خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 14 أغسطس 2026م ـ 1 ربيع الأول 1448هـ
الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 10:48 ص
وزارة الأوقاف
حددت وزارة الأوقاف المصرية، موضوعي خطبة الجمعة القادمة بتاريخ 14 أغسطس 2026م الموافق الأول من ربيع الأول 1448هـ، مشيرة إلى أن الخطبة الأولى ستكون بعنوان “الإحسان إلى المحتاجين.. بين صدق العبودية وجمال السلوك”، وأما الخطبة الثانية فهي بعنوان “احرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور أخيك المحتاج”.
وأكدت أن الهدف: المراد توصيله لجمهور المصلين، هو تصحيح السلوكيات الخاطئة في تقديم المساعدات المجتمعية، ومنها: التشهير بالمحتاج أو المن عليه أو إيذاء مشاعره، وبيان أن الإحسان الحقيقي يكون بحفظ كرامة الإنسان.
وقد نشرت وزارة الأوقاف على موقعها الرسمي نص االإصدار السابع والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء “الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك” ليستنير به الأئمة والخطباء في تجهيز خطبة الجمعة القادمة، كالتالي:
الخطبة الأولى
الإحسان إلى المحتاجين.. بين صدق العبودية وجمال السلوك
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فالإحسان مقام إيماني رفيع، وقيمة إسلامية عظيمة، وغاية من غايات العبودية، ومنهج حياة يزكي النفس، ويرتقي بالفرد، ويقوّي روابط المجتمع، ويشيع فيه الرحمة والتكافل والسلام، وهو في الإسلام، بالإضافة إلى كونه خُلُقًا محمودًا، روحٌ تسري في سائر مكارم الأخلاق، وصورةٌ عمليةٌ لمعاني الرحمة والتراحم والتعاون، حتى يغدو المجتمع أكثر تماسكًا، والنفوس أكثر طمأنينة، والعلاقات الإنسانية أصفى وأرحب.
وفي مقدمة هذه المعاني يأتي الإحسان إلى المحتاجين؛ إذ لا يقف عند حدود قضاء الحاجة وسدِّ الخلة، وإنما يتجاوز ذلك إلى جبر الخاطر، وحفظ الكرامة، وإغاثة الملهوف، وإشاعة الرحمة بين الناس، وقد أرست الشريعة في هذا الباب منهجًا متكاملًا، لم تقتصر فيه على الحث على البذل والعطاء، بل أحاطته بجملة من الآداب والضوابط التي تصون أثرَه وتحفظ للمحتاج إنسانيته؛ وإليك بيان ذلك:
القرآن الكريم وتعزيز الإحسان إلى الفقراء
أكد القرآن أن بذل المال، مع الحب له، أحد ألوان البر التي يتقرب بها العبد إلى مولاه تبارك وتعالى، قال تعالى: {وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ} [البقرة: ١٧٧]، قال ابن كثير: أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر..." [تفسير القرآن العظيم].
وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٦١]، قال الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي: "والمعنى: مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، أى: في طاعته، كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة، أصابها الغيث، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
فأنت ترى أن الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التي يبذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم، بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، وفي كل سنبلة مائة حبة، وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإنفاق في وجوه الخير، ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله" [التفسير الوسيط].
وقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥]، قال الزمخشري: " والمعنى: النهى عن ترك الإنفاق في سبيل اللَّه لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله..." [الكشاف].
وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: ٢٤٥]، قال الطبري: "من هذا الذي ينفق في سبيل الله ..، وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه، وإنما سماه الله تعالى ذكره"قرضا"، لأن معنى"القرض" إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه"قرضا"، إذ كان معنى"القرض" في لغة العرب ما وصفنا.
وإنما جعله تعالى ذكره "حسنا"، لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه وحثه له عليه، احتسابا منه" [جامع البيان].
وقال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: ١٥]، قال الماوردي: "فيه وجهان: أحدهما: أنها الزكاة ، قاله ابن سيرين وقتادة وابن أبي مريم. الثاني: أنه حق سوى الزكاة تصل له رحماً أو تقري به ضيفاً أو تحمل به كلاًّ أو تغني به محروماً ، قاله ابن عباس" [النكت والعيون].
