عماد رجب يكتب: خطاب الكراهية الرقمي ضد الأشقاء العرب
السبت، 14 مارس 2026 09:26 ص
عماد رجب
عماد رجب
لم يعد ما نشاهده من مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مجرد آراء فردية عابرة تصيب وتخطئ، بل أصبح ذلك ظاهرة تستحق التوقف أمامها بجدية مع استهلاكها للروابط الأخوية بين الأشقاء في الخليج والشام والمغرب العربي والقرن الافريقي.
فخلال الفترة الأخيرة انتشرت مقاطع وتصريحات يطلقها بعض المؤثرين واليوتيوبرز، تحمل خطابا يزرع الشك ويغذي الفرقة بين الشعوب العربية، خصوصا بين مصر ودول الخليج والشام والسودان والجزائر والمغرب.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يحدث صدفة رقمية عابرة، أم حملات منظمة تستهدف تفكيك الروابط الطبيعية بين الأشقاء؟ تمهيداً لحدث ما؟
من يتتبع هذه المقاطع يلاحظ نمطا متكررا بأدوات وأفكار وتوقيت متشابه، يصعب تصديق أن بعضه وليد الصدفة.
فهناك من يعيش في دول غربية ويقدم نفسه نموذجًا للانفتاح والمثالية، لكنه لا يظهر حماسه إلا عند مهاجمة الأشقاء العرب، بل إن بعضهم بات متخصصا في سب هذا وذاك.
وهناك عرب خليجيون، أو من المغرب والشام، أو حتى أفارقة يترصدون أي محتوى مصري أو خليجي أو سوداني أو تونسي أو ليبي أو جزائري أو مغربي، ليقتطعوا منه ما يثير الجدل ثم يعيدوا نشره خارج سياقه ليبدو وكأنه إهانة أو عداء.
بين هذا وذاك، يظهر آخرون يجيدون دور الوسيط الذي ينفخ في نار الخلاف، ويقطع السياق ويضخم الكلمات ليحولها إلى معركة وهمية.
كما تبرز السرعة الكبيرة في الإنتاج والإعداد والمونتاج، الذي يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى وقت وجهد سواء في إعداد الاسكريبت أو التصوير أو المونتاج، لإظهار هذه الجودة التي تؤثر بهذا الشكل حتى أنني بت أظن أن بعضها كان مجهزا قبل الفعل نفسه. وعند التعمق أكثر، تتكشف ملامح اتجاهات فكرية وسياسية متعددة ومقلقة.
فبعضهم يتبنى خطابًا قوميًا متشددا، مثل بعض جماعات “كيميت”، وآخرون يروجون لرؤى دينية أو عرقية ضيقة كارهة لمصر ولوحدة الدول العربية، مثل التيارات المتشددة والتكفيرية، إخوان أو سلفيين، بينما يتماهى فريق ثالث مع سرديات غربية ترى في وحدة العرب خطرا يجب تفكيكه، مثل بعض المجموعات الإلحادية أو معتنقي مبدأ اللا ادري ظاهراً.
مع هذا التأثير الكبير بدأت ظاهرة جديدة في الوضوح، وهي أن بعض المؤثرين صاروا يتعاملون مع أنفسهم وكأنهم أوصياء على المجتمع، بل وعلى الشعوب والحكومات نفسها.
فبمجرد امتلاكهم عددا كبيرا من المتابعين، يعتقدون أن لهم الحق في إصدار الأحكام المطلقة، وتوجيه الاتهامات، والتحدث باسم الشعوب وكأنهم ممثلوها الرسميون.
هذه العقلية لا تكتفي بإثارة الجدل، بل تسهم أحيانا في تضليل الرأي العام، وتحويل القضايا المعقدة إلى صراعات سطحية تجذب المشاهدات.
المفارقة أن كثيرا من هذه الأصوات تتجاهل التاريخ القريب والبعيد. فالعلاقات بين مصر ودول الخليج والسودان لم تكن مجرد مصالح سياسية عابرة، بل تشكلت عبر عقود طويلة من التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ملايين المصريين عاشوا وعملوا في دول الخليج وأسهموا بشكل كبير في بنائها، كما أن العلاقات بين مصر والسودان تمتد عبر حدود جغرافية وتاريخ مشترك ونهر واحد جمع الشعبين عبر آلاف السنين.
كما احتضنت مصر في أوقات مختلفة أشقاء من السودان ومن دول عربية أخرى عند ضيق الظروف، ووقف السودانيون والخليجيون إلى جانب مصر في محطات عديدة من تاريخها الحديث.
هذه العلاقات نسجتها المصاهرة واللغة والدين والتاريخ المشترك، وليس من السهل محوها ببضعة مقاطع أو تغريدات مثيرة للجدل.
فبين مصر والسودان روابط إنسانية عميقة، والعلاقات مع دول الخليج تقوم على الأخوة والتعاون والمصالح والتقدير المتبادل.
