الأحد، 25 يناير 2026

12:43 م

البروفيسور غانم كشواني يكتب: نعيم الوعي ونعيم الجهل

الأحد، 25 يناير 2026 09:25 ص

البروفيسور غانم كشواني

البروفيسور غانم كشواني

لطالما وجدنا، في أدبيات العالم على اختلافها، من شعرٍ وروايات، ترابطًا واضحًا بين ازدياد وعي الإنسان وازدياد معاناته النفسية. فكثيرًا ما يقود الوعي العميق إلى ثِقَلٍ داخلي، وربما إلى الاكتئاب. لذلك لم يكن غريبًا أن يعبّر عظماء الفكر والأدب عن هذه المفارقة.

يقول شاعر العرب الأكبر، أبو الطيب المتنبي:

ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ

وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ

وكذلك عبّر الروائي العالمي دوستويفسكي، وهو كاتبي المفضل، ولا سيما في رائعته الإخوة كارامازوف، حين قال:

“كلما ازداد الإنسان وعيًا، ازداد عذابًا".

أما كافكا، صاحب الرواية الرمزية المسخ، فيرى أن الوعي ليس دائمًا مريحًا، حين يقول:

“الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد في داخلنا".

فهو يدرك أن الوعي العميق يفتح أبوابًا ليست سهلة العبور دائمًا.

أنا، كغانم، أؤمن دائمًا بمبدأ الإيجابية الواقعية. وهو مبدأ جميل تناوله الدكتور شريف عرفة في كتابه السعادة الواقعية، وأنصح الجميع بقراءته. فالإيجابية، مثلها مثل الوعي أو الجهل، أداة، وإذا أُفرِط في استخدامها انقلبت إلى ضدها.

حتى الماء، وهو أساس الحياة على كوكبنا، ويشكّل الجزء الأكبر من أجسامنا، إذا زاد عن حده، قد يؤدي إلى الوفاة فيما يُعرف طبيًا بالتسمم بالماء. لذلك أبتعد عن الإيجابية المفرطة، أو ما يُسمّى في الأدبيات الحديثة بالإيجابية السامة، كما أبتعد في الوقت نفسه عن السلبية. وهذا بالضبط جوهر الإيجابية الواقعية.

ومن جمال هذا المفهوم أنه يعترف بتحديات الحياة، باعتبارها جزءًا من السنن الكونية، وأن طريقة تعاملنا مع الحدث هي الفارق الحقيقي، لا الحدث ذاته.

مؤخرًا قرأت كتابًا بعنوان نظرية التغافل لميل وسوير روبنز، وهو كتاب حديث بغلاف أخضر، وأنصح به بشدة. من بين أفكاره أن الجهل قد يكون نعمة في وقته الصحيح.

فمثلًا، في وقت الإجازة، من الجميل أن تكون “جاهلًا” بما يحدث في العمل، إلا في الحالات الطارئة التي تتعلق بالحياة أو الموت.

بل إن “التفاهة” نفسها قد تكون نعمة من الله سبحانه وتعالى.

كم هو جميل أن تتصرف بتلقائية وبساطة مع أطفالك الصغار، أن تحملهم على ظهرك، وتقلد أصوات الحيوانات، وهم يضحكون ببراءة. هذا النوع من “اللاجدّية” هو في حقيقته وعي إنساني عميق.

كل شيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضده، حتى الوعي.

لا أطمح إلى وعيٍ مُثقِل كوعي نيتشه أو دوستويفسكي، أولئك العظماء الذين دفعوا ثمن وعيهم معاناةً واكتئابًا ومصحات نفسية.

أحب أن أكون واعيًا، وأن أستثمر في هذا الوعي، سواء في مجالي، الهندسة المدنية، أو في غيره. لكنني في الوقت ذاته أحتاج أن أكون متغافلًا أحيانًا، حتى لا أضخم المشكلات. وأحتاج أن أكون بسيطًا، وربما “تافهًا” أحيانًا، مع أصدقاء الطفولة، نضحك ونرمي النكات دون ثقل.

نعم، أنا أعي تمامًا أن سبب خلقنا هو عبادة الله سبحانه وتعالى، وعمارة الأرض بالأثر الطيب، بما أُتيح لنا من موارد.

وكما قال لي صديق وأستاذ وأخ قريب إلى قلبي:

غانم، الحياة ليست عادلة، لكنها تحمل قدرًا من الجمال، فلنستمتع به، مع الحفاظ على الرسالة الأصلية، عبادة الله وعمارة الأرض بالأثر الطيب قدر ما نستطيع.

الرابط المختصر

search