الجمعة، 21 أغسطس 2026

02:18 م

علاء ثابت مسلم يكتب: رقص وأغاني في السنتر.. هل تحوّلت الدروس الخصوصية إلى حفلات؟

الخميس، 20 أغسطس 2026 01:19 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

لم تعد المسألة مجرد أغنية عابرة أو لحظة فرح بين مجموعة من الطلاب، فالمشهد الذي ظهر فيه رقص وأغانٍ داخل أحد مراكز الدروس الخصوصية يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة: هل بدأت بعض مراكز التعليم تفقد هويتها، لتتحول من مكان يُشرح فيه الدرس إلى مساحة تشبه الحفلات؟

نحن لا نتحدث هنا عن مركز بعينه، ولا نحاكم أشخاصًا من خلال مقطع متداول، وإنما نناقش ظاهرة تستحق التوقف عندها.

فحين يدخل الطالب إلى السنتر حاملًا كتابه وكراسته، ثم يجد أمامه أجواء أقرب إلى حفلة ترفيهية، يصبح من حق المجتمع أن يسأل: أين ذهبت هيبة الدرس؟ ومن المسؤول عن وضع الحدود؟

الدرس الخصوصي.. شرح أم حفلة؟

يا سادة، يبدو أن قاموس الدروس الخصوصية يحتاج إلى تحديث!

زمان كان الطالب يدخل السنتر وفي يده الكتاب والقلم، أما الآن فقد يحتاج إلى القلم، والمذكرة، وربما تذكرة لحضور الحفلة أيضًا!

وبالطبع نحن لا نعترض على فرحة الطلاب، ولا نريد تحويل التعليم إلى سجن بلا ابتسامة. لكن لكل مقام مقال.

الفرح له وقته، والدرس له حرمته، والسنتر له وظيفته.

وعندما يصبح الرقص والأغاني جزءًا من المشهد داخل المكان التعليمي، فإن المشكلة لا تعود في الأغنية وحدها، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الطالب.

رسالة إلى الطالب والطالبة: العلم ليس «تريند»

أيها الطالب.. وأيتها الطالبة..

من حقكما أن تفرحا، وأن تضحكا، وأن تستمتعا بوقتكما.

لكن ليس من حق أي شخص أن يقنعكما بأن الشهرة على مواقع التواصل أهم من احترام المكان الذي تتعلمان فيه.

ليس كل ما يصلح لفيديو «تريند» يصلح أن يكون سلوكًا داخل قاعة تعليمية.

فقد تحصل على آلاف المشاهدات خلال ساعات، ثم تكتشف بعد سنوات أن ما نشرته في لحظة حماس أصبح شاهدًا على سلوك لم تكن تتمنى أن يراه الجميع.

لا تجعلوا الهاتف يقرر لكم كيف تعيشون اللحظة.

أنتم ذاهبون إلى السنتر من أجل مستقبلكم، لا من أجل صناعة محتوى.

والطالب الحقيقي ليس الذي يعرف أحدث الأغاني فقط، وإنما الذي يعرف متى يضحك، ومتى يلتزم، ومتى يقول: «هنا مكان للعلم».

ورسالة إلى ولي الأمر: أنت تدفع مقابل ماذا؟

أيها الأب.. أيتها الأم..

أنتم تتحملون أعباء مالية كبيرة من أجل تعليم أبنائكم.

وتبحثون عن أفضل مدرس، وأفضل مكان، وأفضل شرح.

لكن هل تسألون فقط عن سعر الحصة ومستوى المدرس؟

أم تسألون أيضًا عن الانضباط داخل المكان؟

ولي الأمر لا يدفع أموالًا ليجد ابنه أو ابنته في بيئة تتحول فيها الحصة إلى تجمع للرقص والغناء.

وليس المطلوب أن يتحول الأب إلى شرطي يراقب كل حركة، لكن المطلوب أن يعرف أين يذهب ابنه، وما طبيعة المكان الذي يقضي فيه ساعات من يومه.

التربية مسؤولية مشتركة، وليست فاتورة شهرية تُدفع وتنتهي.

ورسالة إلى المعلم: أنت قدوة قبل أن تكون شارحًا

أما المعلم، فله رسالة خاصة.