والآيات في ذلك كثيرة.
السنة النبوية وتعزيز الإحسان إلى الفقراء
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ). [رواه البخاري] قال الكوراني: "حثٌّ على الإنفاق، وتنفير من الإمساك، وكلام المحققين من المشايخ: أن يكون المتوكل بما عند الله أوثق بما في يده" [الكوثر الجاري].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، وَأَحْسِبُهُ قالَ - يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ -: «كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ»، قال القاضي عياض: "فى هذا الحديث فضل ما للساعى لقوام عيشه وعيش مَنْ يقوم به وابتغاء فضل الله الذى به قوام بدنه لعبادة ربه، وقوام مَنْ يمونه ويستر عوراتهم وأجر نفقاتهم أنه كالمجاهد، وكالصائم القائم، وذلك أنه فى كل تصرف له فى ذلك فى طاعة ربه وامتثال أمره" [إكمال المعلم].
وعن أبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ» قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» [رواه الترمذي].
وعَن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ؛ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثَبِّتَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ» [رواه الطبراني].
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا}، قال أبو الدحداح الأنصاري يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فتناول يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، قال وحائطه فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح: فقالت: لبيك، فقال اخرجي فقد أقرضته ربي [رواه البيهقي]. والأحاديث في ذلك كثيرة.
الحكمة الإلهية من التفاوت الإنساني وواجب التكافل
لم يجعل الله الناس على درجة واحدة من القوة والقدرة والمال، وإنما اقتضت حكمته أن يتفاوتوا في المواهب والأرزاق والطاقات؛ ليقوم عمران الحياة على التعاون وتبادل المنافع، وليكون هذا التفاوت ميدانًا للابتلاء والمسؤولية، لا ذريعةً للتعالي والظلم، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: ١٦٥].
فلم يكن التفاوت في المال والقوة والقدرة دليلًا على كرامة إنسان بذاته أو هوان آخر، وإنما هو اختبار للطرفين؛ فالغني ممتحن فيما أوتي: هل يشكر نعمة الله ويؤدي حقها؟ والفقير ممتحن في صبره وسعيه وحفظ كرامته.
وقال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: ٣٢]، أي ليَستخدم بعضهم بعضًا في مصالح الحياة، فتنتظم شؤون الناس بالتعاون وتبادل الخبرات والمنافع، لا أن يتخذ بعضهم تفاوتهم وسيلةً لإذلال بعض.
وفي هذا التكافل وضحت السنة النبوية موقف المؤمن من أخيه المؤمن فقيرا كان أو غنيًّا، ضعيفًا أو قويًّا؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ؛ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ" [رواه البخاري].
قال ابن بطال: " تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا فى أمور الدنيا والآخرة مندوب إليه بهذا الحديث، وذلك من مكارم الأخلاق، وقد جاء فى حديث آخر عن النبى صلى الله عليه وسلم: (الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه)، فينبغى للمؤمنين استعمال آدب نبيهم والاقتداء بما وصف المؤمنين بعضهم لبعض من الشفقة والنصيحة، وتشبيكه بين أصابعه تاكيدًا لقوله وتمثيلا لهم كيف يكونون فيما خولهم من ذلك" [شرح صحيح البخاري].
التأسيس الأخلاقي والمنظومة التشريعية للإحسان
يقوم الإحسان في التصور الإسلامي على بناء الإنسان من داخله، ثم تنظيم علاقاته بالآخرين من خلال منظومة متكاملة من القيم والأحكام؛ فلا يكتفي الإسلام بأن يجعل الرحمة خلقًا محمودًا، وإنما يحولها إلى سلوك اجتماعي، وواجب شرعي، ونظام تكافلي يحفظ للإنسان كرامته ويصون المجتمع من التفكك والأنانية، وذلك من خلال المعالم التالية:
أولًا: البناء الأخلاقي لمجتمع الإحسان
جعل الإسلام الرحمة والعطف وبذل المعروف وإغاثة الملهوف من دعائم المجتمع المتماسك، وربط قوة الإيمان بحسن معاملة الخلق؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وقال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه مسلم].
