الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026

01:12 م

هاني مصطفى يكتب: جبر الخواطر على الله

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 11:50 ص

هاني مصطفى

هاني مصطفى

في كل مرة نسمع فيها كلمة "جبر الخواطر"، يخطر على بالنا الدفء والابتسامة الهادئة، التي تخرح من القلب بعد لحظة انكسار. 

الجبر في لغتنا العامة المصرية مش مجرد كلمة لطيفة، ده أسلوب حياة وطريقة تعامل، وحس إنساني راقي بيسري في دم المصريين من زمان. 

لكن لو ركزت شوية في أصل الكلمة، هتكتشف أن "الجبر" جاي من اسم الله "الجبار".. والجبار هنا مش بالمعنى الظاهري اللي ممكن يجي في بالك عن القوة، بل هو الذي يجبر الكسير، يرمم القلوب المتعبة، ويصلح ما أفسده الزمان في نفوس العباد.

الكلمة الطيبة هي أول أبواب هذا الجبر. 

كلمة واحدة حلوة، أو كلمة طمأنينة في وقتها، ممكن تحيي أمل مات في قلب إنسان، وتغير مسار يومه بالكامل. 

ربنا سبحانه وتعالى شبه الكلمة الطيبة بالشجرة اللي أصلها ثابت وفرعها في السماء، ورسولنا الكريم قالها لنا ببساطة شديدة وبلاغة ما بعدها بلاغه “والكلمة الطيبة صدقة”..

صدقة مش محتاجة فلوس، لكن أثرها في النفوس أعمق بكتير من أي مقابل مادي.

ومن هنا تطلع المقولة المصرية الأصيلة اللي بتتردد على ألسنتنا من غير ما نفكر: "جبر الخواطر على الله". 

المقولة دي فيها فلسفة زهد ورقي عجيب.. 

معناها إنك لما بتجبر خاطر حد، مش بتستنى منه شكر، ولا ثناء، ولا رد جَميل، لأنك عارف ومؤمن إن اللي بيكافئ على العمل ده وبيقدره هو الله وحده.

هي دعوة صريحة للخير الخالص، لله ولله فقط.

بفتكر دايماً أحد العارفين، كان كل ما يمشي في الطرقات ويشوف قلة ماء أو كولدير سبيل، يقف يشرب منه، حتى لو مش عطشان!.. ولما سألوه باستغراب: "ليه بتعمل كده يا مولانا؟"، كان يرد ببساطة ورقي: "أحب أن يأخذ صاحب السبيل ثواباً عني". 

نفوس راقية.. شوف جمال النفوس وسُمو الفكرة! هو هنا بيجبر خاطر شخص ما يعرفوش، وبيشرب مخصوص عشان يضمن إن صاحب الصدقة دي ياخد ثواب سُقيا الماء.. 

نفوس راقية فعلاً بتدور على الخير في أصغر التفاصيل.

ولو بصيت لسيرة الأنبياء، هتلاقي حياتهم كلها كانت دروس عملية في جبر الخواطر. 

سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان أستاذ البشرية في المعنى ده؛ يبتسم في وجه الصغير، ويواسي الضعيف، ويسأل عن العجوز، ويقعد مع المساكين وكأنه واحد منهم. 

وسيدنا يوسف لما التقى بإخوته بعد كل اللي عملوه فيه، جبر خاطرهم وما أحرجهمش، وقال: { قَالَ لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٩٢]

الله عز وجل هو الجبار الذي لا ينسى خُطوة مشيتها عشان تطيب خاطر مكسور، ولا كلمة حلوة قلتها لقلب موجوع. 

إوعي تستخسر أو تكسل أو تنسي تجبر بخاطر اللي حواليك.

اعلم دايماً إنك لما تجبر خاطر خلق الله، ربنا حتماً هيجبر بخاطرك من حيث لا تحتسب، لأن الجزاء دايماً من جنس العمل.. 

أجبروا بخاطر بعض دلوقتي أحسن مليون مرة من ما نكتب كلمتين حلوين في حق ميت مش حيسمعنا ، مع إنه كان حيفرح جدا لما يسمع منا كلمه واحدة تجبر بخاطره وهو معانا..

اجبروا بخاطر بعض.. وجبر الخواطر على الله.

الرابط المختصر

search