خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 17 يوليه 2026م ـ 3 صفر 1448هـ
الثلاثاء، 14 يوليو 2026 09:51 ص
خطبة الجمعة "أرشيفية"
حددت وزارة الأوقاف المصرية، موضوعي خطبة الجمعة القادمة 17 من شهر يوليه 2026م الموافق 3 من شهر صفر 1448هـ، عن “حق الطريق” و"اغتنام الإجازة الصيفية".
وذكرت وزارة الأوقاف أن الهدف من موضوع الخطبة الأولى “حق الطريق” بيان أهمية الوقوف على أبرز معالم حق الطريق في الإسلام، وبيان تطبيقاتها المعاصرة، وآثارها في بناء مجتمع راقٍ تسوده الأخلاق والمسئولية واحترام الحقوق.
وعن موضوع الخطبة الثانية "اغتنام الإجازة الصيفية"، أوضحت الأوقاف أن الإجازة الصيفية فرصة ثمينة لإعادة بناء النفس، وتنمية المواهب، واكتساب المعارف، وتقوية الصلة بالله تعالى، فمن أحسن استثمارها عاد إلى دراسته أو عمله أكثر نشاطًا، وأقوى علمًا، وأرقى خلقًا.
وينشر “المصري الآن” نص الإصدار الثالث والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، للاسترشاد بها في اعداد خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 17 يوليه 2026م ـ 3 صفر 1448هـ كالتالي: “حق الطريق واغتنام الإجازة الصيفية”.
الخطبة الأولى
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فلقد عُنِي الإسلام بحقِّ الطريق عنايةً عظيمة، وجعل المحافظة عليه جزءًا من مكارم الأخلاق وكمال الإيمان؛ لأن الطريق مرفقٌ عام يشترك الناس جميعًا في الانتفاع به، وتظهر فيه حقيقة السلوك الحضاري للمجتمع.
ومن تأمل هدي النبي ﷺ وجد أن الشريعة لم تقتصر على تنظيم العبادات، بل أرست منظومة متكاملة تحفظ للناس أمنهم وكرامتهم وراحتهم في طرقاتهم وأسواقهم ومجالسهم، وحذَّرت من كل ما يؤدي إلى الإضرار بالناس أو الاعتداء على حقوقهم.
وإذا كان واقعنا المعاصر قد أوجد صورًا جديدة للاستفادة من الطرق والمرافق العامة، فإن هدي الإسلام يظل قادرًا على توجيه السلوك الإنساني وترشيده في كل زمان ومكان، ومن هنا تبرز أهمية الوقوف مع أبرز معالم حق الطريق في الإسلام، وبيان تطبيقاتها المعاصرة وآثارها في بناء مجتمع راقٍ تسوده الأخلاق والمسئولية واحترام الحقوق.
مفهوم الطريق في الإسلام
الطريق في اللغة: هو السبيل والمسلك الذي يسلكه الناس للوصول إلى مقاصدهم، أما في الاصطلاح فهو كل موضع أُعدَّ لمرور الناس ووسائل تنقلهم، سواء أكان طريقًا عامًّا، أم شارعًا، أم ممرًّا، أم ساحةً مشتركةً ينتفع بها الجميع.
وقد دلَّ القرآن الكريم على أهمية الطرق واعتبارها من نعم الله تعالى على عباده، فقال سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطا ١٩ لِّتَسۡلُكُوا۟ مِنۡهَا سُبُلا فِجَاجا﴾ [نوح: ١٩-٢٠]، قال الطبري: «يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، مُذَكِّرَهم نِعَمَ رَبِّه: واللهُ جَعَل لكم الأرضَ بساطًا تَسْتَقِرُّون عليها وتَمْتَهِدونها.
وقولُه: ﴿لِّتَسۡلُكُوا۟ مِنۡهَا سُبُلا فِجَاجا﴾، يقولُ: لتَسْلُكوا منها طرقًا شِعابًا متفرقةً. والفِجاجُ جمعُ فجٍّ، وهو الطريقُ». [جامع البيان].
وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلا﴾ [طه: ٥٣]، قال ابن كثير: «مهدا، أي: قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها، ﴿وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلا﴾ أي: جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها» [تفسير القرآن العظيم].
فامتنَّ الله على عباده بتيسير السبل والطرق، وجعلها من أسباب عمارة الأرض واستقرار الحياة.
وإذا كان الشائع من مفهوم الطريق الشوارع التقليدية، فإنه يتسع اليوم ليشمل كل المرافق التي يرتادها الناس ويشتركون في الانتفاع بها، مثل: الطرق السريعة، والكباري، والأنفاق، والأرصفة، وممرات المشاة، ومحطات النقل، والمطارات، والموانئ، ومحطات القطارات ومترو الأنفاق، ومواقف الحافلات، والمراكز التجارية، والحدائق العامة، وساحات المؤسسات والمرافق الخدمية، وكل مكانٍ يجتمع فيه الناس ويكون لهم فيه حق مشترك.
ومن المعاني المعاصرة التي يمكن استلهامها من هدي الإسلام أيضًا ما يُعرف بـ"الطريق الرقمي"، أي: فضاءات التواصل عبر شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛ فهي وإن لم تكن طريقًا بالمعنى الحسي، فإنها أصبحت ميدانًا يلتقي فيه الناس، ويتبادلون فيه الآراء والمعلومات، ومن ثم ينبغي أن تُراعى فيها المقاصد نفسها التي قررتها الشريعة لحقوق الطريق، من كفّ الأذى، واحترام الآخرين، وحفظ الحقوق، واجتناب الإساءة والتنمر ونشر الشائعات.
حق الطريق في القرآن الكريم والسنة النبوية
أرشد القرآن الكريم إلى جملة من الآداب العامة التي تضبط سلوك المسلم في الطرقات، ومن ذلك الأمر بغض البصر، وحفظ الفروج، وصيانة الحياء، فقال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ﴾ [النور: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ یَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
كما نهى عن كل ما يوقع الضرر أو يشيع الفساد بين الناس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]. وهذه التوجيهات القرآنية تؤسس لمجتمع يحترم الحقوق العامة، وفي مقدمتها حق الطريق.
وجاءت السنة النبوية أكثر تفصيلًا وبيانًا لحقوق الطريق، فنهى النبي ﷺ عن الجلوس في الطرقات؛ لما قد يترتب عليه من تضييق على الناس أو انتهاك لحقوقهم، فلما قال الصحابة: ما لنا بدٌّ من مجالسنا، قال ﷺ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». [متفق عليه].
وقد تتبع شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذه الآداب في السنة النبوية فانتهى إلى أنها أربعة عشر أدبا، وهي: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ، وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ، وإغاثةُ الْمَلْهُوفِ، وهدايةُ الضَّالِّ، وإعانة الْمَظْلُوم، وَإفشاء السَّلَام، والإعانة عَلَى الْحَمُولَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا.
المقاصد الشرعية من تشريع حقوق الطريق
حفظ النفس: يأتي حفظ النفس في مقدمة المقاصد التي راعتها الشريعة في حقوق الطريق؛ فكل ما شرعته من آداب وأحكام إنما يرمي إلى حماية الأرواح من الأخطار، ومنع أسباب الحوادث والاعتداءات. ولذلك نهى الإسلام عن كل ما يعرِّض الناس للهلاك أو يسبب لهم الضرر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. ومن هنا كان الالتزام بأنظمة المرور، والمحافظة على المرافق العامة، وكفّ الأذى عن الطرق، واجبًا شرعيًا يحقق هذا المقصد العظيم.
صيانة الكرامة الإنسانية: من مقاصد الشريعة في حقوق الطريق حفظ كرامة الإنسان وصيانة خصوصيته، ولذلك أمر النبي ﷺ بغض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وجعلها من حقوق الطريق، فقال ﷺ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».