فالمجتمع المسلم لا يقوم على المصالح المجردة، وإنما على التراحم والتعاطف والتكافل؛ إذ يشعر القوي بمسؤوليته تجاه الضعيف، والغني بحاجة الفقير، والقادر بمعاناة العاجز. وهذا ما عبّر عنه الإمام الغزالي في حديثه عن التعاون بين الناس، إذ قرر أن انتظام معاشهم لا يستقيم إلا بالتآلف والتعاون وقضاء الحاجات [إحياء علوم الدين].
ثانيًا: التشريع الاقتصادي للإحسان
أقام الإسلام بناءً تشريعيًا يضمن استمرار الخير والإحسان في المجتمع؛ فمنه ما أوجبه الشرع، كالزكاة والنفقات الواجبة، ومنه ما ندب إليه ورغّب فيه، كالصدقة والوقف والهبة والهدية والإطعام وسائر وجوه البر.
قال تعالى في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال سبحانه في الإنفاق: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].
وهكذا جمع التشريع الإسلامي بين الإلزام القانوني والتحفيز الأخلاقي؛ فأوجب قدرًا لا يجوز التفريط فيه، وفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة للتطوع والبذل، حتى لا يقف التكافل عند الحد الأدنى من الواجبات.
ومن هنا تظهر حكمة تنوع أبواب الإحسان: فالزكاة تحقق حقًا ماليًا مفروضًا، والنفقة تحفظ من تلزم الإنسان رعايتهم، والوقف يضمن دوام النفع، والصدقة تسد الحاجات الطارئة، والهبة والهدية تقوي روابط المودة، وبذلك يتحول المال من وسيلة للاستئثار إلى أداة للبناء الاجتماعي وتحقيق الرحمة.
ثالثًا: مكانة حق الفقير في المال
بلغ اهتمام الإسلام بحقوق المحتاجين أن جعل الزكاة من أعظم الفرائض وأبرز معالم العبادة المالية، وقرنها بالعبادة البدنية في مواضع كثيرة من القرآن، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ولما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال له: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [رواه البخاري]، وهذا الحديث يكشف بوضوح أن الزكاة ليست تفضلًا من الغني على الفقير، وإنما حق شرعي مقرر، يؤخذ من الأغنياء ويرد إلى مستحقيه.
رابعًا: الإحسان يتجاوز أداء الحق إلى صناعة المعروف
ومع أن الزكاة تمثل حدًّا واجبًا من التكافل، فإن الإسلام لم يجعل علاقة الإنسان بالمحتاج محصورة في أداء الفريضة؛ بل فتح له أبوابًا أوسع من الإحسان، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ... وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فالإحسان هنا يتدرج من الواجب إلى الفضل، ومن أداء الحق إلى صناعة المعروف، حتى يصبح البذل ثقافة مجتمعية لا مجرد استجابة موسمية لحاجة طارئة.
التوسعة في الأعياد والمناسبات وتأكيد معنى الإحسان
جعل الإسلام الأعياد مواسم للفرح، تتسع فيها دائرة الإحسان، وتمتد فيها يد العطاء إلى المحتاجين؛ حتى لا يبقى الفرح حكرًا على القادرين، ولا يشعر الفقير بالعزلة أو الحرمان في أيام يفترض أن تسود فيها مشاعر السرور والمودة. ومن هنا جاءت جملة من التشريعات التي تجعل التوسعة على الفقراء جزءًا من المعنى الاجتماعي للعيد، كزكاة الفطر التي شرعت لتكون طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين» [رواه أبو داود].
وكذلك الأضحية والهدي، فقد شرع الله تعالى الهدي للحاج، والأضحية لغير الحاج، وربط بين الذبح والتقوى والإطعام، فقال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، ثم قال سبحانه في شأن الهدي: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
فالأضحية عبادة تجمع بين التقرب إلى الله، وشكر نعمته، وإطعام الناس، وإدخال السرور على المحتاجين.
