الأحد، 01 فبراير 2026

04:36 م

علاء ثابت مسلم يكتب: السوشيال ميديا حين تحوّل الرأي إلى حقيقة والخبرة إلى فيديو

الأحد، 01 فبراير 2026 01:26 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعارف أو تبادل الأخبار، بل تحولت ـ دون مبالغة ـ إلى عالم موازٍ تُصنع فيه القناعات، وتُوزَّع فيه الأدوار، ويصبح فيه كل من يملك هاتفًا ذكيًا صاحب رأي نهائي في أدق القضايا وأكثرها تعقيدًا.

في هذا العالم الرقمي، لم يعد السؤال: من المتخصص؟

بل أصبح: من الأكثر مشاهدة؟

اللافت أن السوشيال ميديا لم تُلغِ التخصص بقرار رسمي، لكنها فعلت ما هو أخطر: همّشته بهدوء. فصار الطبيب مطالبًا بمنافسة فيديو مدته ثلاثون ثانية، والمحلل الاقتصادي مطالبًا بإقناع جمهور سبق إقناعه بعنوان جذاب وصوت مرتفع، والمعلم مطالبًا بشرح فكرة استغرقت سنوات من الدراسة في منشور لا يتجاوز سطرين.

الأمر لا يقف عند حدود إبداء الرأي، فالرأي على السوشيال ميديا لم يعد احتمالًا أو وجهة نظر، بل تحوّل عند كثيرين إلى “حقيقة رقمية”، لا تقبل النقاش، ومن يعارضها يُتهم فورًا بأنه “ضد الناس” أو “مش عايش الواقع”.

المفارقة المؤلمة أن هذه المنصات التي أتاحت حرية التعبير، أسهمت في الوقت ذاته في خلط خطير بين حرية الرأي وادعاء المعرفة. فليس كل من تحدث صار خبيرًا، وليس كل من اشتهر صار مرجعًا، لكن الخوارزميات لا تُفرّق بين من درس ومن جرّب، بل تكافئ من يُجيد الجذب، لا من يُجيد الفهم.

وهنا يظهر مشهد عبثي كامل الأركان:

خبير اقتصادي يُهاجَم لأنه “بيصعّب الموضوع”، وطبيب يُسخَر منه لأنه “بيخوّف الناس”، بينما يحظى صاحب الوصفة السحرية أو التحليل السريع بمئات الآلاف من الإعجابات، فقط لأنه قال ما يريده الجمهور لا ما يحتاجه.

السوشيال ميديا لم تُفسد العقول بقدر ما دلّلتها. قدّمت الإجابة السهلة بدل السؤال الصحيح، والحل السريع بدل الفهم العميق، والرأي الجاهز بدل التفكير. ومع الوقت، اعتاد المتلقي هذا النمط، فصار يضيق بأي محتوى يتطلب تركيزًا أو صبرًا أو مراجعة ذاتية.

الأخطر من ذلك أن النقاش العام نفسه فقد جزءًا من رصانته. فبدل تبادل الحجج، أصبحنا نتبادل الاتهامات، وبدل الاختلاف الصحي، ظهر الاستقطاب الحاد، وكأن الحقيقة لا تسكن إلا طرفًا واحدًا، ومن سواه إما جاهل أو سيئ النية.

ومع كل هذا، لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا أداة، وليست المتهم الوحيد. المشكلة الحقيقية تبدأ حين نتعامل معها كبديل عن العقل، لا كوسيلة مساعدة له. حين نطلب منها أن تفكر عنا، وتختصر لنا الطريق، وتقرر بدلًا منا.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه المنصات:

أن نُشاهد دون أن نُسلّم،

أن نقرأ دون أن نُقدّس،

وأن نُفرّق بين من يتحدث ليُعلِم، ومن يتحدث ليُثير.

فالعقول لا تُقاس بعدد المتابعين،

والحقيقة لا تُختصر في “تريند”،

والمعرفة الحقيقية لا تظهر دائمًا في فيديو قصير… لكنها تبقى أطول أثرًا.

الرابط المختصر

search