فالمسلم مأمور بألا يؤذي غيره بنظرة أو كلمة أو تصرف، وأن يحترم مشاعر الناس وحقوقهم، ليظل الطريق مكانًا تسوده الطمأنينة والاحترام المتبادل.
تحقيق الأمن والاستقرار: فالالتزام بحقوق الطريق يحقق الأمن العام، ويحد من الفوضى والاعتداءات، ويقلل من الحوادث والخسائر، ويجعل الناس يطمئنون على أنفسهم وأموالهم أثناء تنقلهم. ولذلك نهى الإسلام عن كل ما يهدد أمن المجتمع أو يوقع الضرر بالآخرين.
تعزيز التعايش والتراحم بين أفراد المجتمع: الطريق يجمع مختلف فئات المجتمع، ومن ثم فإن حسن التعامل فيه يعكس أخلاق الأمة وقيمها. وقد شرع الإسلام حقوق الطريق لترسيخ معاني التعاون، والإيثار، والرحمة، واحترام الكبير، ومساعدة الضعيف، وإعانة المحتاج، ورد السلام، وإزالة الأذى، وهي أعمال تغرس المحبة بين الناس، وتقوي روابط الأخوة، وتجعل المجتمع أكثر تماسكًا ووئامًا.
المحافظة على المال العام والمرافق المشتركة: ومن المقاصد المهمة كذلك صيانة المرافق العامة من العبث والإتلاف؛ فالطرق، والجسور، والسكك الحديدية، ووسائل النقل، والأرصفة، والإشارات المرورية، كلها أموال عامة ينتفع بها الجميع، والمحافظة عليها من أداء الأمانة التي أمر الله بها، بينما الاعتداء عليها يعد إفسادًا في الأرض وإضرارًا بالمجتمع كله.
إزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان
جعل النبي ﷺ إزالة الأذى عن الطريق عبادةً يؤجر عليها المسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». [متفق عليه].
وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي شَيئًا أَنتَفِعُ بِهِ قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» [رواه مسلم].
وعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَينَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّه لَهُ فغَفَرَ لَهُ» [متفق عليه].
وفي ذلك بيان لعظيم أجر مَن يحافظ على سلامة الطريق ونظافته، قال القاضي عياض: «وقوله في الذي أخّر غصن الشوك عن الطريق: «فَشَكَرَ اللَّه لَهُ فغَفَرَ لَهُ»، أي: أحبه منه ورضي فعله، ثم جازاه عليه. وفيه فضل إماطة الأذى عن الطريق». [إكمال المعلم].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ شَجَرَةً كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ كَانَتْ تُؤْذِيهِمْ، فَأَتَاهَا رَجُلٌ فَعَزَلَهَا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ». [رواه أحمد].
وفي المقابل، شدد الإسلام في التحذير من إيذاء الناس في طرقاتهم، فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رواه مسلم]، فنهى عن كل ما يجلب أذى الناس أو يوقعهم في الضرر، سواء كان أذًى ماديًّا أو معنويًّا، قال الإمام النووي: «اتَّقُوا فِعْلَ اللَّعَّانَيْنِ، أَيْ: صَاحِبَيِ اللَّعْنِ، وَهُمَا: اللَّذَانِ يَلْعَنُهُمَا النَّاسُ فِي الْعَادَةِ». [شرح النووي على مسلم].
من صور الأذى في الوقت المعاصر
مخالفة أنظمة المرور
تُعد مخالفة أنظمة المرور من أبرز صور أذى الطريق في العصر الحاضر؛ إذ إن قوانين المرور لم توضع إلا لحفظ الأرواح، وصيانة الممتلكات، وتنظيم حركة السير، وتحقيق السلامة العامة، والالتزام بها داخل في تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال.
