الإثنين، 29 يونيو 2026

06:58 م

رحلة الضوء والظل.. طارق التلمساني بين عدسة الإبداع وفقدان البصر

الإثنين، 29 يونيو 2026 04:19 م

طارق التلمساني

طارق التلمساني

هناك فنانون يتركون بصمتهم بأصواتهم، وآخرون بملامحهم، لكن طارق التلمساني ترك أثره بعينيه، تلك العين التي صنعت واحدة من أجمل الصور في تاريخ السينما المصرية، قبل أن يواجه القدر بتجربة قاسية أفقدته نعمة البصر، لتبقى أعماله شاهدة على موهبة استثنائية لم تنطفئ، حتى وإن غاب عنها الضوء.

رحلة الضوء والظل.. طارق التلمساني بين عدسة الإبداع وفقدان البصر

ولد طارق التلمساني داخل أسرة ارتبط اسمها بتاريخ الفن المصري، فهو نجل مدير التصوير الكبير حسن التلمساني، وابن شقيق المخرج الرائد كامل التلمساني، ورغم أن الانتماء إلى هذه العائلة الفنية كان مصدر فخر، فإنه حمل في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، إذ كان مطالبًا بإثبات نفسه بعيدًا عن أسماء صنعت تاريخها بالفعل، ليؤكد أن نجاحه جاء بموهبته واجتهاده، لا بمجرد انتمائه لعائلة فنية عريقة.

اختار التلمساني أن يبدأ رحلته من خلف الكاميرا، حيث وجد شغفه الحقيقي في صناعة الصورة، وكانت انطلاقته الاحترافية مع فيلم «يوسف وزينب» للمخرج محمد خان، ليبدأ بعدها في رسم أسلوب بصري مميز جعله واحدًا من أبرز مديري التصوير في جيله، بفضل قدرته على توظيف الضوء واللون والزوايا لخدمة الدراما، حتى أصبحت بصمته واضحة في كل عمل يشارك فيه.

وخلال سنوات قليلة، ارتبط اسمه بعدد من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، فكان مدير التصوير وراء أعمال خالدة مثل «المواطن مصري»، و«عرق البلح»، و«أيام السادات»، و«بحب السيما»، وغيرها من الأفلام التي لم تحقق نجاحًا جماهيريًا فقط، بل شكلت علامات بارزة في الذاكرة البصرية للمشاهد المصري والعربي، بفضل رؤيته المختلفة وإحساسه العميق بالصورة.

ولم تتوقف موهبة طارق التلمساني عند إدارة التصوير، إذ قرر خوض تجربة التمثيل، لينجح أيضًا أمام الكاميرا كما نجح خلفها، وتميز بأدائه الهادئ وحضوره المختلف، فقدم شخصيات متنوعة تركت أثرًا لدى الجمهور، وشارك في أعمال سينمائية وتلفزيونية عديدة، من بينها «السلم والثعبان»، و«قضية أمن دولة»، و«استغماية»، إلى جانب عدد من المسلسلات التي أكدت قدرته على تقديم أدوار مركبة بعفوية وإقناع.

كما كان حضوره على الشاشة الصغيرة لافتًا، إذ شارك في أعمال درامية ناجحة مثل «لقاء على الهواء» و«لحظات حرجة»، وقدم شخصيات اتسمت بالهدوء والعمق، مستفيدًا من خبرته الطويلة في قراءة الصورة وفهم تفاصيل المشهد، وهو ما انعكس على أدائه كممثل، ليصبح من الفنانين الذين جمعوا بين الإبداع الفني أمام الكاميرا وخلفها.

لكن رحلة النجاح لم تستمر بالوتيرة نفسها، بعدما تعرض لأزمات صحية متلاحقة في العين، بدأت تؤثر تدريجيًا على قدرته على العمل. ومع مرور الوقت، ازدادت معاناته حتى فقد بصره، في مفارقة إنسانية مؤلمة لفنان كرّس حياته للرؤية وصناعة الصورة، وأصبح مطالبًا بالتأقلم مع واقع جديد بعيدًا عن الكاميرا التي عاش معها أجمل سنوات عمره.

ورغم قسوة التجربة، ظل اسم طارق التلمساني حاضرًا في وجدان الجمهور، لأن الفنان الحقيقي لا يقاس بما يمر به من محن، بل بما يتركه من أثر. فقد رحلت عنه نعمة الإبصار، لكن أعماله لا تزال تنبض بالحياة، وتُعرض حتى اليوم باعتبارها نماذج رفيعة في صناعة الصورة والتمثيل.

ويبقى طارق التلمساني واحدًا من أبرز صناع الصورة في تاريخ السينما المصرية، ورمزًا لفنان آمن بأن الإبداع لا يرتبط بالشهرة وحدها، بل بالشغف والإخلاص للمهنة. فقد غابت عيناه عن رؤية العالم، لكن العالم لا يزال يرى الفن من خلال الأعمال التي صنعها، لتظل حكايته شاهدًا على أن الضوء الحقيقي لا يسكن العين فقط، بل يسكن الموهبة التي لا تنطفئ.

الرابط المختصر

search