د. أميمة منير جادو تكتب: قيم الجوار في قصة "العجل الذي هدم المصطبة" للدكتور عمر محفوظ
الإثنين، 16 مارس 2026 04:41 م
دكتورة أميمة منير جادو
قراءة في الدلالة الأخلاقية المستمدة من الهدي النبوي
مقدمة قصيرة
تنبثق بعض القصص من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في القيم الإنسانية العميقة. ومن هذا المنطلق تأتي قصة "العجل الذي هدم المصطبة" للدكتور عمر محفوظ، حيث يستلهم الكاتب مشهدًا مألوفًا من الحياة في الأزقة الصعيدية ليبني عليه رؤية أخلاقية واجتماعية، تتصل بروح الجوار والتكافل بين الناس. فالمصطبة في القصة ليست مجرد بناء صغير أمام بيتٍ قديم، بل تتحول إلى رمز لعلاقة إنسانية تتجاوز الحجر إلى القلوب. ومن خلال الصراع الخفيف بين روح الألفة التي يمثلها الحاج عثمان والجيران، ونزعة الضيق والحسد التي تجسدها شخصية ستموني، تتجلى قيمة الجوار بوصفها قيمة إنسانية أصيلة.
وتتلاقى هذه الدلالة مع منظومة القيم الأخلاقية في الإسلام، ولا سيما ما ورد في السنة النبوية من التأكيد على حق الجار والإحسان إليه، كما في قول النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (رواه البخاري ومسلم).
ومن ثمّ يمكن قراءة هذه القصة بوصفها نصًا سرديًا يستحضر، في صورة فنية هادئة، تلك القيم التي رسخها الدين في وجدان المجتمع، حيث يتحول التضامن بين الجيران إلى قوة قادرة على ترميم ما تهدم من الحجر، بل وما كاد أن يتصدع من العلاقات الإنسانية.
تندرج قصة "العجل الذي هدم المصطبة" ضمن القصص الواقعية الرمزية التي تستلهم الحياة الشعبية في القرى والصعيد المصري، حيث تتجاور البيوت كما تتجاور القلوب. يعتمد الكاتب على حدث بسيط في ظاهره ـ بناء مصطبة ثم تهدمها ـ ليكشف من خلاله شبكة من العلاقات الإنسانية: المودة، الحسد، والتكافل الاجتماعي. فالقصة لا تتوقف عند حادثة مادية، بل تتحول إلى تأمل في طبيعة الجوار والإنسان.
ملخص دال
تدور القصة في زقاق قديم بالصعيد، حيث يبني الحاج عثمان مصطبة صغيرة أمام بيته ليجلس عليها بعد يوم العمل ويتبادل التحية مع الجيران. يتقبل أهل الزقاق الأمر بودّ، لكن جارًا يُدعى ستموني يرى في المصطبة تعديًا على الطريق، فيتقدم بشكاوى متكررة للمجلس المحلي. رغم ذلك لا يحدث شيء، حتى تأتي لحظة مفاجئة حين ينفلت عجل صغير ويصطدم بالمصطبة فيهدم جزءًا منها. يحزن الحاج عثمان قليلًا، لكن الجيران يتكاتفون في الصباح ويعيدون بناء المصطبة. وفي النهاية يتجلى المعنى الحقيقي: ليس المهم الحجر، بل العلاقات الإنسانية التي أعادت بناءه.
البنية السردية
تعتمد القصة على بنية سردية تقليدية واضحة:
التمهيد: وصف الزقاق والبيئة الاجتماعية وتقديم شخصية الحاج عثمان.
العقدة: ظهور شخصية ستموني واعتراضه على المصطبة ورفع الشكاوى.
الذروة: حادثة العجل التي تهدم المصطبة.
الحل: تضامن الجيران وإعادة بنائها.
الخاتمة الحكيمة: تأكيد أن ما تبنيه القلوب أبقى من الحجر.
هذه البنية تمنح القصة وضوحًا وسلاسة في التلقي.
