الأربعاء، 20 مايو 2026

12:37 م

الدكتور سمير القاضى يكتب: مأزق المثقفين

الأربعاء، 20 مايو 2026 11:04 ص

الدكتور سمير القاضى

الدكتور سمير القاضى

الدكتور سمير القاضى

بلغني أيها الملك السعيد.. ذو الرأي الرشيد: 
أن إحدى المؤسسات الثقافية.. دعتني لحضورِ ندوةٍ أدبية.. لمناقشةِ مجموعةٍ قصصية .. ولبيتُ الدعوة.. وذهبتُ لِكي أحضرَ الندوة 

وإن هذه المؤسسةَ بالذات...تُنظِّمُ أكبرَ الندوات....وتستضيفُ أشهرَ المبدعين والنُّقَّاد...ولذلك فإنها كالمعتاد
تزدحمُ بالرواد.

وقد شعرتُ بالسرور..لأني فوجئتُ بانسيابِ حركةِ المرور..الذي أتاحَ لي الحضور..في وقتٍ قياسي..دون أن أُقاسي.، من شِدَّةِ الزحام... الذي أراه في باقي الأيام.
وفوجئت بأنَّ القاعةَ خالية.. وكان في المكان.. شخصان آخران ...بجوارِ كاتبةِ القصة..التي جلستْ قريبًا من المنصة..

وكان الناقِدُ يعبثُ في هاتفِه المحمول.. ولسانُ حالِه يقول..ما الذي َشغلَ الجمهور..ومنعَه من الحضور..رغمَ انسيابِ حركةِ المرور؟

ولاحظَت المسئولةُ عن النشاطِ الثقافي ..بأن العددَ غيرُ كافِ .. ولم يحضرْ إلا ثلاثةُ أشخاص.. رغم أنها تؤدِّي عملَها بإخلاص.. وأكدت أنها لم تقصِّرْ في توجيهِ الدعوة ..لحضورِ تلكَ الندوة.. مثل كلِّ الندوات السابقة.. وكانت واثقة.. من حضورِ الناسِ كالمعتاد.. في نفسِ الميعاد.

وبدأت الكاتبةُ تسردُ القصة..بعد أن اعتلت المنصة.. ولما انتهت من السرد.. بدأت عمليةُ النقد.. وراح الناقدُ يذكرُ بعضَ الملاحظات.. وبعد لحظات.. سمِعنا صوتَ تصفيقٍ وهتافات..وتوقعنا حدوثَ أمرٍ جلل..وتساءلنا ماذا حصل؟

لقد استطاعَ الأبطال .. أن يحققوا أعظمَ الآمال.. وأن يُسعدوا الجماهير.. بعد أن أحرزوا النصرَ المُبين..في هذهِ اللحظةِ التاريخية.. وأحرزوا هدف الفوز..

وعرفَ الناقدُ السرَّ الخطير.. الذي جعلَ جمهورَه الكبير ..يتجاهلُ الدعوة .. ويتخلَّفُ عن حضورِ الندوة .
وفي هذه اللحظة..كظمَ الناقدُ غيظَه..وأدركَ أنَّ المِهنة..صارت في مِحنة..

وكان شعورُه يفوقُ الوصف.. وأخذ يضربُ كفًّا بِكف.. وشعرَ أنه من أهلِ الكهف.. وأنه يعيشُ خارجَ الزمن .. لأنه لا يشارِكُ أبناءَ الوطن.. فرحتَهم بهذا النصرِ الكبير .. الذي أسعدَ الجماهير.. لأن هذه المباراةَ المُهمة.. قد حددت بطلَ القِمة.

لقد اختلفت المعايير ..وإن الجماهير.. قد صارت أسيرَة.. لهذه الساحرةِ المستديرة..التي تسحرُ الألباب.. وتستحوذُ على اهتمامِ الشيوخِ والشباب.. وتنالُ الإعجاب..

إن لاعبَ كُرةِ القدم.. صار هو الشخص المُحترم.. وصار هو البطل .. وصارً هو القُدوَة والمَثَل ..الذي ينال الاهتمام .. ويحظى بالاحترام..في كلِّ أجهزة الإعلام..لأنه يُسعِدُ ملايين المشاهدين.. الذين يتابعون أخبارَه في كل حين.

ولكن الشعراء..والنُّقادَ والأدباء.. صاروا مثلَ بائعي الطرابيش..وصار كلٌّ منهم يعيش ..خارجَ حدودِ الزمن..وعليه أن يدفعَ الثمن.. لأن بضاعتهم كاسدة.. وبائرةٌ وراكدة .

 إنَّ الإبداعَ الأدبيَّ لا ينالُ حظَّه من الاهتمام .. لأنَّ أجهزةَ الإعلام..مشغولةٌ في كلِّ حين.. .بمتابعةِ أخبارِ اللاعبين والفنانين.. الذين يعملون في مجالِ الطرب.. فأحدُهما أهدَوْا إليه سيفًا من ذهب .. والآخر أهدَوا إليه إحدى السيارات. ..سعرُها عشرة آلاف من الدولارات..

لقد صرنا نحنُ الشعراء.. والنُقَّاد والأدباء..نعيشُ في بلادنا غُرَباء..ونمارسُ طقوسَ الانتظار.. وننتظرُ لحظةَ الاحتضار..ونحيا في عالمٍ افتراضي..وكلٌّ مِنَّا غيرُ راضِ..بواقعِه الأليم..ولا يعرفُ كيف يتَّخِذُ القرارَ السليم.. ونحن نتألَّمُ مما نعانيه..ونعيشُ في صحراءِ التِّيه.

وهل نحنُ حمقى .. لأننا مازلنا نشقى .. بسبب عشقنِا لمواهبنا..ولماذا صارت الدنيا تعاقبنا.. فهل فقدنا الهويَّة.. لأننا ليس لدينا ميول كُرَوِيَّة؟
وهنا أدرك شهرزاد الصباح.. وسكتت عن الكلام المباح.. واستمرَّت في العويل والنواح.

الرابط المختصر

search