وتتعدد صور هذه المخالفات، فمنها: تجاوز الإشارة الحمراء، والسير عكس الاتجاه، وعدم الالتزام بحارات السير، وتجاهل إشارات عبور المشاة، وعدم احترام حق الأولوية، والقيادة بسرعات تتجاوز الحد المقرر، ولا سيما في المناطق السكنية وأمام المدارس والمستشفيات، واستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة بما يشتت الانتباه، والقيادة تحت تأثير المخدرات أو المسكرات أو الأدوية التي تؤثر في التركيز، فضلًا عن الوقوف في أماكن تعوق حركة السير أو تمنع مرور مركبات الطوارئ.
ولا يقتصر الأذى على هذا فحسب، بل يمتد إلى بعض المشاة الذين يعبرون الطرق من غير الأماكن المخصصة لعبورهم، أو يتجاوزون إشارات المرور، أو يسيرون في الطرق على نحو يعرضهم ويعرض غيرهم للخطر.
وهذه التصرفات كلها تناقض هدي الإسلام في حفظ الحقوق ودفع الضرر، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه]، وقال ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيْدِهِ» [متفق عليه]. وإذا كان المسلم مأمورًا بكف الأذى عن الناس، فإن التسبب في الحوادث أو تعريض الأرواح للخطر بسبب الاستهتار بقواعد المرور من أعظم صور الإضرار بالخلق، وهو منافٍ لحق الطريق الذي أمرت به الشريعة.
رشق القطارات والاعتداء على وسائل النقل
من أخطر صور أذى الطريق في عصرنا رشق القطارات بالحجارة أو غيرها؛ فهو اعتداء على وسيلة نقل عامة ينتفع بها ملايين الناس، ويهدد أمن الركاب وسلامتهم، ويعرِّض أرواحهم للخطر، فضلًا عما يسببه من أضرار بالغة بالمرافق العامة وخسائر اقتصادية تتحملها الدولة والمجتمع.
وتتمثل خطورة هذه الظاهرة في أنها قد تؤدي إلى إصابة الركاب أو العاملين بالقطارات، وقد تفضي إلى وفيات أو حوادث جسيمة، كما تتسبب في تعطيل حركة النقل، وإتلاف النوافذ والمعدات، وإهدار المال العام، وإثارة الخوف والذعر بين المسافرين.
ولا يقتصر الأمر على رشق القطارات، بل يشمل كذلك تخريب إشارات السكك الحديدية، وإلقاء الحجارة أو الأجسام الصلبة على الطرق أو خطوط السكك الحديدية، والعبث بالمرافق والمنشآت الخاصة بالنقل العام.
وهذه الأفعال تناقض تعاليم الإسلام التي حرمت الإضرار بالناس والاعتداء على الممتلكات العامة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجعل النبي ﷺ كفَّ الأذى عن الناس وإزالة أسباب الضرر من شعب الإيمان، فقال: «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».
وتنتشر هذه الظاهرة في بعض البيئات بسبب ضعف الوازع الديني، وقلة الوعي بخطورة هذه الممارسات، وغياب الشعور بحرمة المال العام، واندفاع بعض الشباب وراء سلوكيات طائشة لا يدركون عواقبها.
ومن ثم فإن مواجهتها مسئولية مشتركة تبدأ بالتربية على احترام المرافق العامة، وتعظيم حرمة الدماء والأموال، ونشر الوعي بخطورة هذه الجرائم، وتطبيق الأنظمة الرادعة التي تحفظ أمن المجتمع وتصون أرواح المواطنين.
العبور غير القانوني لخطوط السكك الحديدية
إن العبور غير القانوني لخطوط السكك الحديدية من أخطر صور أذى الطريق في العصر الحاضر؛ إذ يتجاوز بعض الأشخاص المزلقانات الرسمية، أو يعبرون القضبان من أماكن غير مخصصة للعبور اختصارًا للوقت، أو تهاونًا بخطورة الأمر، فيعرّضون أنفسهم والآخرين للهلاك، ويتسببون في وقوع حوادث مأساوية كان يمكن تلافيها بالالتزام بالأنظمة والتعليمات.
