الأربعاء، 05 أغسطس 2026

08:37 م

باسم عوض الله يكتب: لا يوجد حُب من أول نظرة..!

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 06:44 م

باسم عوض الله

باسم عوض الله

اعتادت معظم شعوب الأرض منذ بدء الخليقة أن يُسْهِبوا بوصف أول نظرة بين اثنين تحمل إعجابًا أو استلطاف بأنها حب، حتى أنهم يؤكدون نظريتهم وينسجون من خيالهم بأن تلك النظرة أو النظرات قد تلاها تبادلًا لمشاعر وأحاسيس متوهجة بحرارة الوصال، فيصبحون مطمئنين إلى أن ذلك حب، وشَتَّان بين ذاك وذلك.

يا أحبتي الكرام إن الحب ليس بكلمة سائغة حتى تصاغ كيفما شئنا فنضعها في الإطار الذي يروق لنا والمشهد الذي يحلو أمامنا، فدعونا أولا نَصِف بشكل يسير ماهية النظرات والانفعالات التي أَهَلَّت منذ أول لقاء.

إن النظرات والانفعالات ما هي إلا نتاجٌ حتميٌّ لأمور ومسببات عديدة؛ منها بالطبع وعلى رأسها توافق وتلائم الأرواح -وما أدرانا برسائل توافق الأرواح-، وأيضا الارتياح والانسجام العام بسبب استحسان جمال وحُسن الخِلقة والطَلَّة، هذا وبالإضافة إلى الإنجذاب البشري الطبيعي بين الذكر والأنثى. لكن في واقع الأمر إن النظرة الأولى لا يمكن أن تَرْقى إلى مقام الحب السامي؛ لأن الحب هو ثمرة الأيام والسنين المليئة بالأحداث والجَمال والتحديات والصعاب والشدائد إلخ من أوجه ومشاهد الحياة اليومية المتعددة والمتقلبة بين الليل والنهار.

وعلى سبيل المثال هل نستطيع أن نُعدّ وجبة طعام بسيطة بمجرد التفكير فيها أو النظر إليها بشاشة الهاتف المحمول؟! بالطبع لا، فنحن لسنا بِسَحَرَةٍ. فمن الطبيعي أن يأخذ كل أمر من أمور الحياة مراحله وتطوره الطبيعي والواقعي ومراحل إجراءه، وذلك جَلِيٌّ لنا بآيات القرآن الكريم فيما يخص بمراحل بَدء الخليقة وخلق الكون.

وجدير بالذكر أن أصحاب القلوب الشفافة والأحاسيس الصادقة الذين يتلقون رسائل السماء القدسية دون أن يدركوا أبعادها، هم أناسٌ مغمورون باليقين. حيث تقوم قلوبهم باستقبال تلك الرسائل، ثم تأتي أرواحهم لتَفُكّ شفرتها وتترجمها إلى هاتف أو إشارة إلخ من أدوات وصال الصالحين، التي يُنعم بها رب السماوات والأرض على من يصطفيهم من عباده المؤمنين المتقين، وحينها يُقْدِمون على القفز في بحر الهوى، الذي أرسل مَوْجَة غرام التفَّت حول قلبين كُتب لهما اللقاء كي يصبحا قلبًا واحدًا.

لذلك يا أحبتي -ومع كامل احترامي لأية استثناءات بشرية- فالحب لا يأتي إلا بعد عدة سنوات من الزواج، أما السنين المنقضية في تبادل المشاعر المتخفية الساعية لطريق الحب، ثم المراحل الرسمية التي تليها بدء من الخطوبة مرورًا بكل إجراءات الزواج وصولًا إلى إغلاق باب الزوجية، ما إلا فترة دراسية شديدة الحساسية؛ حيث تتطلب تركيزًا فائقًا ونباهة وحصافة، كي يتم أخذ كافة الملاحظات من كلا الطرفين عن بعضهما البعض، ومن ثم يتم تحليل وتقييم تلك الملاحظات، التي نتجت من مواقف واضحة وأخرى خفيَّة ومعاملات يومية واتصالات إلخ من كافة أركان الحياة المشتركة بين الطرفين، حتى يتم البتّ المنطقي والحكيم من أجل إتمام تلك الزيجة من عدمه.

الحب هو صفحات الأيام بنهارها وليلها التي تنطوي فوق بعضها البعض يومًا بعد يوم، حتى تُسَطَّر أسطورة الأرواح العليَّة بالسماء البهيَّة، والتي أمَرَ رب العرش العظيم أن تهبط على تراب الأرض كي تحفر بصماتها الغائرة بكل من يرى أو يسمع صوت أو يجالس أو يسمع عن أصحابها.

فالحب نتاج مواجهة مُعْتَرَك الحياة دون أيَّة رتوش أو دفاعات، الحب هو ثمرة بذرة تشاركا الشريكين بزرعها، فقاما بسقيها صدقًا وصبرًا وأُلفة ومودة ويقين ورحمة والتحامًا وجبرًا للخواطر إلخ من زهور بساتين الصفات الإنسانية السامية النبيلة.

الحب هو أن تتركوا لخيالكم العنان ولو لبرهة من الزمن ليحلّ مشهد إصابة أحد الزوجان أو كلاهما بشيء من الحزن أو الكدر أو المرض، أو لتتسلل -لا قدر الله- فاجعة الفقدان وإن كان بالبُعد أو الانتقال، حتى يعلم كل طرف أين موضع الآخر من قلبه وروحه. فإن شعر إحداهما أو كلاهما بالرَّاحة وعدم الاكتراث، حينها تنسدل الحجب بأن ليست هناك ذرة حب بينهما.

أما إن خفق القلب فزعًا واستعاذ الشخص بالله عز وجل من تلك الأفكار العابرة، وهرول داعيًا رب السماوات والأرض بأن يحفظ له شريك/ة العمر وحبيب/ة القلب والروح، حينها يصبح الحبيبان متوجَّان بعرش صاحب الجلالة الحب.

الرابط المختصر

search