الشخصيات
الشخصيات قليلة لكنها رمزية الوظيفة:
الحاج عثمان: يمثل الإنسان الهادئ المتصالح مع محيطه، رمز البساطة والخير.
ستموني: يمثل الحسد وضيق الأفق، الشخصية المضادة التي تحرك الصراع.
عامر: صوت الحكمة في القصة، يعبر عن رؤية الكاتب الأخلاقية.
الجيران: كتلة جماعية ترمز إلى روح التضامن الشعبي.
ومن اللافت أن الكاتب لم يتوسع في التحليل النفسي للشخصيات، بل اكتفى بإبراز دورها الرمزي في الحكاية.
المكان ودلالته
المكان ـ الزقاق الصعيدي ـ ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر دلالي مهم. فالزقاق الضيق يتسع للمودة، في مفارقة جميلة بين ضيق المكان واتساع العلاقات. كما أن المصطبة نفسها تتحول إلى رمز اجتماعي؛ فهي مساحة للقاء والتواصل، لا مجرد بناء صغير.
اللغة والأسلوب
لغة القصة هادئة وسلسة تميل إلى النبرة الحكائية القريبة من السرد الشعبي. ومن سماتها:
الجمل الوصفية الهادئة.
حضور الحكمة في الحوار.
استخدام الصور البلاغية البسيطة مثل: "البيوت متلاصقة كأنها تتساند خوف السقوط".
كما تميل الخاتمة إلى الأسلوب المثلّي أو الحكمي الذي يترك رسالة أخلاقية واضحة.
الرمزية والدلالة
القصة تقوم على رمز مركزي هو المصطبة، التي تمثل:
التواصل الاجتماعي.
روح الجوار.
المجال المشترك بين الناس.
أما العجل فليس سوى أداة سردية فجّرت الحدث، بينما الدلالة الحقيقية تتجه إلى أن الحسد هو الذي حاول هدم المصطبة، لا الحيوان نفسه.
وهنا تتحول الحكاية البسيطة إلى مجاز عن الصراع بين الحسد والتكافل.
الرسالة الفكرية
تحمل القصة رسالة اجتماعية واضحة مفادها:
أن الحسد قد يفسد العلاقات.
وأن تضامن المجتمع قادر على ترميم ما تهدم.
وأن قيمة الجوار لا تقاس بالمكان بل بالمحبة.
وتظهر هذه الرسالة في قول عامر:
"الحجر يُبنى، لكن القلوب إذا تهدمت لا تُرمم."
ملاحظات نقدية
رغم جمال الفكرة، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:
-المباشرة الوعظية في الخاتمة؛ إذ جاءت الحكمة صريحة أكثر من اللازم.
-تسطح شخصية ستموني نسبيًا؛ فهي تمثل الحسد دون تعقيد نفسي.
-الحدث نفسه بسيط للغاية، وقد يبدو أقرب إلى الحكاية الرمزية منه إلى القصة ذات الصراع العميق.
ومع ذلك فإن بساطة الحدث قد تكون مقصودة لإبراز المعنى الأخلاقي.
------
ملحق القصة
قصة قصيرة
العجل الذي هدم المصطبة
د. عمر محفوظ
في زقاقٍ قديمٍ من أزقة الصعيد، حيث البيوت متلاصقة كأنها تتساند خوف السقوط، وحيث يعرف الناس بعضهم بعضًا كما يعرف المرء كفَّه، كان بيت الحاج عثمان قائمًا في مواجهة بيت عامر. لم يكن الزقاق واسعًا، لكنه كان يتسع لشيءٍ أثمن من المسافة: يتسع للمودة التي كانت تسكن قلوب أهله.
كان الحاج عثمان رجلًا هادئ الطبع، قليل الكلام، كثير العمل. ورث البيت عن أبيه، كما ورث عنه عادةً قديمة: أن يجعل أمام الباب مصطبة صغيرة، يجلس عليها بعد المغرب، يحيّي العابرين ويستريح من تعب النهار.
