أحمد الشناوى يكتب: لا تبحثوا عن التريند
الأربعاء، 12 أغسطس 2026 02:33 م
أحمد الشناوى
أحمد الشناوى
في أحد أيام القاهرة المحروسة، وأثناء إحدى رحلاتي مع أحد سائقي شركات النقل الخاص، دار بيننا حديث عابر عن منصّات التواصل الاجتماعي وما يحدث عليها من أخبار ومقاطع فيديو وقضايا تتحول خلال ساعات إلى «تريند».
وخلال الحديث، فاجأني السائق الشاب برؤية مختلفة؛ إذ رأى أنّ أحد أسباب فقداننا للكثير من الإيجابيات في مجتمعنا يعود إلى ظاهرة «التريند»، التي أصبحت تهتم، في كثير من الأحيان، بالسلبيات والأخبار والمقاطع الغريبة بمختلف أشكالها، بحثًا عن المشاهدة والانتشار.
فالجميع أصبحوا يُسارعون إلى مشاركة ما يرونه وكتابة التعليقات عليه، من دون أن يحاولوا التفكير ولو للحظة واحدة: من الظالم ومن المظلوم؟ وهل ما يظهر في الفيديو يعكس الحقيقة كاملة؟ أم أنّه مجرد جزء مقتطع من سياق أكبر؟ وهل ما نراه حقيقة بالفعل، أم أنّ الأمر برمته لا يتجاوز كونه صناعة للتريند؟
والأكثر إثارة للقلق أنّ بعض المواقع ووسائل الإعلام والإعلاميين أصبحوا يهتمون بهذه المقاطع، ويمنحونها مساحة واسعة، لمجرد أنّها تُحقق نسب مشاهدة وتفاعلاً مرتفعاً.
وسألني سؤالاً بسيطاً، لكنه يحمل الكثير من المعاني: «هل أصبح مجتمعنا كله سلبيات وظواهر غريبة وقضايا أغرب من الخيال؟ وهل هذه هي الصورة الوحيدة التي يمكن أن نقدمها عن مجتمعنا؟».
كانت إجابتي بالتأكيد: لا.
فمجتمعنا مليء بالأمور الجميلة والإيجابية، وكما تُوجد السلبيات، تُوجد أيضاً الإيجابيات، لكن المشكلة أنّ الاهتمام بالسلبيات أصبح أكبر، وأصبح الخبر الغريب أسرع انتشاراً من القصة الإنسانية الجميلة.
وهنا قال لي جملة توقفت عندها طويلًا:
«هذا هو سبب كثير من مشكلاتنا، وهو أيضاً أحد أسباب الصورة التي تتشكّل عن مجتمعنا أمام المجتمعات الأخرى، لو اهتم الإعلام والناس بالظواهر الإيجابية والقصص الإنسانية والجميلة الموجودة في مجتمعنا، وتركوا الظواهر والقضايا الغريبة لأصحاب الاختصاص، لكانت صورتنا أجمل بكثير».
ثم حكى لي قصةً حدثت معه، جعلتني أفكر في الأمر من زاوية مختلفة تماماً.
في أحد الأيام، استقلت معه فتاة تبلغ من العمر نحو 35 عامًا، وطلبت منه إيصالها إلى أحد البنوك، وأثناء الطريق، طلبت منه العودة لأنّها شعرت بالتعب والإرهاق.
بدأ بالفعل في تغيير مسار السيارة للعودة، إلا أن الفتاة فقدت وعيها فجأة.
توقف بالسيارة فوراً، وكان على وشك النزول لمساعدتها ومحاولة إفاقتها والاطمئنان عليها، لكنه قبل أن يفتح باب السيارة تذكر «التريند».
وهنا بدأ صراع داخلي غريب؛ فهو أمام إنسانة تحتاج إلى المساعدة، وفي الوقت نفسه يُفكر في كل الاحتمالات التي قد تحدث إذا اقترب منها.
ماذا لو استعادت وعيها في تلك اللحظة واعتقدت أنه يحاول التحرش بها أو سرقتها؟ وماذا لو شاهد أحد الأشخاص المشهد من الخارج وقام بتصويره، من دون أن يعرف ماذا حدث قبل ذلك؟ وماذا لو انتشر الفيديو وأصبح «تريند»، وبدأ الناس في إصدار أحكامهم عليه من خلال ثوانٍ معدودة لا تكشف الحقيقة كاملة؟.
وبدأ يُفكر في احتمال آخر أيضاً؛ ربما تكون الفتاة من مستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي، وربما تقوم بتصويره أو اتهامه بشيء لم يفعله بمجرد اقترابه منها لمساعدتها.
حتى وصل إلى نتيجة مؤلمة:
«لم أكن أخشى مساعدتها، وإنما كنت أخشى أن يُساء تفسير مساعدتي لها».
وفي النهاية، تردد في النزول إليها، إلى أن ظهرت فتاتان بالقرب من السيارة، فطلب منهما المساعدة، لتتمكنا من الاقتراب منها والتعامل مع الموقف.
