزيع واسعة للمخاطر في المحافظ الاستثمارية العالمية، حيث يسعى المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، وزيادة حيازتهم من الأصول الدفاعية.

تداعيات محتملة على المدى المتوسط

إذا استمرت المواجهة بين ترامب وباول، أو تطورت إلى إجراءات قانونية فعلية، فإن الأسواق قد تواجه مرحلة أطول من التقلبات. 

فاستمرار الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي من شأنه أن يضعف مصداقية السياسة النقدية الأميركية، ويزيد من تقلبات الدولار، ويعزز الاتجاه الصعودي للذهب.
وفي المقابل، فإن أي تهدئة مفاجئة أو تراجع عن هذه التهديدات قد يؤدي إلى تصحيح جزئي في أسعار الذهب، لكنه على الأرجح لن يمحو المكاسب الكبيرة التي تحققت، طالما ظل عامل عدم اليقين قائمًا.

الرابط المختصر

search