الإثنين، 10 أغسطس 2026

08:40 م

علاء البدري يكتب: مصر والتحالف الثلاثي.. مسافة أمان لا موقف خلاف

الإثنين، 10 أغسطس 2026 07:42 م

رئيس التحرير

رئيس التحرير

لماذا لم تدخل مصر في التحالف العسكري الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان؟.. سؤال طرح للنقاش على موائد حوار المتخصصين، ومن عامة الناس على حد سواء، فكيف لا تدخل مصر ضمن هذا التحالف، خصوصا أن القاهرة تربطها علاقات إستراتيجية وثيقة بالدول الثلاث، وتحرص على استمرار التنسيق معها في كثير من الملفات، خاصة الملفات السياسية والأمنية والعسكرية.
ببساطة شديدة جدا وبتحليل الإستراتيجية المصرية، نجد أن الإجابة لا تبدو في وجود خلاف مع أي من هذه الدول، بقدر ما ترتبط بطبيعة الرؤية المصرية للأمن القومي، وقرار استخدام القوة، ومنهج وآليات اتخاذ القرار الوطني المصري. 
أرى مثلما يرى الكثيرون مثلي، أن مصر لا ترفض التعاون العسكري، بل كانت من أوائل الدول العربية التي دعت إلى بناء منظومة أمن عربي مشتركة، ففي عام 2015م طرحت القاهرة إنشاء قوة عربية مشتركة تحت مظلة جامعة الدول العربية، باعتبارها إطارًا عربيًا شاملًا لحماية الأمن القومي العربي، ووافقت القمة العربية وقتها على مبدأ إنشائها، لكن المشروع تعثر لاحقًا ولم يتحول إلى واقع، بسبب تباين المواقف العربية.
وهنا تكمن المفارقة.. مصر كانت تدعو إلى تحالف عربي شامل، واليوم تجد أمامها تحالفا عسكريا ثلاثيا لا يضمها، حتى لو تم دعوتها إليه، وهو تحالف تراه جزئيا لا يندرج تحت مظلة جامعة الدول العربية، وبالتالي ووفقا للرؤية المصرية قد يكون عائقا أمام خيارات الأمن القومي المصري، في ظل تحديات وحروب ومصاعب إقليمية ضخمة لم تشهدها المنطقة من قبل، تديرها خلافات عميقة في الرؤى والمصالح بين أغلب دول المنطقة.

لكن والأكيد أن ذلك كله لا يعني أن القاهرة تبتعد عن السعودية أو تركيا أو باكستان، فالتنسيق المصري السعودي مستمر، والعلاقات المصرية التركية شهدت تطورًا مهمًا، بما في ذلك التعاون الدفاعي والعسكري، كما تجمع مصر وباكستان علاقات تاريخية وتعاون في عدد من المجالات..
ولغايات التفسير والتوضيح يجب فهم طبيعة الجيش المصري.. فالقوات المسلحة المصرية مؤسسة وطنية أصيلة، عقيدتها الأساسية حماية الدولة المصرية وحدودها ومصالحها، مع إدراك مسؤوليتها التاريخية تجاه الأمن العربي، ولذلك فهي لا تتحرك باعتبارها جزءا من محور، ولا تستخدم قوتها إلا وفق تقدير الدولة المصرية لمقتضيات أمنها القومي، فضلا عن أن قوة الجيش المصري لا تكمن في قدراته العسكرية فقط، وإنما أيضًا في استقلال قراره، وقدرته على تحديد متى وأين وكيف يستخدم هذه القوة.
وفي هذا السياق.. يجب طرح السؤال المنطقي والبسيط.. لماذا إذن لم تنضم مصر إلى التحالف؟
نجيب عن السؤال البسيط بتفسير أكثر بساطة، لأن التعاون العسكري شيء، والالتزام بتحالف عسكري شيء آخر.
مصر تريد أن تتعاون مع أشقائها العرب وشركائها الإقليميين، وأن تنسق معهم، وغايتها دعم أمن المنطقة واستقرارها، لكنها لا تريد أن تربط قرارها العسكري مسبقا بأي صراع قد تفرضه تطورات المستقبل.
فما يمثل تهديدا مباشرا لدولة أخرى، قد لا يمثل بالضرورة تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، وهنا يكمن السبب الأساس، والتحفظ على الانضمام للتحالف الشهير، فالقاهرة ولهذا المنطق تحتاج إلى الاحتفاظ بحرية تقدير الموقف، وأن تحدد موقفها من كل أزمة، وفق ظروفها ومصالحها وتحديات المنطقة.

وإجمالا نرى أن مصر لا ترفض التحالفات.. لكنها لا تمنح قرارها العسكري لأي تحالف.
القاهرة تريد أن تكون شريكا أساسيا في أمن المنطقة، وأن تظل أبواب التنسيق مفتوحة مع الجميع، لكنها في الوقت نفسه تريد أن يبقى قرار الحرب والسلام قرارا مصريا، تحدده مصالح مصر وأمنها القومي، وليس مصالح تحالفات جزئية قد يكون لها مصالح مختلفة مستقبلا.
وأود التوضيح كما هو في تفسيري وتحليلي، أن التحفظ المصري الحالي على الانضمام للتحالف السعودي التركي الباكستاني، ليس خلافا أو مسافة بين القاهرة والحلفاء الثلاثة، وإنما هو في اعتقادي مسافة أمان لحماية القرار المصري.

الرابط المختصر

search