الخميس، 19 فبراير 2026

09:10 م

علاءالدين رجب يكتب: الاحتفال الأسطوري لروبوتات السنة القمرية الصينية

الخميس، 19 فبراير 2026 07:11 م

المهندس علاء الدين رجب

 المهندس علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

المهندس علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

في مشهد أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى عرض احتفالي تقليدي، قدّمت الصين خلال حفل رأس السنة القمرية فقرة “كونغ فو الروبوتات” بوصفها لحظة تكنولوجية ذات دلالات حضارية عميقة. 

لم يكن العرض مجرد استعراض لقدرات هندسية متقدمة، بل رسالة متعددة الطبقات: كيف يمكن لأمة أن تعيد تقديم تراثها العريق عبر وسيط خوارزمي دون أن تفقده روحه.

الكونغ فو، بما يحمله من فلسفة انضباط وتوازن بين العقل والجسد، لم يُوظَّف هنا كديكور ثقافي، بل كاختبار معقّد لقدرات الروبوتات البشرية. أداء أوضاع قتالية تتطلب توازنا على قدم واحدة، وانتقالات حركية سريعة، وضبطا دقيقا لمركز الثقل، كشف أن ما نشهده لم يعد روبوتات مبرمجة على حركات ثابتة، بل أنظمة تحكم تنبؤية قادرة على تعديل أدائها لحظيا قبل وقوع الاختلال.

ولعل التوقيت الزمني للعرض يضيف طبقة دلالية لا تقل أهمية عن العرض نفسه. ففقرة “كونغ فو الروبوتات” جاءت بعد أشهر قليلة فقط من العرض العسكري الصيني واسع النطاق، الذي استعرض قدرات متقدمة في الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي العسكري، والتكامل بين الإنسان والآلة في البيئات القتالية. هذا التتابع بين “استعراض القوة الصلبة” و“استعراض القوة الناعمة” لم يكن مصادفة بقدر ما بدا سردية متكاملة تُبنى على مرحلتين  الأولى تُظهر القدرة والثانية تُطبعها ثقافيا.

الرسالة السياسية


وفي هذا السياق، تكتسب الرسائل السياسية التي عبّر عنها الرئيس الصيني وفي مقدمتها العبارة الرمزية “We are unstoppable” بُعدا تطبيقيا يتجاوز الخطاب إلى المشهد المرئي. فحين تظهر الروبوتات على مسرح احتفالي بعد ظهورها في منصات عسكرية، فإن الرسالة الضمنية تصبح أوضح: التقدم التكنولوجي ليس قطاعا منفصلا، بل منظومة شاملة تمتد من الدفاع إلى الثقافة، ومن الردع إلى الاحتفال، في تأكيد متكرر على أن مسار التطور الصيني يتحرك بوتيرة يصعب كبحها أو اللحاق بها.

التقنيات


تقنيا، اعتمد العرض على منظومات متداخلة تشمل خوارزميات تحكم حركي متقدم، وحساسات تسارع وضغط عالية السرعة، ومشغلات ميكانيكية تمنح المفاصل سلاسة شبه عضوية، إضافة إلى شبكات مزامنة لحظية سمحت لعشرات الوحدات بأداء جماعي متطابق زمنيا ومكانيا. هذا التزامن حوّل المشهد من أداء آلي منفصل إلى ما يشبه أوركسترا حركية تقودها خوارزمية مركزية.

الأكثر دلالة كان البعد الزمني للتقدم. فالروبوتات البشرية ظهرت في الحفل ذاته قبل عام واحد فقط، لكن الفارق بين النسختين عكس تسارعا أُسّيا لا خطيا: تحسن ملحوظ في الثبات، وانسيابية الحركة، ودقة التوقيت، وقدرة الاستجابة. هذا يعكس ما بات يُعرف في اقتصاديات الابتكار بتأثير “التراكم التقني”، حيث تضغط دورات التطوير إلى حد يجعل عاما واحدا اليوم يعادل أعواما في الماضي.

سرعة الصين


ضمن هذا السياق، يتجاوز مصطلح “سرعة الصين” بعده الصناعي التقليدي ليأخذ معنى حضاريا أشمل. فالتكنولوجيا لم تُعرض في معارض متخصصة أو مختبرات مغلقة، بل على مسرح احتفالي يشاهده مئات الملايين. هذا الدمج بين التقدم التقني والسياق الثقافي يهدف إلى تطبيع صورة المستقبل داخل الوعي الجمعي، وتقديم الذكاء الاصطناعي كجزء من الهوية الوطنية لا كقوة باردة منفصلة عنها.