الاستدامة والتطوير المعاصر لمفهوم الإحسان
الأصل في الإحسان أن يكون منهجًا مستمرًّا في حياة الفرد والمجتمع، يتطور بتطور حاجات الناس، ويستفيد من الوسائل الحديثة في تحقيق مقاصده، فالإسلام أسس للإحسان باعتباره قيمة متجددة، تتسع صورها باتساع حاجات الإنسان، وتتنوع وسائلها بتنوع الظروف والأحوال، على النحو التالي:
أولًا: استدامة الإحسان طوال العام
الإحسان في الإسلام خلق متصل وسلوك دائم، قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال سبحانه في وصف أهل البر: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
ومن ثم فإن التوسعة على الفقراء ينبغي أن تكون مستمرة غير مرتبطة بموسم، فحاجة الفقير إلى الطعام والكساء والعلاج لا تتوقف بانقضاء الموسم، ولذلك يمكن تحويل الإحسان إلى برامج مستدامة، ككفالة الأسر، وتوفير السلال الغذائية بصورة دورية، وإنشاء مشروعات الوقف الخيري، ودعم الأسر المنتجة، بحيث ينتقل المجتمع من معالجة الحاجة الآنية إلى بناء أسباب الكفاية والاستغناء.
ثانيًا: الاستفادة من التنظيم والإدارة الحديثة
اتساع المجتمعات وتشعب احتياجاتها يجعل الإحسان في حاجة إلى تنظيم مؤسسي يضمن وصوله إلى مستحقيه، ويحفظ الأموال من الهدر، ويحقق أعلى قدر من النفع. ومن هنا تأتي أهمية دعم المؤسسات والجمعيات الموثوقة، والعاملين في مجال الرعاية الاجتماعية، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة بواقع الفئات المحتاجة وأولوياتها.
وهذا لا يتعارض مع روح الإحسان، بل يحقق مقصده على نحو أدق؛ إذ إن الشريعة تجمع بين سلامة القصد وصواب العمل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
فمن مقتضى الأمانة أن تعرف المؤسسات من يحتاج؟ وماذا يحتاج؟ ومتى يحتاج؟ وكيف تصل إليه المساعدة بما يحفظ كرامته؟ وبذلك ينتقل العمل الخيري من مجرد المبادرات المتفرقة إلى منظومة قائمة على التخطيط، وحصر الاحتياجات، وترتيب الأولويات، والمتابعة والتقييم.
ثالثًا: توسيع مفهوم الإحسان من الطعام إلى حفظ الضرورات
إذا كان الطعام من أهم الضرورات التي لا تستقيم الحياة بدونها، فإن حاجة الإنسان لا تقف عند الغذاء؛ فقد يكون الفقير شبعانًا لكنه عاجز عن شراء دوائه، أو قادرًا على الطعام لكنه لا يستطيع تحمل نفقات العلاج. ومن هنا فإن مفهوم الإحسان ينبغي أن يتسع ليشمل كل ما تتوقف عليه حياة الإنسان وكرامته وسلامته.
ويأتي الدواء في مقدمة هذه الاحتياجات؛ لاتصاله المباشر بمقصد حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الكلية للشريعة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وعليه، فإن من صور الإحسان المعاصرة: توفير الأدوية للمرضى غير القادرين، والمساهمة في تكاليف العلاج والعمليات، وإنشاء صناديق للرعاية الصحية، وتوفير المستلزمات الطبية الأساسية، ولا سيما للفئات الأشد حاجة.
رابعًا: من سد الحاجة إلى صناعة الكفاية
والإحسان الأكمل لا يقتصر على إطعام المحتاج في يومه، وإنما يسعى إلى إزالة أسباب حاجته متى أمكن؛ فيكون من الإحسان أن توفر له الغذاء، ومن الإحسان الأعمق أن تساعده على امتلاك وسيلة الكسب والعمل، وقد أرشد النبي ﷺ رجلًا محتاجًا إلى العمل، فقال له: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ» [رواه أبو داود].