وفي صباحٍ من صباحات الصيف، وقف البنّاء أمام البيت يخلط الطين بالرمل، بينما كان الحاج عثمان يشير بيده إلى موضع المصطبة.
سأله أحد الجيران مبتسمًا:
ـ ستبني مصطبة يا حاج عثمان؟
ردّ الرجل بهدوء:
ـ مصطبة صغيرة… نجلس عليها ساعة بعد المغرب، فالزقاق يحتاج إلى أنفاس الناس.
لم يعترض أحد. بل وقف بعض الجيران يساعدون، وجاء آخرون بكوب شاي للبنّاء، حتى اكتملت المصطبة في هدوء يشبه هدوء القرية نفسها.
غير أن الأزقة، مثل القلوب، لا تخلو من ظلٍّ عابر.
في البيت المجاور كان يسكن ستموني، رجل يرى في كل حجر مشكلة، وفي كل حركة تجاوزًا، وفي كل ابتسامة استفزازًا. وقف يومًا أمام المصطبة يتأملها طويلًا، كأنها خصم قديم.
تمتم في ضيق:
ـ إشغال طريق.
ضحك أحد العابرين وقال:
ـ يا رجل، الطريق أوسع من قلبك… والمصطبة أصغر من همّك.
لكن ستموني لم يضحك.
بعد أيام قليلة وصلت شكوى إلى المجلس المحلي. قيل فيها إن الحاج عثمان أقام بناءً مخالفًا، وإن المصطبة تعدٍّ على الطريق العام، وإن الزقاق ضاق بأهله بسببها.
قرأ عامر الخبر، فهزّ رأسه وقال:
ـغريب أمر الناس… نفرح لمن يبني بيتًا، ونغار منه إذا وضع حجرًا أمام بابه.
مرّ الموظفون ذات صباح. نظروا إلى المصطبة، ثم إلى الزقاق، ثم إلى البيوت التي تسبقها بعشرات المصاطب.
ابتسم أحدهم وقال:
ـ لو هدمنا هذه المصطبة، لوجب علينا أن نهدم نصف القرية.
فضحكوا ورحلوا.
لكن ستموني لم يهدأ. كتب شكوى أخرى، ثم ثالثة، حتى صار اسم الحاج عثمان يتردد في الأوراق أكثر مما يتردد في دفاتر المواليد.
كان الزقاق يراقب في صمت.
وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء، وقع ما لم يتوقعه أحد.
انفلت عجل صغير من حظيرة قريبة، وراح يجري في الزقاق مذعورًا. كانت حوافره تضرب الأرض كطبول صغيرة، والناس يفتحون الأبواب في دهشة.
ركض العجل بلا هدى… حتى اصطدم بالمصطبة.
اهتزت لحظة… ثم تهدم جزء منها في صوت مكتوم.
وقف الحاج عثمان صامتًا ينظر إلى الطين المتناثر. لم يغضب، ولم يصرخ. جلس على حجر قريب كأنما فقد صديقًا قديمًا.
خرج الجيران من بيوتهم. بعضهم حمل المعاول، وبعضهم جاء بالماء. أما عامر فاقترب من الحاج عثمان وربت على كتفه قائلاً:
ـ لا تحزن يا حاج عثمان… الحجر يُبنى، لكن القلوب إذا تهدمت لا تُرمم.
رفع الحاج عثمان رأسه ونظر إلى الزقاق طويلًا، ثم قال في هدوء:
ـ كنت أظن أن المصطبة لي… فإذا بها للناس.
وفي الصباح، جاء الجيران جميعًا. أحدهم أحضر الطوب، وآخر أحضر الرمل، وثالث جاء بالبناء. وفي ساعات قليلة عادت المصطبة كما كانت… بل أجمل مما كانت.