توقفت طويلًا عند هذه القصة؛ لأنّها كشفت لي أنّ تأثير «التريند» ربما أصبح أكبر مما نتصور.
فلم يعد «التريند» مجرد ظاهرة على شاشات الهواتف، بل أصبح أحياناً حاضراً في قرارات الناس وتصرفاتهم اليومية، وقد يدفع البعض إلى التردد في فعل الخير، خشية أن يُساء تفسير ما يقومون به.
ربما نحتاج جميعاً إلى أن نتوقف قليلاً قبل الضغط على زر «المشاركة»، وأن نسأل أنفسنا:
هل أعرف الحقيقة كاملة؟
هل سمعت جميع الأطراف؟
هل الفيديو يعكس القصة كاملة، أم أنه جزء مقتطع من سياق أكبر؟
هل أنقل خبراً، أم أشارك في صناعة اتهام؟.
والسؤال الأهم:
هل نريد فعلاً أن نظهر أسوأ ما في مجتمعنا طوال الوقت؟
في كل مجتمع سلبيات، لكن في كل مجتمع أيضاً أناس طيبون، ومواقف إنسانية، وقصص نجاح، ومبادرات جميلة، وأشخاص يفعلون الخير في صمت، بعيدًا عن الكاميرات والإعجابات والبحث عن «التريند».
وربما لو بحثنا عن هذه القصص بنفس الحماس الذي نبحث به عن الفضائح، لاكتشفنا أنّ الصورة الحقيقية لمجتمعنا أجمل بكثير مما تظهره لنا شاشات الهواتف.
ليس كل ما ينتشر يستحق أن يصبح «تريند»، وليس كل ما نراه في مقطع فيديو يمثل الحقيقة كاملة.
أحياناً، قد يكون وراء المشهد قصة لا نعرفها، وإنسان نحكم عليه قبل أن نسمع منه، أو موقف خير يتردد صاحبه في القيام به خوفاً من أن يتحول إلى متهم في نظر الآخرين.
لذلك، قبل أن نبحث عن التريند، ربما علينا أن نبحث أولًا عن الحقيقة.
لا تبحثوا دائمًا عن التريند.. ابحثوا عن الحقيقة، وابحثوا عن الخير.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
مصر ترحب بتحرك أمريكي للإفراج عن 350 مليون دولار من المساعدات العسكرية
02 أكتوبر 2026 11:30 م
أحمد السويدي: شراكتنا مع جهاز مستقبل مصر تفتح آفاقًا جديدة لزيادة الصادرات
02 أكتوبر 2026 11:17 م
شقق موظفي العاصمة الإدارية.. موعد كراسة الشروط وخطوات الحجز
02 أكتوبر 2026 04:45 م
وزير الاستثمار يشهد توقيع شراكة لتصنيع مكونات السيارات بين «العربي» و«ميلبن إنجينيرينج»
02 أكتوبر 2026 04:05 م
«الطماطم هتوصل لـ50 جنيه».. شعبة الخضروات تحسم الجدل وتكشف مفاجأة عن الأسعار
02 أكتوبر 2026 02:27 م
وزير التخطيط: مصر تستهدف تحويل أفريقيا إلى منظومة اقتصادية متكاملة
02 أكتوبر 2026 02:26 م
الأكثر قراءة
-
«الطماطم هتوصل لـ50 جنيه».. شعبة الخضروات تحسم الجدل وتكشف مفاجأة عن الأسعار
-
هاني مصطفى يكتب: هوناً ما..
-
خاص للمصري الآن.. طاهر وبن شرقي ضمن حسابات الأهلي أمام المقاصة اليوم
-
د. رانيه يوسف صافي تكتب: استقلال ارتكاب الجرائم ضد الانسانية عن النزاعات المسلحة
-
خاص.. حقيقة وجود مفاوضات من الأهلي مع أحمد فتوح
-
محمد السيد يبدأ برنامجه التأهيلي استعدادا للانتظام في التدريبات الجماعية
-
نتيجة مباراة فرنسا وإيطاليا في دوري الأمم الأوروبية
-
خاص| تحرك جديد من الأهلي بشأن كأس العرب للأندية.. المشاركة قيد الدراسة
-
وي يهزم بروكسي بثلاثية في دوري المحترفين
-
الإسماعيلي يسقط في فخ التعادل الإيجابي أمام ديروط بدوري المحترفين
-
مصر ترحب بتحرك أمريكي للإفراج عن 350 مليون دولار من المساعدات العسكرية
-
أحمد السويدي: شراكتنا مع جهاز مستقبل مصر تفتح آفاقًا جديدة لزيادة الصادرات
-
وزير البترول: مصر تمتلك مقومات متكاملة لربط موارد إفريقيا البترولية والتعدينية بالأسواق الإقليمية والدولية
-
محمد السيد يبدأ برنامجه التأهيلي استعدادا للانتظام في التدريبات الجماعية
-
أميرة أديب تحسم جدل "زفاف الشابين الأجانب": احتفال إنساني بالصداقة وليس عقد قران
أكثر الكلمات انتشاراً