وهذا يفتح أمام الإحسان المعاصر مجالات واسعة، كالتدريب المهني، وتمويل المشروعات الصغيرة، وتأهيل القادرين على العمل، ودعم الأسر المنتجة؛ حتى يتحول المحتاج من متلقٍّ دائم للمساعدة إلى قادر على إعالة نفسه والمشاركة في إعالة غيره.
وهكذا يصبح الإحسان في صورته المعاصرة منظومة مستدامة تتجاوز الإطعام الموسمي إلى الرعاية الشاملة والتمكين؛ فتسُد حاجة الإنسان، وتحفظ صحته، وتصون كرامته، وتفتح له أبواب الكفاية، مستفيدةً من أدوات الإدارة الحديثة، دون أن تفقد روحها الإيمانية القائمة على الرحمة والبذل والتكافل.
من مبطلات الإحسان: المن والأذى
كما أمر الإسلام أتباعه بالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، اعتنى كذلك بطريقة تقديم الصدقة إليهم بصورة تحفظ كرامة من تصل إليه؛ وحذر من أن يصحب العطاء منٌّ أو أذى فقد يتحول، فضلا عن كونه مبطلا للصدقة، من وسيلة لجبر خاطر المحتاج إلى سبب في كسر نفسه وإيلامه.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: ٢٦٤].
قال ابن عاشور: " المن والأذى في الصدقة أكثر حصولا لكون الصدقة متعلقة بأشخاص معينين، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفق.
فالمن على المتصدق عليه: هو تذكيره بالنعمة. والأذى: الإساءة والضر القليل للمنعم عليه ... والمراد به: الأذى الصريح من المنعم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنه أعطاه، أو أن يتكبر عليه لأجل العطاء، بله تعييره بالفقر، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن [التحرير والتنوير].
ويقول الشيخ الشعراوي: " فالذي يتصدق ويتبع صدقته بالمن والأذى، إنما يُبطل صدقته، وخسارته تكون خسارتين: الخسارة الأولى أنه أنقص ماله بالفعل؛ لأن الله لن يعوض عليه؛ لأنه أتبع الصدقة بما يبطلها من المن والأذى، والخسارة الأخرى هي الحرمان من الثواب؛ فالذي ينفق ليقول الناس عنه إنه ينفق، عليه أن يعرف أن الحق سبحانه يوضح لنا: أنه يعطي الأجر على قاعدة أن الذي يدفع الأجر هو من عملت له العمل" [تفسير الشعراوي].
صور المن والأذى في الواقع المعاصر
تتعدد صور المن والأذى في زماننا، وقد تأخذ أشكالًا جديدة مع تطور وسائل التواصل والإعلام، ومن أبرزها:
- التشهير بالمحتاج: تصوير الفقير أو الأسرة المحتاجة أثناء تسلم المساعدة ونشر صورهم، دون مراعاة لخصوصيتهم وكرامتهم.
- استعراض العطاء عبر وسائل التواصل: نشر صور التبرعات وتوزيع الطعام والمساعدات بصورة تجعل المستفيد حاضرًا في المشهد بوصفه محتاجًا، بينما يظهر المتبرع في صورة المنعم المتفضل.
- التذكير بالصدقة بعد تقديمها: كأن يقول المعطي للمحتاج: أنا الذي ساعدتك، ولولاي لما استطعت أن تفعل كذا، أو يستحضر معروفه كلما وقع خلاف بينهما.
- اشتراط الشكر والثناء: تحويل الصدقة إلى وسيلة للحصول على المدح والإشادة، أو إظهار استياء المتبرع إذا لم يُشكر أو يُذكر اسمه.
- إذلال المحتاج أثناء تسليم المساعدة: معاملته بخشونة، أو إجباره على الانتظار بطريقة مهينة، أو الحديث معه أمام الآخرين بما يكشف حاله وحاجته.
- استخدام حاجة الإنسان لأغراض دعائية: استغلال صور المرضى والأيتام والفقراء في الحملات الإعلانية بطريقة تنتقص من خصوصيتهم أو تجعل معاناتهم مادة للاستعراض.
