دكتورة أميمة منير جادو تكتب: نبض الغياب، تمثّلات الحداد الأنثوي في القصة القصيرة
الخميس، 22 يناير 2026 11:10 ص
دكتورة أميمة منير جادو
مدخل وملخص دلالي
هذه قراءة نقدية في قصة «نبض الحياة» لجلال الصياد..
تنهض قصة «نبض الحياة» على لحظة وجودية فاصلة هي موت الزوج، لا بوصفه حدثًا سرديًا يُروى، بل بوصفه فراغًا كونيًا يخلّفه الغياب في وعي الساردة.
فالزوج لم يكن شريك حياة فحسب، بل كان – وفق الاستعارة المركزية في النص – نبض الحياة ذاته. ومن هذه اللحظة الصفرية، تبدأ الساردة حوارًا داخليًا مع روحها، تشعر فيه أن الروح قد هجرتها، لا تمرّدًا عليها، بل وفاءً لمن رحل، إذ مضت خلفه لتؤنس وحدته في الغياب.
بهذا المعنى، لا تكتب القصة عن فراق عاطفي عابر، وإنما عن حالة حداد أنثوي عميق، تتكئ فيه الذات الساردة على الذاكرة، بوصفها الوسيلة الوحيدة لمقاومة الانطفاء، وإبقاء النبض حيًا عبر السرد.
أولًا: البنية السردية وزمن ما بعد الصدمة
تعتمد القصة على بنية استرجاعية نفسية، حيث يبدأ السرد بعد اكتمال الحدث (الموت)، ثم يعود إلى الوراء عبر استدعاء محطات العمر المشترك: الطفولة، المراهقة، سنوات الدراسة، الخطوبة، ثم الزواج. الزمن هنا ليس تاريخيًا خطيًا، بل زمنًا دائريًا نفسيًا، تتقدّم فيه الذاكرة كلما اشتد الإحساس بالفقد. فالساردة لا تستعيد الماضي حنينًا، بل محاولةً لترميم حاضر مهدد بالانهيار.
ثانيًا: الراوي وخطاب مخاطبة الروح
يأتي السرد بضمير المتكلم، وهو اختيار يتلاءم مع طبيعة النص الاعترافية الرثائية. غير أن الأهم هو توجّه الخطاب إلى «الروح» بوصفها كيانًا مستقلًا. هذا الانشطار لا يحيل إلى بعد ميتافيزيقي بقدر ما يعبّر عن تفكك نفسي مؤقت يرافق الصدمة، حيث تنفصل الذات عن ذاتها لتحتمل الألم. فهجرة الروح ليست هروبًا من الحياة، بل رغبة لا واعية في اللحاق بالراحل، في أقصى تجليات التعلّق والحداد.
ثالثًا: الشخصيات في ضوء الفقد
الساردة: أرملة في لحظة حداد، تعيش صراع البقاء بعد فقد النبض.
الزوج الراحل: حاضر بوصفه مركز المعنى لا بوصفه فاعلًا سرديًا؛ وجوده يتم عبر الأثر لا الحدث.
الأب والمحيط الاجتماعي: يظهران في الذاكرة كقوى ضاغطة في مرحلة سابقة، لكنهما يتراجعان أمام هيمنة الموت بوصفه الحدث الأعلى سلطة.
رابعًا: الصراع وبؤر التوتر
الصراع في «نبض الحياة» داخلي وجودي في المقام الأول:
-صراع بين الرغبة في الاستمرار والرغبة في الانطفاء
-بين الجسد الباقي والروح الراغبة في الرحيل
-بين قبول الفقد ومقاومته بالسرد
وتأتي حادثة الخطوبة وما تلاها بوصفها ذاكرة مؤسسة لا لفهم العلاقة فقط، بل لفهم عمق التعلّق الذي جعل الغياب لاحقًا بهذه القسوة.
خامسًا: اللغة والأسلوب
تنهل القصة من الشاعرية السردية، حيث تتكاثف الاستعارات (النبض، الروح، النسائم)، ويؤدي التكرار وظيفة إيقاعية نفسية تعكس دوران الوعي حول الفقد. ومع أن النص يميل أحيانًا إلى الإطناب الوجداني، فإن ذلك يظل منسجمًا مع طبيعة خطاب الحداد، الذي لا يبحث عن التكثيف بقدر ما يبحث عن التفريغ والنجاة.
سادسًا: الرمزية المركزية (ضبط أفق التأويل)
نبض الحياة: الزوج ذاته بوصفه معنى الوجود
توقف النبض: الموت لا المرض
هجرة الروح: ذروة الحداد والتماهي مع الراحل
الذاكرة: وطن بديل للساردة
السرد: فعل مقاومة للفناء
وعليه، فإن القصة تُقرأ في إطار الواقعية الرمزية، حيث لا تنفصل الاستعارة عن التجربة الحياتية.
