علاء ثابت مسلم يكتب: إنعام الدفرواي.. قيادة تربوية صنعت أثرًا
الأحد، 28 يونيو 2026 07:00 م
علاء ثابت مسلم
علاء ثابت مسلم
تتواصل هذه السلسلة التي أسلط من خلالها الضوء على القيادات التربوية التي تركت بصمات لا تُمحى في مسيرة التعليم، إيمانًا مني بأن المؤسسات العريقة لا يصنع تاريخها الحجر، بل تصنعه العقول والقيادات التي آمنت برسالة التربية قبل التعليم، واعتبرت أن بناء الإنسان هو الإنجاز الحقيقي الذي يبقى بعد زوال المناصب.
وفي هذه الحلقة، أتوقف أمام واحدة من الشخصيات التي ارتبط اسمها بكلية النصر للبنات بالشاطبي، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في مصر، وهي الأستاذة إنعام الدفرواي، مدير عام الكلية سابقًا، التي ما زال اسمها حاضرًا في ذاكرة كثير من المعلمات والطالبات وأولياء الأمور، بوصفها نموذجًا للقيادة التربوية التي تركت أثرًا إنسانيًا قبل أن تترك سجلًا إداريًا.
في عالم التعليم، هناك من يدير مؤسسة، وهناك من يصنع أثرًا يبقى حاضرًا حتى بعد أن يغادر مكتبه بسنوات. وبين هذين النموذجين، تقف القيادات التربوية الحقيقية التي لا تُقاس بمدة بقائها في المنصب، وإنما بما تتركه من قيم راسخة في نفوس المعلمين والطلاب وأولياء الأمور.
وعندما يُذكر اسم الأستاذة إنعام الدفرواي، فإن الحديث لا يدور فقط عن مسؤول تولى إدارة واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية في مصر، بل عن شخصية تربوية ارتبطت في ذاكرة كثيرين بالجدية والالتزام، وبالإيمان بأن التربية هي الأساس الذي يُبنى عليه كل نجاح تعليمي.

ولا أخفي أن حديثي عن الأستاذة إنعام الدفرواي لا ينطلق من روايات الآخرين فحسب، بل من تجربة شخصية عشتها بنفسي. فقد تشرفت بالالتحاق بكلية النصر للبنات بالشاطبي معلمًا للغة العربية عام 2000، وكانت الأستاذة إنعام الدفرواي ضمن لجنة المقابلة والاختبارات. وما زلت أتذكر سؤالها الذي لا يزال عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم: "ستترك الصحافة والإعلام وتلتحق بالتدريس هنا؟" فأجبتها بكل يقين: "أعشق التدريس، وأتشرف بأن يكون داخل هذه المؤسسة التعليمية العريقة." يومها لمست في حديثها هيبة القائد، وجدية المسؤول، وحرص المربي الذي يبحث عن صاحب الرسالة قبل صاحب الوظيفة. وبعد أن اجتزت الاختبارات والتحقت بالكلية، أدركت أن الانطباع الأول لم يكن عابرًا، بل كان انعكاسًا لواقع عشته سنوات داخل المؤسسة؛ حيث وجدت منظومة تُعلي من قيمة الانضباط، وتحترم المعلم، وتؤمن بأن التربية هي الأساس الذي تُبنى عليه العملية التعليمية، وهو ما جعل تلك المرحلة من أكثر المحطات رسوخًا وتأثيرًا في مسيرتي المهنية.
قد ينجح أي مسؤول في تنظيم العمل، وقد يتمكن آخر من تطوير اللوائح، لكن القليل فقط هم الذين يستطيعون أن يتركوا أثرًا في القلوب قبل الملفات، وأن يجعلوا من المؤسسة التعليمية بيتًا للقيم قبل أن تكون قاعات للدراسة.
لقد أثبتت التجارب أن المدرسة التي تهتم بتكوين الإنسان قبل حشو ذاكرته بالمعلومات هي المدرسة القادرة على صناعة المستقبل. وهذا هو الفارق بين الإدارة التقليدية والقيادة التربوية؛ فالإدارة تُنفذ اللوائح، أما القيادة فتصنع ثقافة، وتبني شخصية، وتغرس الانتماء.
وتُعد كلية النصر للبنات بالشاطبي واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية في الإسكندرية، وقد حملت عبر تاريخها رسالة تعليمية وتربوية كبيرة، وهو ما جعل قيادتها مسؤولية تحتاج إلى رؤية وحكمة وخبرة للحفاظ على مكانتها وتاريخها العريق.