- المن في العلاقات الأسرية: قد يتحول الإنفاق على الزوجة أو الأولاد أو الوالدين إلى وسيلة للسيطرة والتذكير المستمر بما أُنفِق عليهم، وهو من صور الأذى التي تنافي حسن العشرة وصلة الرحم.
أثر المن والأذى على الفرد والمجتمع
- كسر كرامة المحتاج: فالمحتاج قد يحتمل ألم الفقر، لكنه يتألم أشد الألم حين تتحول حاجته إلى وسيلة لإهانته.
- إضعاف الثقة الاجتماعية: عندما ترتبط المساعدة بالإذلال، يتردد المحتاج في طلب العون حتى عند الضرورة.
- إفساد معنى التكافل: إذ يتحول التعاون من علاقة رحمة ومودة إلى علاقة يشعر فيها أحد الطرفين بالتفضل والآخر بالدونية.
- إثارة الحقد والضغينة: لأن الإنسان بطبيعته ينفر ممن يشعره بالمهانة، ولو كان قد قدم له معروفًا.
- إفساد ثواب العمل: وقد دل القرآن صراحة على خطورة المن والأذى على الصدقة: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
- تحويل الإحسان إلى أداة للمصلحة الشخصية: كمن يتصدق ليصنع لنفسه صورة اجتماعية أو ليحصل على النفوذ أو الشهرة.
الخطبة الثانية
احرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور أخيك المحتاج
جعل الإسلام الصدقةَ رسالةَ رحمةٍ تحفظ للإنسان إنسانيته، وتصون له كرامته، وتداوي حاجته دون أن تجرح عزَّته؛ فالفقر وإن أضعف قدرة الإنسان على بعض شؤون الحياة، فإنه لا ينقص من قدره ولا يسلبه حقه في الاحترام والتقدير؛ إذ الكرامة الإنسانية أصلٌ ثابت لا يتغير بتغير الحال، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: ٧٠] .
ومن هنا أحاطت الشريعة باب الإحسان بجملة من الآداب والضوابط التي تجعل العطاء جبرًا للخاطر لا كسرًا له، ومواساةً لا منَّة، وتكافلًا لا استعلاء؛ فنهت عن المن والأذى، ودعت إلى طيب القول، وحثت على ستر المحتاج وحفظ ماء وجهه، بل تجاوزت إغاثة الحاجة العارضة إلى تمكين الإنسان من أسباب الكفاية والاستغناء، ومن هذا المنطلق تتجلى معالم الصدقة التي تحفظ كرامة المحتاج وتصون مكانته، في جملة من المحاور الرئيسة، وهي:
قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى
تجسد هذه الآية الكريمة {قوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يتْبعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: ٢٦٣] المنهج الأخلاقي العالي الذي يرعاه الإسلام في التعامل بين البشر، حيث يضع كرامة الإنسان وحفظ مشاعره فوق المال والماديات، قال ابن عطية الأندلسي: " هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء، لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها" [المحرر الوجيز].
الأذى يقتل قيمة العطاء
فالصدقة التي يُصاحبها منٌّ أو حديث أمام الناس؛ بفَضحٍ للفقير، أو تجريحٍ لشخصه، تفقد جوهرها الإيماني وتحول العطاء المادي إلى خنجر يطعن الكرامة، إذ المقصد من العطاء جبر الخاطر، وسد الحاجة، وابتغاء رضوان الله، لكنه بهذا المن، تهدر الكرامة وينكسر الخاطر، ويحبط العمل.
التشهير من أخطر صور الأذى
إذ قد تُلتقط صورةٌ لحظةَ العطاء، أو يُنشر مقطعٌ مصور لحال الفقير، ثم تنتشر في لحظاتٍ خارج حدود الزمان والمكان، فتتحول حاجته إلى مادةٍ يتداولها الناس، ويصبح ستره المفقود أثرًا رقميًّا قد يصعب محوه، والإسلام حين شرع الصدقة لم يجعل كرامة المحتاج ثمنًا لها، بل جعل حفظها جزءًا من حقيقة الإحسان، فقال تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فهُوَ خَيْرٌ لَّكُم} [البقرة: ٢٧١].
