الجمعة، 19 يونيو 2026

10:45 م

علاء البدري يكتب: استعادة الدولة الوطنية من السطو الإيراني وتفكيك الميليشيات المسلحة

الجمعة، 19 يونيو 2026 08:10 م

رئيس التحرير

رئيس التحرير

من واقع القراءة المهنية العميقة للممارسات التوسعية الإيرانية العابرة للحدود، والتي مكنت العاصمة طهران فعلا من فرض السيطرة والنفوذ على دول عربية محددة من خلال حرسها الثوري الذي أسس أذرعا له في العراق ولبنان واليمن تدين بالولاء الأمني لطهران، وبالتبعية العقائدية للمرشد الإيراني. أحاول في هذا المقال تفكيك المشهد الساخن من خلال قراءة ميدانية وبنيوية لما يحدث في بعض عواصمنا العربية، وتحليل عمق الاستراتيجيات الإقليمية، وفتح الملف الأهم كيف تمكنت إيران من اختطاف مقدرات دول عربية بأكملها لتحقيق مصالحها؟ ومن ثم يأتي السؤال الأهم والملح: هل سيأتي اليوم الذي نجد فيه تجمعا عربيا حقيقيا يكون قادرا على حماية الدولة الوطنية ومصالحها ويقوم بتفكيك تلك الميليشيات المسلحة؟.

ولتوضيح الأمر ببساطة للقراء الأعزاء أود الإشارة إلى أن هناك دولا عربية محددة ومعروفة تواجه مأزقا يهدد وجودها، يتمثل في تآكل سيادتها ويهدد مصيرها وسلامة قرارها الوطني لصالح كيانات مسلحة موازية نشأت وتمددت بفعل نظام الملالي الإيراني والحرس الثوري، وذلك على حساب المؤسسات الرسمية والدولة الوطنية.

ولغايات التوثيق والتأكيد كما هو الحال عندما أفتح هذا الملف، أقوم بوضع الدلالات والوثائق والمشاهدات الواقعية على المائدة للتمعن والفحص، حيث تشير وتؤكد التقارير الاستخباراتية الدولية وجود "غرفة عمليات مشتركة" دائمة الانعقاد تجمع قادة الحرس الثوري الإيراني بقادة حزب الله، والحشد الشعبي العراقي، والحوثيين، لإصدار القرارات والخطط العسكرية وتوجيه الأوامر العملياتية، دون الاعتداد أو الالتفات لمصالح أو القرارات الوطنية لتلك الدول.

وبالنسبة للغطاء الدستوري والمؤسسي الذي ترتكز عليه تلك الميليشيات، تمنح المادة 154 من الدستور الإيراني الدولة الإيرانية الغطاء القانوني لدعم ما تسميه "نضال المستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة من العالم"، وهي المادة التي يرتكز عليها التدخل العابر للحدود.

وكذلك الأوامر والمراسيم السيادية للمرشد حيث يتم تعيين قائد "فيلق القدس" بقرار رسمي مباشر من المرشد الأعلى الإيراني، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، ويعد هذا الفيلق الذراع الرسمية التنفيذية المكلفة بإدارة وتمويل وتسليح الميليشيات خارج الحدود الإيرانية.

وبالانتقال إلى مشهد الواقع العربي المؤسف، نجد أن في دول مثل لبنان واليمن والعراق، تبرز تنظيمات وميليشيات عقائدية لا تخفي تبعيتها السياسية والعسكرية، بل تعلن ليل نهار ولاءها المطلق للمرشد الإيراني وانتماءها العقلي والعضوي للعاصمة الإيرانية طهران.

وبتحليل هذا الواقع المؤسف، يتضح بجلاء أن هذا الوجود لم يعد مجرد عائق أمني أو ظاهرة عسكرية مؤقتة يمكن القضاء عليها أو حتى احتواءها، بل تحول بمرور الوقت إلى مشروع أيديولوجي ممنهج تهدف إيران من خلاله إلى اختطاف الدولة الوطنية، وتسخير كافة المقدرات الاقتصادية والسياسية والبشرية لهذه الشعوب العربية لخدمة مصالح التوسع الإقليمي الإيراني.

ولكي نستوعب عزيزي القارئ ونفهم كيفية وصول هذه الدول إلى هذا المنحدر الخطير يتطلب الأمر منا تحليل الآليات التي اتبعتها طهران على مدار عقود لزرع ميليشياتها المسلحة.