ولا يقتصر ضرر هذا السلوك على من يقوم به، بل يمتد إلى ركاب القطارات، وسائقيها، والعاملين بها، وقد يؤدي إلى تعطيل حركة القطارات، وإلحاق خسائر مادية جسيمة بالمرافق العامة، فضلًا عما يتركه من آثار نفسية واجتماعية مؤلمة.
وقد نهى الإسلام عن كل ما يؤدي إلى إهلاك النفس أو الإضرار بالآخرين، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
ومن ثم فإن الالتزام بالعبور من المزلقانات والمعابر المخصصة واجب شرعي وأخلاقي يحقق مقصد الشريعة في حفظ النفس، ويصون الأرواح، ويحفظ حق الطريق، ويعكس وعيًا حضاريًّا ومسئوليةً تجاه المجتمع.
الاعتداء على مرافق السكك الحديدية بالسرقة
يُعدُّ الاعتداء على مرافق السكك الحديدية بالسرقة أو التخريب من أخطر صور أذى الطريق؛ لأنه لا يقتصر على الاعتداء على المال العام، بل يمتد أثره إلى تعريض أرواح المواطنين للخطر، وتهديد أمن وسائل النقل، وإفساد أحد أهم المرافق التي تقوم عليها مصالح الناس.
ومن صور ذلك: سرقة قضبان السكك الحديدية، أو الكابلات الكهربائية، أو أجهزة الإشارات والتحكم، أو العبث بالمعدات والمنشآت التابعة لها، وهي أفعال قد تؤدي إلى تعطل حركة القطارات، أو وقوع حوادث مروعة، وما يترتب عليها من إصابات ووفيات وخسائر مادية جسيمة.
وقد شدد الإسلام في تحريم الاعتداء على الأموال والمرافق العامة، وعدَّ ذلك من الإفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [القصص: ٧٧]. فكل تصرف يفضي إلى الإضرار بالناس أو تعريض حياتهم للخطر داخل في دائرة التحريم.
حرقُ المخلفاتِ والنفاياتِ قرب الطرق
يُعدُّ إشعال الحرائق في القش، أو المخلفات الزراعية، أو النفايات، أو غيرها بالقرب من الطرق العامة والسكك الحديدية من صور أذى الطريق التي يترتب عليها أضرار جسيمة؛ لما تسببه من تصاعد الأدخنة الكثيفة التي تحجب الرؤية عن قائدي المركبات والقطارات، فتزيد من احتمالات وقوع الحوادث، فضلًا عما ينتج عنها من أضرار بيئية وصحية.
وقد شهدت بعض المناطق حوادث مأساوية كان سببها انخفاض مستوى الرؤية نتيجة حرق المخلفات الزراعية أو القمامة بجوار الطرق، مما أدى إلى تصادم المركبات وتعطيل حركة السير، وتعريض أرواح الأبرياء للخطر.
وهذا السلوك يتنافى مع تعاليم الإسلام التي نهت عن كل ما يوقع الضرر بالناس أو يهدد أمنهم، كما جعلت إزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، فكيف بمن يتسبب في إيجاد الأذى وتعريض الناس للهلاك؟!
صور أخرى من أذى الطريق في العصر الحاضر
ومن صور أذى الطريق التي نهت عنها الشريعة الإسلامية كلُّ سلوك يترتب عليه إلحاق الضرر بالمارة، أو تعطيل مصالحهم، أو تعريض حياتهم للخطر.
ومن ذلك: التسابق بالسيارات أو الدراجات في الطرق العامة؛ لما يترتب عليه من تهور، وإزهاق للأرواح، وإتلاف للممتلكات، وإلقاء علب المشروبات والنفايات وأكياس القمامة ومخلفات البناء في الطرق، مما يشوّه المظهر العام، ويؤذي المارة، ويعوق حركة السير.