معالجة الإسلام لهذه الظاهرة
الإخلاص أولًا
الإخلاص هو الحصن الأول الذي يحفظ الصدقة من أن تتحول من عبادةٍ لله إلى وسيلةٍ للظهور أمام الناس وإهدار كرامة المتصدق عليه؛ فالمتصدق إن استحضر أن عطاءه لله، وأن الجزاء منه سبحانه، لم يحتج إلى تصوير إحسانه أو إعلان عطائه أو إظهار حاجة من أعانه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
الحث على إخفاء الصدقة
حثَّ الإسلام على إخفاء الصدقة؛ صيانةً لإخلاص المتصدق، وحفظًا لكرامة المحتاج، وإبعادًا للعطاء عن مظاهر الرياء والاستعراض؛ قال تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: ٢٧١]، ومدح النبي ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفاها حتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» [رواه البخاري]، فكلما خفيت الصدقة كان ذلك أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن طلب المحمدة، وأشد صيانة لنفس المحتاج من أن تتحول حاجته إلى مشهدٍ عام أو مادةٍ للتفاخر. والإخفاء هنا سترٌ للمال وللإنسان، وصيانةٌ لماء وجهه، وإعلاءٌ لمعنى الرحمة على معنى الاستعراض.
حفظ كرامة المتعففين
يقصد بالمتعففين الذين تحول كرامتهم وحياؤهم دون سؤال الناس؛ فقال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣]، فالشريعة لا تجعل السؤال شرطًا لاستحقاق العون، ولا تترك المحتاج حتى يضطر إلى كشف فاقته، بل تدعو إلى التعرف على أهل الحاجة، والبحث عن المتعففين، وإيصال الصدقة إليهم في سترٍ ولطفٍ يحفظ حياءهم ويصون ماء وجوههم.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
هيئة التنمية الصناعية تطرح 8 رخص جديدة لإنتاج «البيليت» بطاقة 2.8 مليون طن سنويًا
11 أغسطس 2026 11:31 ص
الذهب بكام النهاردة؟.. سعر الذهب اليوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026
11 أغسطس 2026 06:20 ص
الأكثر قراءة
-
علاء البدري يكتب: مصر والتحالف الثلاثي.. مسافة أمان لا موقف خلاف
-
هاني مصطفي يكتب: عروس البحر وعاصمة العشق المحمدي.. رحلة في نورانيات الإسكندرية
-
هيثم حسن يقترب من سيلتيك.. و6 ملايين يورو تحسم الصفقة
-
الأماكن الشاغرة بالمرحلة الثانية لتنسيق الجامعات الشعبة الأدبية.. النظام الحديث
-
رونالد أراوخو يختار رقم قميصه مع ليفربول بعد الانتقال من برشلونة
-
أحمد شوبير ينتقد تأخر إعلان مدرب المنتخب الأولمبي.. ويحذر اتحاد الكرة من ضيق الوقت
-
يويفا يطلق منصة جديدة لتوحيد معايير التحكيم.. ورسالة واضحة بشأن استخدام الـ VAR
-
مواعيد مباريات اليوم.. مواجهات قوية في تصفيات دوري أبطال أوروبا
-
رحيل 10 لاعبين عن صفوف الفريق الأول لـ كرة القدم بنادي الزمالك
-
منتخب ناشئات اليد يعود إلى القاهرة بعد إنجاز تاريخي في بطولة العالم
-
أحمد شوبير يكشف تفاصيل جديدة في أزمة إمام عاشور وعرض كونيا سبور
-
هيئة التنمية الصناعية تطرح 8 رخص جديدة لإنتاج «البيليت» بطاقة 2.8 مليون طن سنويًا
-
الحكمة من وقوع الزلازل وواجب المسلم تجاهها.. مفتي الجمهورية يوضح
-
أحمد شوبير ينتقد تأخر إعلان مدرب المنتخب الأولمبي.. ويحذر اتحاد الكرة من ضيق الوقت
-
يويفا يطلق منصة جديدة لتوحيد معايير التحكيم.. ورسالة واضحة بشأن استخدام الـ VAR
أكثر الكلمات انتشاراً