وقف عامر يتأمل المشهد وقال بصوت يسمعه الجميع:
ـ الجار يا إخوتي ليس جدارًا يجاور جدارًا… الجار قلب يجاور قلبًا. فإذا بنى جارُك فافرح له، لأن العمر يُبنى معه. وإذا هُدم له شيء فاحزن، لأن الهدم إذا بدأ في البيوت وصل يومًا إلى القلوب.
ساد الصمت لحظة.
وكان ستموني يقف بعيدًا يراقب المشهد. نظر إلى المصطبة الجديدة، ثم إلى وجوه الجيران المتآلفة، فتقلصت الشكوى في صدره، لكنه لم يرحل. ظل صامتًا، متأملًا، كما لو أن شيئًا في الزقاق قد انتصر على شيء آخر بداخله.
وتعلم الزقاق كله درسًا لم يرد أحد قوله صراحة: أن ما يبنيه الناس بأيديهم يمكن هدمه، لكن ما يبنيه القلب سيبقى يتردد بين الجدران حتى لو هدم الحجر نفسه.
ومنذ ذلك اليوم صار الناس في القرية يقولون، إذا مرّوا بالمصطبة:
لم يهدمها العجل…
بل حاول الحسد أن يهدمها، فكان الجيران هم من أعادوا لها الحياة.
- باحث اكاديمي ـ عضو اتحاد كتاب
الرابط المختصر
آخبار تهمك
تحليل: صدمة الطاقة تقود الأسواق العالمية إلى مواجهة مع البنوك المركزية
16 مارس 2026 05:05 م
الدولار يواصل الثبات فوق مستويات الـ 52 جنيهاً.. واليورو يترقب التحركات العالمية
16 مارس 2026 06:00 ص
105 جنيهاً للبيضاء.. تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الإثنين
16 مارس 2026 05:25 ص
7410 جنيهاً لعيار 21.. تعرف على أسعار الذهب اليوم الإثنين 16 مارس
16 مارس 2026 03:30 ص
استقرار حذر في سوق الصرف: أسعار العملات في البنوك المصرية اليوم الأحد
15 مارس 2026 04:30 ص
7410 جنيهًا لعيار21.. حالة من التذبذب تسيطر على أسواق الذهب اليوم الأحد
15 مارس 2026 02:30 ص
الأكثر قراءة
-
د. جمال المجايدة يكتب: الحرس الثوري يقود ايران نحو الهاوية
-
البروفيسور غانم كشواني يكتب: مفهوم الإيكيجاي المتقدم
-
د. أميمة منير جادو تكتب: قيم الجوار في قصة "العجل الذي هدم المصطبة" للدكتور عمر محفوظ
-
جدول مواعيد مباريات اليوم الإثنين 16 مارس 2026 والقنوات الناقلة لها
-
استكمال محاكمة المتهمة بقتل ابنتها الرضيعة بالبحيرة اليوم
-
موعد والقنوات الناقلة لمباراة تشيلسي وباريس سان جيرمان في دوري أبطال أوروبا
-
الكوكي يصحح أخطاء المصري قبل موقعة الحسم أمام شباب بلوزداد في الجزائر
-
الإصابة تبعد محمد عبد المنعم عن معسكر منتخب مصر
-
إيمانويل إيبويه أسطورة كوت ديفوار وأرسنال مراقبا لمباراة بيراميدز والجيش الملكي
-
مبابي يتواجد في قائمة ريال مدريد استعدادا لمواجهة مانشستر سيتي
-
مواعيد مباريات الجولة الأولى من مجموعة الهبوط في الدوري المصري
-
تحليل: صدمة الطاقة تقود الأسواق العالمية إلى مواجهة مع البنوك المركزية
-
موعد والقنوات الناقلة لمباراة تشيلسي وباريس سان جيرمان في دوري أبطال أوروبا
-
د. جمال المجايدة يكتب: الحرس الثوري يقود ايران نحو الهاوية
-
د. أميمة منير جادو تكتب: قيم الجوار في قصة "العجل الذي هدم المصطبة" للدكتور عمر محفوظ
أكثر الكلمات انتشاراً