سابعًا: مقارنة بنماذج سردية مشابهة
يتقاطع النص مع نماذج عربية معروفة في أدب الفقد والحداد:
مع رضوى عاشور في «أطياف»، حيث يتحول الغائب إلى محور السرد عبر الذاكرة.
مع غادة السمان في نصوص الرثاء والبوح، غير أن «نبض الحياة» يبتعد عن التمرد الخطابي ويختار الحميمية الهادئة.
مع مي التلمساني في السرد الأنثوي الحزين، حيث تُكتب الخسارة بوصفها تجربة داخلية لا قضية عامة.
ويختلف نص جلال الصياد عن هذه النماذج في بساطته التعبيرية، ومباشرته الوجدانية التي تراهن على الصدق لا التعقيد.
خاتمة
«نبض الحياة» ليست قصة حب، بل قصة ما بعد الحب؛ نص رثائي أنثوي يكتب الحداد بوصفه تجربة إنسانية عميقة، لا خطابًا احتجاجيًا ولا شكوى اجتماعية. إنها كتابة تحوّل الذاكرة إلى وسيلة بقاء، والسرد إلى نبض بديل، وتمنح الغياب صوتًا لا ليُلغى، بل ليُحتمل.
وبهذا، تندرج القصة ضمن أدب الحداد المعاصر، بوصفها نصًا صادقًا، دافئًا، وجديرًا بالقراءة والنشر.
-----
نص القصة
" نبض الحياة"
قصة قصيرة..بقلم: جلال الصياد
ماذا يحدث لو توقف نبض الحياة ؟؟!
هذا هو حالي الآن
كل شيء حولي توقف، حتى روحي حاولت هجري، وتركتني وحيدة لتذهب معه حيث رحل، تلزمه في رحلته الاخيرة، لتأنس به..
وتعيش معه بقية حياتها.
أناديها .. وألوح لها .. تشيح بوجهها عني، وتسرع خلفه ..
تحاول أن تمسك بردائه .. تستنشق رائحته الطيبة، أحاول معها مرة أخرى، ارتفع صوتي حتى بح من كثرة النداء، تعجبت منها !!
هل نَسيَت أنها روحي أنا؟!
في مرة أخرى، أسرعت خلفها لعلي أتمكن من إقناعها بالعود ة إلي..
لم تعبأ بي .
صارت خلفه كالدرويش الذي يهيم على وجهه في الصحراء،
لا يعرف أين المسير؟
عدت ألملم ما بقي لي من نسائمه.
أتساءل: هل كانت روحي تعيش معي من أجله فقط ؟!
لا ألومها على ذلك؟
فأنا الأخرى كان لي كل شريان الحياة، لا تطيب لي بدونه، فلها كل العذر. هي كانت الشاهد الوحيد على اللحظات الجميلة التي عشناها ..
طفولة .. مراهقة .. شباب .. نظرات حميمية بريئة نختطفها
خلسة، ونحن بين الزملاء في الطريق إلى المدرسة..
وفي المرحلة الثانوية .. وبين الأشجار التي تحتضن الطريق،
ونسائم الأزهار التي تخرج من بين الحدائق لتحتفي بنا، وتشجعنا
وتشد على أيدينا أن نجتهد ونحب العلم أكثر وأكثر.. دون أن نهمل القلب النابض بالحب الطاهر البريء.
وتمر مرحلة المراهقة بكل عنفوانها، وأقصى ما كنا نفعله هي النظرة من بعيد، كانت تلك النظرة تحمل كل الشوق واللوعة..
وفورة الحب بكل معانيه، في رعاية الاهل والاقارب والأحباب، حتى وصلنا إ لى مرادنا.
فقد خطبني وتزوجنا .
وهنا اتذكر موقفا حدث منه أيام الخطوبة، لا أعرف له تقييما!
هل كان رائعا أم كارثيا ؟! رغم ما تعرضت فيه من انهيار عصبى وفقد السيطرة على نفسى .
" كان أبى أجمل وأحن أب فى الدنيا كلها "رحمه الله" ،
كان يحب خطيبى ومقتنع به جدا، ودائم الحرص على مراعاة شعور ه، وارضائه.
وأيام الخطوبة..... حدث خلاف بيننا لم يسألنى أبى عن السبب.
دائما يقف معه . حتى ولو كان هو السبب فى المشكلة.
يتحدث معه بصوت هادئ، أما معى.. فكان بانفعال شديد.
و ذات مرة حدث بيننا خلاف شديد، وانفعل بعصبية مفرطة،
فخلعت خاتم الخطوبة (الدبلة) بانفعال، وقررت فسخ الخطبة ووضعها على الكرسى المجاور له.
وفى سرعة البرق ، التقتها وقذفها من النافذة فوقعت فى حديقة المنزل، كنا ليلا في ظلام دامس، يصعب العثور عليها.
"جن جنونى" واستشطت غضبا، انهرت، لم أشعر بنفسى،، ارتفع صوتى، وتفوهت بكلمات لم أدركها وانخرطت فى البكاء.