ومن ذلك أيضًا: تعمد استعمال آلات التنبيه أو مكبرات الصوت بغير حاجة، بما يسبب الإزعاج للسكان والمارة، والوقوف بالمركبات في الأماكن الممنوعة أو فوق الأرصفة وممرات المشاة، بما يؤدي إلى تعطيل حركة السير والاعتداء على حقوق الآخرين.
كما يدخل في أذى الطريق: اتخاذ الطرق والساحات العامة ملاعب للشباب في غير الأماكن المخصصة لذلك، أو الوقوف في وسط الطرقات للتجمع والحديث من غير حاجة، فيترتب على ذلك تضييق الطريق وإعاقة حركة المارة والمركبات.
ومن صور الأذى كذلك: اصطحاب الحيوانات المؤذية أو الشرسة في الطرق العامة دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة، أو تركها تقضي حاجتها في الطرق والأرصفة دون تنظيفها؛ لما في ذلك من إيذاء للناس وإلحاق الضرر بهم.
أهم الإجراءات لترسيخ احترام حق الطريق في حياة المسلم
استشعار مراقبة الله تعالى: فالمسلم يستحضر أن التزامه بحقوق الطريق عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وأن كل أذى يلحقه بالناس محاسب عليه، قال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨].
الالتزام بآداب الطريق التي أرشد إليها النبي ﷺ: وذلك بغض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، امتثالًا لقوله ﷺ: «فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ».
الالتزام بقوانين وأنظمة المرور: فاحترام الإشارات المرورية، والسرعات المحددة، وحقوق المشاة، والعبور من الأماكن المخصصة، وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة، كلها وسائل تحقق مقصود الشريعة في حفظ الأنفس والأموال.
المحافظة على المرافق العامة: وذلك بعدم إلقاء القمامة في الطرق، أو إتلاف الأرصفة والإشارات، أو العبث بالسكك الحديدية ووسائل النقل، أو إشغال الطريق بما يضر المارة، فالمرافق العامة أمانة يشترك الناس جميعًا في الانتفاع بها.
إزالة الأذى عن الطريق: وذلك برفع ما يؤذي المارة، أو تبليغ الجهات المختصة بأي خطر يهدد سلامة الطريق، اقتداءً بالنبي ﷺ الذي جعل إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان.
ترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية: فحق الطريق ليس مسئولية رجال المرور أو الجهات التنفيذية فحسب، بل هو مسئولية كل فرد؛ فكل مسلم راعٍ في موقعه، ومطالب بالمساهمة في حفظ أمن الطريق وسلامته..
عنوان الخطبة الثانية
اغتنام الإجازة الصيفية
الإجازة الصيفية فرصة ثمينة لإعادة بناء النفس، وتنمية المواهب، واكتساب المعارف، وتقوية الصلة بالله تعالى، فمن أحسن استثمارها عاد إلى دراسته أو عمله أكثر نشاطًا، وأقوى علمًا، وأرقى خلقًا.
ومن أهم الوسائل العملية لاستثمارها:
أولًا: وضع خطة واضحة للإجازة
ينبغي أن يبدأ الوالدان الإجازة بتحديد أهداف واضحة ينجزها الأولاد، وترتيب أولوياتهم، وتقسيم أوقاتهم بين العبادة، وطلب العلم، وتنمية المهارات، والراحة المباحة، حتى لا تضيع الأيام في الفراغ والعشوائية.
ثانيًا: تعمير الوقت بما ينفع في الدين والدنيا
يُستثمر وقت الفراغ في كل عمل يعود بالنفع على الأولاد، في دينهم أو دنياهم، امتثالًا لقول النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم].
ثالثًا: العناية بالقرآن الكريم والعبادات
تُعد الإجازة فرصة مناسبة للإقبال على القرآن الكريم حفظًا، وتلاوةً، وتدبرًا، مع المحافظة على الصلوات في أوقاتها، ولا سيما صلاة الجماعة في المسجد، والإكثار من الأذكار والطاعات.