لم يكن هذا التأسيس وليد الصدفة، بل جاء نتاج خطط إيرانية طويلة المدى ارتكزت في أساسها على التعبئة العقائدية الطائفية، وعبر تصدير مفاهيم "الثورة الإسلامية" ونظرية "ولاية الفقيه" لربط هذه الجماعات روحياً وسياسياً بمرشد الثورة في إيران، مما جعل الفرد داخل الميليشيا يرى مصلحة طهران مقدمة على مصلحة وطنه وشعبه.

تكامل هذا الشحن العقائدي مع ضخ مالي وعسكري هائل تضمن توفير الأسلحة النوعية مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مما جعل هذه التنظيمات في كثير من الأحيان أقوى تسليحاً وأكثر مرونة من الجيوش الوطنية النظامية نفسها.

ولتمكين مشروع اختطاف الدولة الوطنية لم يقتصر الأمر على الجانب العسكري، بل عمدت طهران إلى بناء شبكات خدمية وصحية وتعليمية موازية تابعة لتلك الميليشيات لملء الفراغ الذي خلفته الحكومات، مما خلق بيئة حاضنة ومجتمعات مغلقة تدين بالولاء والامتنان للميليشيا كجهة مانحة للقمة العيش والأمان، بدلاً من الدولة.

وفي المقابل نجد غفلة وتجاهل من قبل الأنظمة والحكومات في الدول الوطنية المخترقة، التي ساهمت بسبب غياب مؤسساتها في تسهيل هذا التغلغل المدمر دون أن تهتم بخطورته أو تدري أثاره الكارثية.

ويجب أن نعترف أنا وأنت وجميعنا بنجاح طهران الساحق في تمزيق النسيج المجتمعي الواحد، وتغذية خطابات الكراهية وتعزيز ممارسات الفرقة الطائفية والمذهبية، لنجد في النهاية واقعا مشبوها حول فئات واسعة من الشباب إلى وقود إيراني يستخدم تحت الطلب لمعارك عبثية عابرة للحدود.

إن الخلاص من هذا الواقع المرير واستعادة هيبة وسيادة الدولة الوطنية لا يتطلب الأمر فقط خارطة طريق وطنية شاملة وحازمة، بل يتطلب أيضا دعما خارجيا بتكامل مسارات وخطط إقليمية شاملة تتعاون فيها دول المنطقة والمؤسسات الدولية المعنية بإصلاحات بنيوية وخطط تنفذ على أرض الواقع تكون مهمتها الأولى مواجهة السطو الإيراني للدولة الوطنية في العراق ولبنان واليمن.

وفي سياق البحث عن حلول جذرية تخرج المنطقة العربية من هذه الدوامة، تتزايد في الآونة الأخيرة نداءات إقليمية ودولية داعية إلى تأسيس قوة عربية موحدة، تعمل تحت غطاء وطني ودولي مشروع، وتكون مهمتها الأساسية مساندة الدول المخترقة في القضاء على هذه الميليشيات.

ومن وجهة نظري يمكن تقييم وتفسير تلك النداءات الخافتة باعتبارها استجابة موضوعية وتفعيلاً حقيقياً لمفهوم الأمن القومي العربي المشترك، وإدراكاً بأن خطر هذه الأذرع بات يهدد أمن الجوار العربي بأسره وليس فقط الدول المحتلة من قبل تلك الميليشيات.

ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا المقترح، أقول ببساطة أن نجاحه على أرض الواقع العربي سيظل رهنا بكل هذا الحجم الهائل من التحديات اللوجستية والخلافات السياسية العربية العربية، حيث يتطلب الأمر صياغة توافق سياسي عربي يكون قادرا على مواجهة خطط الهيمنة على المستقبل العربي، وبما يمكن الحكومات الوطنية من فرض سيادتها الكاملة على أرضها وشعبها والإنهاء التام لزمن الإملاءات والقرارات الصادرة من طهران.

ويبقى السؤال هل تتمكن الدول العربية من القيام بتلك الضرورة الملحة، أم ستظل الغفلة والخلافات هي السائدة على واقع يستنزف مقدراتنا الأخر تلو الأخر؟!

الرابط المختصر

search