"كانت مأساة"
لكني فوجئت به يسقط على الارض " جثة هامدة" تبعتها تشنجات مرعبة.
أصابنا الذعر، وكدت أموت من هول المنظر.
حاول أبي مسرعًا بعمل الإسعافات الأولية، لمحاولة إفاقته، مستخدما كل الوسائل الطبية المتاحة، وهو يصرخ فينا، ويصب علي جام غضبه ولعناته ،ويردد: "ستجعلينه يموت يا بنت ال .......
كفي عن عنادك وأطيعيه فيما يقول بلا نقاش أو تعليق،
نسينا أمر الخاتم الذهبي الثمين..
ومرت ساعة من الرعب والفزع .
بعدها استفاق خطيبى، وقام أحد اخوتي بالبحث عن الخاتم الثمين في الظلام مستخدما كشافا صغيرا إلى أن وجدوه "الحمد لله" .
ورفض أبى فسخ الخطبة.
ولاننا في مجتمع ريفي، يعيب علي الفتاة التي تفسخ خطبتها حتى لو كانت هي من طلبت ذلك، مما يجعلها عرضة للقيل والقال. فتزوجنا.
وبعد مرور فترة طويلة من الزواج ،وفى جلسة هادئة، نسترجع فيها ذكرياتنا.
ذكرته بهذا الموقف .
فاجأني زوجي العزيز الحبيب يعقب علي ما حدث قائلا:
هل تعتقدين أن الإغماء كان حقيقيًا، والدك رجل طيب جدا، وأنت طيبة مثله، وكنت أخاف أن افقدك ويضيع حبنا، لذلك تظاهرت بفقدان الوعي.
صدمنى رده بشدة متعجبةً!!!!.
لا يمكن أن يكون كلامك صحيحًا، فالموقف كان صعبا جدا.
بادرني بضحكة كبيرة منتصرة.
ثم قال: أظنك يا حبيبتي نسيتى كونى طبيبا ماهرا، وأدرك تماما ما أفعل.
ألم أقل أنك طيبة القلب .
لم استوعب الأمر.. وتمتمت بكلمات غير مصدقة..
لكنى كنت سعدت بتمام الخطبة واكتمالها بالزواج.
لك الحق يا روحي.
فقد انصهرنا في كيان وروح واحدة، وأغلق الباب خلفنا، والتحم الشوق بالواقع، وبدأنا رحلة الحياة .
كل منا اختار نهجه العملي ، وتعاهدنا على الكفاح معا لا فرق بيننا في تحمل المسؤولية .. كأننا مسؤول واحد.
تركني أمارس ما أهواه وما أعشقه من الإبداع .. حتى صرت كما أنا الآن رغم العثرات التي حاولت إيقافي ...
لكن بجواره.. كان السند والونيس يشد على يدي، يعطيني المدد.. ووهج الروح.
أقف من جديد أقوى مما كنت تقاسمنا لقيمات السعادة، وشربنا كأس النجاح، واستنشقنا عبير الروح الصادقة الوفية.
وهكذا مرت بنا دروب الحياة .. ونحن روح واحدة في جسدين يشد بعضنا بعضًا.
فلا ألومك يا روحي على مغادرتي.. والجري وراءه فهو يستحق ذلك وأكثر.
فإلى الملتقى .. في مكان أفضل .. وحياة أرحب وأصدق.....
- باحث اكاديمي وعضو اتحاد الكتاب
الرابط المختصر
آخبار تهمك
نفاد باقات الإنترنت في أول الشهر يثير تساؤلات برلمانية
22 يناير 2026 02:14 م
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الخميس 22 يناير
22 يناير 2026 05:00 ص
ارتفاع جديد في عيار 21.. تعرف على أسعار الذهب اليوم الخميس 22 يناير
22 يناير 2026 04:00 ص
تنظيم الاتصالات يتيح إمكانية تقسيط رسوم الهواتف المستوردة من الخارج
21 يناير 2026 09:44 ص
بدء تطبيق وقف إعفاء الهواتف المستوردة من الخارج
21 يناير 2026 09:38 ص
موعد صرف معاشات شهر فبراير 2026 التفاصيل الكاملة وأماكن السحب وآلية زيادة المعاشات
21 يناير 2026 09:30 ص
الأكثر قراءة
-
دكتورة أميمة منير جادو تكتب: نبض الغياب، تمثّلات الحداد الأنثوي في القصة القصيرة
-
جدول فعاليات معرض القاهرة الدولي 2026 الدورة 57 عروض ثقافية وفنية
-
سلسلة دورات وورش بمبادرة «أنا متعلم مدى الحياة» في البحيرة
-
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الخميس 22 يناير
-
خطبة الجمعة لوزارة الاوقاف غدا 23 يناير 2026م ـ 4 شعبان 1447هـ
أكثر الكلمات انتشاراً