وربما تختلف التجارب الشخصية من فرد إلى آخر، لكن ما يبقى ثابتًا هو أن القائد التربوي الذي ينجح في غرس قيم الانضباط والاحترام وحب العلم، يترك أثرًا يتجاوز سنوات عمله، ليظل حاضرًا في ذاكرة كل من تعامل معه.
إن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه أي قائد تربوي هو أن يزرع في نفوس طلابه احترام الوقت، وحب العلم، والانتماء، والالتزام، لأن هذه القيم تبقى مع الإنسان طوال حياته، بينما قد ينسى كثيرًا من المعلومات التي درسها.
ولهذا، فإن استحضار نماذج تربوية مثل الأستاذة إنعام الدفرواي ليس مجرد استرجاع لمرحلة مضت، بل هو دعوة لإعادة الاعتبار للقيادة التربوية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المتفوق، وتؤمن بأن الأخلاق والانضباط والوعي ليست مواد تُدرّس، وإنما ثقافة تُمارس كل يوم داخل المدرسة.
وفي زمن تتغير فيه المناصب سريعًا، يبقى أصحاب الأثر الحقيقي خالدين في ذاكرة الأجيال. فالمناصب تنتهي، والقرارات تُنسى، أما التربية الصادقة، فإنها تظل حاضرة في وجدان كل من مرّ بتجربتها، لتؤكد أن القائد التربوي الحقيقي لا يغادر مدرسته يومًا، لأنه يبقى حاضرًا في القيم التي غرسها، وفي الإنسان الذي أسهم في بنائه.
إن الاحتفاء بالقيادات التربوية ليس احتفاءً بالأشخاص بقدر ما هو احتفاء بالرسالة التي حملوها، وبالقيم التي زرعوها، وبالأثر الذي تركوه في أجيال كاملة. وإذا كانت المؤسسات التعليمية العريقة تُخلِّد أسماء بعض قادتها، فلأنهم أدركوا أن أعظم إنجاز لا يُكتب في التقارير، بل يُكتب في ذاكرة من تعلموا على أيديهم وعملوا معهم. وهذا ما يجعل الأستاذة إنعام الدفرواي واحدة من الشخصيات التربوية التي تستحق أن تُذكر بكل تقدير واحترام ضمن سجل القيادات التي صنعت أثرًا باقٍ في تاريخ التعليم.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
غرفة مواد البناء تطرح رؤية لتطوير القطاع وزيادة الصادرات
27 أغسطس 2026 04:03 م
أسعار الريال السعودي اليوم الخميس في البنوك المصرية
27 أغسطس 2026 02:42 م
آي صاغة: تراجع جديد في أسعار الذهب بالسوق المحلية وسط حالة من الركود
27 أغسطس 2026 01:51 م
الإسكان تعلن منظومة جديدة لتخصيص الأراضي.. ضوابط جديدة لجدية المستثمرين ومرونة في السداد
27 أغسطس 2026 12:38 م
سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الخميس 27 أغسطس.. تحديث جديد
27 أغسطس 2026 12:16 م
الغرف التجارية تطلق «أهلاً مدارس» في مطروح بخصومات تصل إلى 50%
27 أغسطس 2026 11:18 ص
الأكثر قراءة
-
هشام عياد يكتب: قبل أن تتسع العاصفة (٢)
-
من حلوان الأهلية إلى سفير لجامعة ليدن.. محمود خفاجي: أحمل رسالة طالب الطب المصري إلى العالم
-
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف غدا 28 أغسطس 2026م ـ 15 ربيع الأول 1448هـ
-
طلاب بالمعهد التكنولوجي العالي يقدمون مشروع تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم فرق الإسعاف والطوارئ
-
علاء ثابت مسلم يكتب: كبار السن ليسوا عبئًا.. هؤلاء أبطال خاضوا معارك الحياة ولم يستسلموا
-
سماح أنور تحصد جائزة الإبداع والتميز جمهور ونقاد من مهرجان همسة الدولي
-
رسميًا.. توتنهام يعلن ضم عمر مرموش من مانشستر سيتي
-
محمد معروف يدير مباراة الأهلي وزد.. وحسام عزب حكمًا للفار
-
علاء ثابت مسلم يكتب: كبار السن ليسوا عبئًا.. هؤلاء أبطال خاضوا معارك الحياة ولم يستسلموا
-
محمد الشيبي يحصد جائزة أفضل لاعب في مصر من "سوفا سكور" العالمية
أكثر الكلمات انتشاراً