المعلم ليس مجرد شخص يقف أمام السبورة وينتهي دوره بانتهاء الحصة.

هو قدوة.

وإذا سمح المعلم أو المسؤول عن المكان بانهيار الحدود بين الحصة والحفلة، فكيف نطلب بعد ذلك من الطالب احترام المعلم واحترام المدرسة والالتزام بالقواعد؟

نحن لا نطالب المعلم بأن يكون عبوسًا طوال الوقت.

ابتسم، اضحك مع طلابك، شاركهم فرحتهم، وشجعهم.

لكن ضع حدًا فاصلًا بين المرح والفوضى.

فالطالب يحتاج إلى معلم يحبه، نعم، لكنه يحتاج أكثر إلى معلم يعرف متى يقول: «كفاية.. نحن هنا لنتعلم».

والمسؤولون.. هل ننتظر حتى تصبح الظاهرة عادية؟

وهنا تأتي الرسالة الأهم إلى المسؤولين عن التعليم والجهات المختصة.

إذا كانت مراكز الدروس الخصوصية جزءًا من الواقع التعليمي، فلا ينبغي أن تكون خارج دائرة الرقابة والانضباط.

المطلوب ليس مطاردة الطلاب، ولا منع الضحك، ولا تحويل مراكز التعليم إلى أماكن بلا روح.

المطلوب هو قواعد واضحة ورقابة حقيقية.

مركز تعليمي يعني أن هناك نشاطًا تعليميًا يجب أن يكون هو الأساس.

أما إذا تحولت بعض المراكز إلى أماكن تجمع للترفيه، فعلينا أن نسأل: من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يضع الحدود؟

لا نريد «تعليمًا بلا ابتسامة».. ولا «حفلات بلا تعليم»

المشكلة ليست في الأغنية وحدها.

وليست في الرقص وحده.

وليست حتى في رغبة الطلاب في الفرح.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تختفي الحدود.

فالطالب يحتاج إلى مساحة للفرح، لكنه يحتاج أيضًا إلى مساحة يتعلم فيها احترام المكان.

والمعلم يحتاج إلى مساحة للتفاعل، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على هيبة دوره.

وولي الأمر يحتاج إلى الاطمئنان، والمسؤول يحتاج إلى الرقابة.

أما أن نضع الجميع في مشهد واحد ثم نقول: «شباب وبيفرحوا».. فهذه ليست إجابة.

التعليم ليس «ريلز» مدته دقيقة

لقد أصبحنا نعيش في زمن يمكن فيه لأي مشهد أن يتحول خلال دقائق إلى مادة للانتشار.

لكن التعليم لا يعمل بهذه السرعة.

بناء شخصية الطالب يحتاج سنوات.

وتكوين وعيه يحتاج قدوة.

وتعليمه احترام المكان يحتاج إلى نموذج يراه أمامه.

لذلك، عندما تتحول قاعة الدرس إلى مشهد للرقص والغناء، لا ينبغي أن يكون أول سؤال: «كم مشاهدة حصل عليها الفيديو؟»

بل يجب أن يكون السؤال:

«ماذا تعلم أبناؤنا من هذا المشهد؟»

وأخيرًا.. قبل أن نضحك على المشهد، علينا أن نسأل أنفسنا

قد يضحك البعض على الفيديو.

وقد يشاركه آخرون بحثًا عن «التريند».

وقد يعلق ثالث قائلًا: «سيبوا الشباب يفرح».

لكن القضية أكبر من مقطع مصور.

القضية هي هيبة التعليم.

إذا كان السنتر مكانًا للتعليم، فليظل التعليم هو البطل.

وإذا أردنا أن نفرح أبناءنا، فلنبحث لهم عن أماكن مناسبة للفرح.

أما قاعة الدرس، فلها احترامها.

فالطالب ليس مشروع «تريند»، والمعلم ليس منظم حفلات، والسنتر ليس نايت كلوب.

والرسالة الأخيرة للجميع بسيطة:

افرحوا كما تشاؤون.. لكن لا تجعلوا الفرح يرقص فوق مستقبل أبنائنا.

الرابط المختصر

search