رابعًا: تنمية العلم والمهارات
ينبغي للأسرة استثمار الإجازة في تعويد الأبناء على قراءة الكتب النافعة في السيرة النبوية، والتاريخ، والثقافة الإسلامية، واللغة العربية، وغيرها، والالتحاق بالدورات التدريبية في اللغات، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الحياتية، كلٌّ بحسب ميوله وقدراته.
خامسًا: العناية بالصحة البدنية والنفسية
ومن حسن استثمار الإجازة المحافظة على ممارسة الرياضة بانتظام، والاهتمام بالغذاء الصحي، وتنظيم أوقات النوم، لأن العقل السليم يحتاج إلى جسم سليم.
سادسًا: تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية
تُغتنم الإجازة في صلة الأرحام، وزيارة الأقارب، وبر الوالدين، ومساعدتهما في شؤون المنزل أو العمل، فذلك من أعظم القربات وأجلِّ صور الإحسان.
سابعًا: الترويح المباح بضوابطه الشرعية
لا يمنع الإسلام من الترفيه المباح، بل يجعله وسيلة لتجديد النشاط، شريطة أن يكون في حدود الأدب والشرع، مع تجنب الاختلاط المحرم، والخلوة، والمزاح غير المنضبط، وكل ما يخدش الحياء أو يوقع في المخالفات الشرعية.
ثامنًا: الحذر من مضيعات الوقت
ومن أخطر ما يهدد الإجازة الإفراط في استخدام الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى تستغرق الساعات دون فائدة، وربما جرَّت إلى أضرار دينية، وفكرية، وصحية، واجتماعية؛ فالواجب ترشيد استخدامها، وجعلها وسيلة نافعة لا غاية تستنزف العمر.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
تحديث سعر اليورو اليوم الإثنين 13 يوليو 2026 في البنوك المصرية
13 يوليو 2026 05:00 م
الأكثر قراءة
-
السيد الطنطاوي يكتب: الإنسان الذكي وكيفية ترشيد استخدام هاتفه الذكي؟!!
-
علاء ثابت مسلم يكتب: متى يشعر المعلم المغترب بثمار الرقمنة
-
وزير التعليم: 100مدرسة تكنولوجيا تطبيقية جديدة في العام الدراسي المقبل
-
خاص.. الأهلي يجدد مفاوضاته مع إبراهيم دياباتي.. واتفاق مبدئي على راتب 1.5 مليون دولار
-
طلاب معهد الألسن العالي بمدينة نصر يطلقون مشروع لتشغيل رحلات البالون الطائر بالأقصر
-
خاص.. الأهلي يجدد مفاوضاته مع إبراهيم دياباتي.. واتفاق مبدئي على راتب 1.5 مليون دولار
-
خاص | الموسم الجديد.. أزمة المستحقات تقلق الزمالك وتحرك عاجل من الإدارة
-
إيراولا يكشف خطة ليفربول في الميركاتو: نحتاج إلى المزيد من الصفقات
-
هيرفي رينارد يدخل سباق تدريب السنغال.. وفييرا يتصدر الترشيحات لخلافة بابي ثياو
-
عمر الساعي ينهي إجراءات السفر وينضم إلى بعثة الأهلي المتجهة إلى إسبانيا
-
علاء ثابت مسلم يكتب: متى يشعر المعلم المغترب بثمار الرقمنة
-
تموين البحيرة: ضبط مصنع منظفات غير مرخص بدمنهور
-
الاتحاد السكندري يتحرك لحسم صفقات جديدة.. أوجو على الطاولة ومفاوضات لتدعيم أكثر من مركز
-
الأرصاد: طقس حار رطب على أغلب الأنحاءاليوم الثلاثاء
-
خاص.. الأهلي يجدد مفاوضاته مع إبراهيم دياباتي.. واتفاق مبدئي على راتب 1.5 مليون دولار
أكثر الكلمات انتشاراً