علاءالدين رجب يكتب: حين يعلّمنا الماضي إدارة الحاضر.. الاقتصاد في زمن الاضطراب
الجمعة، 27 مارس 2026 02:40 م
المهندس علاء الدين رجب
المهندس علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي
نعاني جميعا من تسارع موجات الغلاء التي تضرب مناطق واسعة من العالم، ومع الأزمات الجيوسياسية وهشاشة سلاسل الإمداد، اصبح الحديث عن “الحكمة في الانفاق” ضرورة وجودية. فالعالم الذي عرفناه مستقرًا نسبيًا في تدفق السلع والخدمات، بدأ يكشف عن وجهٍ آخر، هو وجه الندرة، والاضطراب، وعدم اليقين.
وهنا، لا أجد أصدق من استدعاء الطفولة ذاكرة الجدات، حيث لم تكن الإدارة الاقتصادية تُدرَّس في الجامعات، بل كانت تُمارس بفطرةٍ واعية، وبمنظومة قيمٍ متماسكة.
أتذكر جدتي لأمي، رحمهما الله، بنت المدينة، وهي تعيش معنا مبدأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم"، وكأنها تستشرف الأزمة، أن الرخاء إذا طال، أورث الغفلة، وأن الغفلة مقدمة الفقد.
وكانت تستحضر كذلك حكمة أمنا عائشة: "أحسنوا جوار نعم الله، فإنها قلّما زالت عن قوم فعادت إليهم"، أو أمنا ميمونة لما رأت حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت :إن الله لا يحب الفساد.
فكانت تتعامل مع النعمة كضيفٍ كريم إن أُكرم أقام، وإن أُهين رحل. لم تكن تلك شعارات على اللسان، بل تفاصيل يومية دقيقة.
كان الشراء مرتبطًا بالمواسم؛ فالبامية والملوخية تُجفف في أيام الرواج، وتُخزن لأيام الشح. اللوبيا والفاصوليا والبصل والثوم ليست مجرد مكونات، بل “مخزون استراتيجي منزلي” بلغة اليوم.
سطح المنزل كان عبارة عن منظومة إنتاج، دواجن تُربى، وبقايا الطعام تُعاد تدويرها، في دورة اقتصادية مغلقة، لا تعرف الهدر، وحتى الخبز كان يصنع ويحمص ويُدخر.
والطعام لا يُطهى إلا بقدر الحاجة، وللجيران دائما نصيب منه قبل أن تمتد إليه الأيدي داخل البيت. فالتكافل لم يكن إلا سلوكًا فطريًا.
تلكم الملابس لم تكن “موضة موسمية”، بل أصولًا متداولة داخل العائلة. يكبر الطفل، فتكبر معه قيمة الشيء لا استهلاكه، فتنتقل ملابسه إلى أخيه أو ابن خالته أو الجيران، دون حرج، لأن القيمة كانت في المنفعة، لا في المظهر.
وكنا نجمع الصفحات البيضاء المتبقية من الكراسات، ونعيد تجليدها لنصنع منها كراسة جديدة، مستفيدين من كل ما يمكن الاستفادة منه.
منذ صغري وحتى الآن أميل إلى الاقتصاد في أبسط الأشياء؛ فكنت أحرص على شراء جوارب بلون واحد، حتى إذا تلفت واحدة لا أضطر للتخلص من الباقي.
وكان المبدأ الحاكم بسيطًا وعميقًا: لا يُشترى شيء إلا لحاجة.
نموذج اقتصادي متكامل، بل نموذج يختصر مفاهيم الاستدامة، وكفاءة الموارد، وإدارة المخاطر، قبل أن تتحول إلى مصطلحات رنانة في تقارير المؤسسات الدولية.
بل إن هذا الوعي كان ممتدًا حتى في سلوك الصحابة. يُروى عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه كان يركب بغلةً قد شاب وجهها من الهرم، فقيل له:
“يا أمير، تركب مثل هذه؟”
فقال: “إني لا أمل دابتي ما حملتني، ولا زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا جليسي ما لم يصرف وجهه عني. ألا إن الملال لدناءة الرجال أو من سوء الأخلاق".
هذا ليس حرمانا، بل تحررا من الاستهلاك الأعمى.
اليوم، ونحن نواجه احتمالات اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد السؤال: هل نعود إلى ثقافة "اخشوشنوا"؟
بل: كيف تأخرنا كل هذا الوقت؟
لا أدعوكم إلى الزهد السلبي، ولا إلى الانكماش الاقتصادي، بل إلى إعادة ضبط البوصلة.
أن نستهلك بوعي، لا بدافع العادة أو التقليد. أن نُعيد الاعتبار لفكرة “المخزون المنزلي الذكي”.
أن نحارب الهدر، لا بالشعارات، بل بالسلوك اليومي. أن نُحيي ثقافة المشاركة والتكافل داخل المجتمع. أن نُربّي أبناءنا على قيمة الشيء، لا على استهلاكه.
اخشوشنوا، في جوهره، ليس تقليلًا من مستوى الحياة، بل رفعٌ لجودتها لأنه يعيد الإنسان إلى مركز المعادلة، لا إلى هامشها الاستهلاكي.
فلعل أخطر ما في زمن الوفرة ليس الفقر، بل نسيان قيمة النعمة.
وما أحوجنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نستعيد هذا الوعي وأن النعم لا تدوم لمن لا يعرف قدرها، وأن الشكر ليس فقط كلمة تُقال، بل أسلوب حياة يُمارس. فإن أحسنا جوار نعم الله، أقامت بيننا، وإن أسأنا، رحلت، وقد لا تعود.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
استقرار حذر في سوق الصرف: أسعار العملات في مصر اليوم الجمعة
27 مارس 2026 04:04 ص
الذهب يواصل التراجع في "الصاغة".. هبوط مفاجئ لعيار 21 اليوم الجمعة وسط ترقب الأسواق
27 مارس 2026 03:20 ص
وحدات البيوجاز.. الطاقة النظيفة التي تحول المخلفات إلى وقود وأرباح
26 مارس 2026 04:11 م
تراجع ملحوظ في أسعار الفراخ والبيض اليوم الخميس وسط وفرة في المعروض
26 مارس 2026 04:00 ص
استقرار نسبي في أسعار العملات أمام الجنيه المصري اليوم الخميس
26 مارس 2026 03:00 ص
الأكثر قراءة
-
ملخص خطبة الجمعة لوزارة الاوقاف اليوم 27 مارس 2026م ـ 8 شوال 1447هـ
-
مصرع شخصين في تصادم بين "سيارة ألبان" وأخرى محملة بـ "الغاز" بالمنوفية
-
حكم من يقاطعه والده ولا يريد صلته.. مركز الأزهر للفتوى يوضح
-
مصر تواجه السعودية وديًا استعدادًا لكأس العالم 2026
-
قمة سعودية مصرية ودية وصدامات نارية بين عمالقة أوروبا وأمريكا اللاتينية اليوم
أكثر الكلمات انتشاراً