والأمر الأكثر خطورة أن بعض هذه الحملات يبدو وكأنه يتحرك بطريقة منظمة: توقيت متزامن، موضوعات متشابهة، وأساليب متكررة لإثارة الجدل.
كل ذلك يعطي انطباعا بأن ما يحدث ليس عفويا بالكامل، بل قد يكون جزءا من حرب ناعمة تعتمد على الإعلام الرقمي لتفكيك المجتمعات من الداخل.
وحين ينجح خطاب الكراهية في جعل العربي يشك، يكره أو يحقد على أخيه، يصبح من السهل على القوى الخارجية فرض شروطها وإعادة رسم موازين القوة في المنطقة.
المسؤولية هنا مشتركة بين النخب الإعلامية والثقافية والجمهور العادي.
فمواجهة الظاهرة لا تكون بالانجرار إلى نفس لغة الإساءة، بل بإعادة التذكير بحقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
كما أن رفع الوعي بخطورة التضليل الرقمي أصبح ضرورة، لأن كثيرين قد يقعون ضحية محتوى مصمم بعناية لإثارة الغضب والانقسام.
إن ما يجمع مصر ودول الخليج والسودان والمغرب العربي ودول الشام، بل وما يجمع الشعوب العربية عموما، أكبر بكثير من خلافات عابرة أو حملات إلكترونية عابثة.
لذلك فالتحدي الحقيقي اليوم ليس الرد على كل مقطع أو منشور، بل حماية الوعي الجمعي من محاولات التفريق والتشويه. فالأمم لا تسقط فقط بالحروب، بل قد تتآكل أيضا حين ينجح البعض في تحويل الأخ إلى خصم، والشريك إلى عدو.
مقالات أخرى للكاتب
عماد رجب يكتب: انتهى الدرس… وهذا هو الرابح في الحرب الإيرانية
عماد رجب يكتب: كيف تصنع وكالات الأنباء العالمية الانطباعات من الصور قبل الأخبار!
عماد رجب يكتب: قصص عراقية في مصر، من الحنين إلى النهضة
عماد رجب يكتب: حين يتحول المحتوى الرقمي إلى سلاح اقتصادي قاتل
عماد رجب يكتب: مصر في أفريقيا، تكامل وشراكة تاريخية موثوقة
الرابط المختصر
آخبار تهمك
أسعار الأسمنت اليوم الجمعة.. استقرار بالسوق وترقب لتحركات جديدة
11 سبتمبر 2026 08:30 ص
وزير العمل يشهد توقيع 6 بروتوكولات ببورسعيد لربط التعليم باحتياجات سوق العمل
10 سبتمبر 2026 07:43 م
مبادرة تخفيض الأسعار تبدأ اليوم.. التموين تطرح 12 سلعة أساسية بأسعار مخفضة
10 سبتمبر 2026 07:42 م
المركزي الأوروبي يرفع الفائدة للمرة الثانية خلال 2026 وسط تصاعد ضغوط التضخم
10 سبتمبر 2026 03:47 م
وزير الكهرباء: مستعدون لدعم السودان لإعادة تأهيل الشبكات وتطوير البنية التحتية للطاقة
10 سبتمبر 2026 03:39 م
وزير المالية: «البريكس» يستهدف بناء نظام اقتصادي أكثر عدالة ودعم استثمارات القطاع الخاص
10 سبتمبر 2026 02:46 م
الأكثر قراءة
-
بعد غياب 112 يومًا.. إمام عاشور يعود للمشاركة مع الأهلي أمام المقاولون
-
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف غدا 11 سبتمبر 2026م ـ 29 ربيع الأول 1448هـ
-
23 هدفًا في 10 مباريات.. أبرز أرقام الجولة الرابعة من الدوري المصري
-
موعد مباراة مصر وأنجولا في نصف نهائي بطولة إفريقيا لكرة اليد للشباب
-
موعد الاجتماع الفني لمباراة الزمالك وإيه إس بورت الجيبوتي
-
مدير عمليات كرة القدم في توتنهام: مرموش من أنجح اللاعبين في العالم.. وهذا سبب تعاقدنا معه
-
عموتة يدرس إعادة كريم الدبيس لتشكيل الأهلي أمام أبو قير للأسمدة
-
إصابة أسامة جلال بكسر في الساق خلال تدريب بيراميدز
-
خاص.. وائل جمعة يحسم حقيقة إصابة أشرف داري
-
موعد الاجتماع الفني لمباراة الزمالك وإيه إس بورت الجيبوتي
-
موعد إجراء قرعة حج الجمعيات الأهلية 2027
-
الزمالك يراهن على 5 ملايين دولار لحل أزمته المالية.. وبيزيرا كلمة السر
-
طقس الجمعة 11 سبتمبر 2026.. انخفاض طفيف في الحرارة وشبورة مائية صباحًا
-
أسعار الخضروات والفاكهة اليوم في الأسواق المصرية
-
محمود عبدالمغني في مرمى الجدل.. طارق الشناوي ينتقد نجوميته وفنانون ينتفضون للدفاع عنه
أكثر الكلمات انتشاراً