اختيار حفل يُعد الأعلى مشاهدة عالميا لم يكن تفصيلا إنتاجيا، بل قرارا استراتيجيا: بث الثقة التكنولوجية داخليا، وتصدير صورة القوة الناعمة خارجيا، وربط مسار الابتكار بسردية حضارية ممتدة. وهكذا تحوّل العرض من فقرة إبهار بصري إلى خطاب صريح مفاده أن التقدم يمكن أن يكون احتفاليا  وأن الخوارزمية يمكن أن ترقص على إيقاع التراث.

ومن هنا بدأ التحول الإدراكي الأهم: الروبوتات لم تعد تبدو وكأنها “تحاول أداء الحركة”، بل كأنها “تنتمي إلى المشهد”. اختفاء الخشونة الميكانيكية بصريا لصالح سلاسة تعبيرية هو الخط الفاصل نفسيا بين رؤية الآلة كجسم غريب  ورؤيتها ككيان مندمج في الفضاء الإنساني.

الأهمية الاستراتيجية


إذا كان عرض “كونغ فو الروبوتات” قد مثّل ذروة إبهار بصري وتقني، فإن أهميته الاستراتيجية تبدأ تحديدا بعد انتهاء التصفيق. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بما شاهدناه  بل بما يشير إليه.

حين نقيس الفارق التطويري الذي تحقق خلال 12 شهرا فقط، يصبح التفكير في أفق 36 شهرا تمرينا استشرافيا مشروعا. فالتسارع الحالي في نماذج الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التحكم، واستقرار العتاد الميكانيكي، وضغط دورات الاختبار، يعني أننا أمام منحنى نمو تراكمي لا يعرف الثبات.

خلال السنوات القليلة المقبلة، لن يقتصر حضور الروبوتات على الأداء الحركي المبرمج، بل سيتطور نحو ارتجال حركي حيّ استجابة للموسيقى وعروض مشتركة بين البشر والروبوتات ومحاكاة تعبيرات جسدية دقيقة وتفاعل لحظي مع الجمهور والبيئة وتطوير “أسلوب أدائي” خاص بكل منصة روبوتية.

عندها سيتحول السؤال من وهل تستطيع الروبوتات الأداء؟
إلى وهل تملك بصمة فنية مميزة؟

الروبوت والصناعة


غير أن البعد الأعمق يتجاوز الفنون إلى الاقتصاد. فكل قفزة في التوازن الديناميكي أو التحكم اللحظي لا تخدم العروض فقط، بل تنعكس مباشرة على قطاعات بمليارات الدولارات، تشمل التصنيع الذكي وخطوط الإنتاج الدقيقة و  الخدمات اللوجستية والمستودعات والرعاية الصحية والجراحة الروبوتية.  الروبوتات الخدمية في المدن الذكية والتطبيقات العسكرية والأمنية.

بهذا المعنى، يصبح عرض الكونغ فو واجهة ناعمة لقدرات صلبة. تدريب علني لمهارات ستُستخدم في المصانع والمستشفيات والبنى التحتية.

القوة الناعمة


ومن زاوية القوة الناعمة، تكشف هذه العروض كيف توظّف الدول الابتكار لصياغة سرديتها المستقبلية. فبدل تقديم الذكاء الاصطناعي كقوة إزاحة وظيفية أو تهديد اجتماعي، يُعاد تقديمه كجزء من الاحتفال الجمعي، وكامتداد للإبداع البشري لا منافس له.

هنا تحديدا تتشكل معادلة نفسية جديدة كلما ارتبطت التكنولوجيا بالفرح والهوية، انخفضت مقاومتها المجتمعية فالتحول الإدراكي الذي بدأ في النصف الأول من المشهد   انتقال الروبوت من “جسم يحاول” إلى “كيان ينتمي”   يتعزز هنا ليؤسس لقبول أوسع لدور الآلة في الحياة اليومية. ومع تلاشي الخشونة البصرية للحركة، يزداد الاندماج النفسي بين الإنسان والمنظومات الذكية.


عرض “كونغ فو الروبوتات” لم يكن لحظة استعراضية عابرة، بل إعلانا متعدد الرسائل  أن تسارع الذكاء الاصطناعي بلغ مرحلة التعبير الجسدي المعقّد.ط و   أن دورات التطوير تضغط زمنيا بوتيرة غير مسبوقة و أن الروبوتات تغادر المختبر إلى الفضاء الثقافي العام و  أن القوة التكنولوجية يمكن تصديرها عبر بوابة الهوية.

لقد شاهدنا التراث يُعاد أداؤه بأجساد من سيليكون وفولاذ دون أن يفقد رمزيته. وإذا كان عام واحد فقط قد أنتج هذا المستوى من التطور، فإن السنوات القليلة القادمة لن تغيّر فقط ما تستطيع الروبوتات فعله  بل ستعيد تعريف مفاهيم مثل المهارة، والأداء، وحتى الفن ذاته.

الرابط المختصر

search