السبت، 12 سبتمبر 2026

09:16 م

كلوديا حنا تكشف أسرار جذورها الكلدانية.. من أور إلى بابل والعالم

السبت، 12 سبتمبر 2026 07:56 م

كلوديا حنا

كلوديا حنا

فتحت النجمة العراقية كلوديا حنا نافذة على واحد من أكثر الملفات ارتباطًا بتاريخ بلاد الرافدين وهويتها الثقافية، خلال ظهورها في برنامج Tareq Ismail Program، حيث تحدثت عن جذورها الكلدانية، واستعرضت جانبًا من تاريخ الكلدان، ومكانتهم في الحضارة العراقية القديمة، إلى جانب لغتهم وتراثهم وهويتهم الممتدة حتى العصر الحديث.

وأثارت الحلقة اهتمامًا واسعًا بين المتابعين، خاصة أن حديث كلوديا حنا لم يتوقف عند الجانب الفني، وإنما انتقل إلى مساحة تاريخية وثقافية تناولت من خلالها جذور الكلدان، وعلاقتهم ببلاد الرافدين، ومراحل صعودهم السياسي، وصولًا إلى حضور الهوية الكلدانية في العصر الحديث وانتشار أبنائها في العديد من دول العالم.

كلوديا حنا تتحدث عن جذورها الكلدانية

وخلال اللقاء، تحدثت كلوديا حنا عن ارتباطها بالهوية الكلدانية، مشيرة إلى أن تاريخ الكلدان يمثل جزءًا مهمًا من تاريخ بلاد الرافدين، وأن الحديث عنهم لا يرتبط فقط بفترة سياسية محددة، وإنما يتصل بموروث ثقافي ولغوي واجتماعي ظل حاضرًا عبر مراحل تاريخية مختلفة.

وأوضحت أن ظهور الكلدان كجماعات سامية في جنوب بلاد ما بين النهرين يرجع، وفق التأريخ الأكاديمي، إلى بدايات الألف الأول قبل الميلاد، وتحديدًا إلى نحو القرن التاسع قبل الميلاد، حيث تركز وجودهم في مناطق جنوب العراق القديم، بالقرب من بابل ومناطقها المحيطة.

وأشارت خلال حديثها إلى الجذور القديمة للكلدان، مستحضرة الروايات التي تربطهم بسلسلة الأنساب السامية وصولًا إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، في سياق حديثها عن عمق ارتباط هذه الهوية بتاريخ بلاد الرافدين.

«أور الكلدانيين».. رواية تاريخية ودينية

وتطرقت كلوديا حنا إلى مدينة أور، التي تحتل مكانة بارزة في التاريخ القديم، وترتبط في الرواية الكتابية بتعبير «أور الكلدانيين»، ومنها ارتبط خروج النبي إبراهيم عليه السلام في التقليد الديني.

وتُعد العلاقة بين أور والكلدان من الموضوعات التي تتداخل فيها الروايات الدينية مع الدراسات التاريخية والأثرية؛ إذ إن مدينة أور تعود إلى عصور أقدم بكثير من الظهور التاريخي الموثق للكلدان في الألف الأول قبل الميلاد، ولذلك يظل تحديد المقصود تاريخيًا بتعبير «أور الكلدانيين» وعلاقته بالكلدان موضوعًا للنقاش بين الباحثين.

وتقع أور القديمة في جنوب العراق، بالقرب من مدينة الناصرية الحالية، وكانت واحدة من أبرز مدن الحضارات القديمة في بلاد الرافدين، وهو ما جعلها حاضرة بقوة في الدراسات المتعلقة بتاريخ المنطقة وتطور الحضارات التي قامت على أرض العراق.

من الإمارات الكلدانية إلى السيطرة على بابل

ومع مرور الزمن، تمكنت مجموعات كلدانية من تأسيس كيانات وإمارات قوية في جنوب بلاد الرافدين، ومن أبرزها بيت دكوري وبيت ياقين وبيت شيلاني، قبل أن يدخل الكلدان في صراعات طويلة مع الإمبراطورية الآشورية الحديثة، خاصة حول السيطرة على مدينة بابل.

وكانت بابل في ذلك الوقت أكثر من مجرد مدينة؛ فقد كانت مركزًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا وثقافيًا بالغ الأهمية، وهو ما جعل السيطرة عليها هدفًا رئيسيًا للقوى المتنافسة في بلاد الرافدين.

ومع تصاعد نفوذ الكلدان، بدأت مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة، انتهت بوصولهم إلى الحكم وتأسيس ما يعرف تاريخيًا بالإمبراطورية البابلية الحديثة.

نابوبولاسر يؤسس الإمبراطورية البابلية الحديثة

وجاء التحول الأبرز عام 626 قبل الميلاد، عندما قاد نابوبولاسر تمردًا ضد الحكم الآشوري، وتمكن تدريجيًا من تثبيت نفوذه وتأسيس الدولة البابلية الحديثة، التي ارتبطت تاريخيًا بالسلالة الكلدانية.

وبدأت بابل في ظل الدولة الجديدة مرحلة من القوة السياسية والعسكرية، قبل أن تصل إلى ذروة مجدها خلال عهد نبوخذنصر الثاني، نجل نابوبولاسر، الذي حكم بين عامي 605 و562 قبل الميلاد.

ويُعد نبوخذنصر الثاني من أشهر ملوك بابل القديمة، حيث شهد عهده توسعًا عسكريًا كبيرًا، إلى جانب مشروعات عمرانية ضخمة أعادت تشكيل مدينة بابل ومنحتها صورة أصبحت من أشهر صور مدن العالم القديم.

نبوخذنصر الثاني.. عصر ازدهار بابل

وشهدت بابل خلال عهد نبوخذنصر الثاني أعمالًا واسعة في البناء والترميم والتوسع، وارتبط اسمه بعدد من أبرز معالم المدينة، وفي مقدمتها بوابة عشتار وشارع الموكب، إلى جانب المعابد والمنشآت الدينية المرتبطة بمركز المدينة.

كما لعب الدين دورًا محوريًا في الحياة البابلية، وكان معبد مردوخ من أهم المراكز الدينية في المدينة، بينما شكلت المنشآت والمعابد والزقورات جزءًا أساسيًا من المشهد العمراني والحضاري لبابل.

وعلى المستوى العسكري، توسعت الدولة البابلية الحديثة خارج حدود بلاد الرافدين، وخاض نبوخذنصر الثاني حملات في بلاد الشام، وارتبط عهده تاريخيًا بسقوط القدس عام 586 قبل الميلاد، وما أعقبه من السبي البابلي لعدد من سكان مملكة يهوذا.

أما جنائن بابل المعلقة، التي أصبحت واحدة من أشهر عجائب العالم القديم، فقد ارتبطت تقليديًا بمدينة بابل وعهد نبوخذنصر، إلا أن وجودها التاريخي وموقعها الدقيق ونسبة تشييدها إلى بابل لا تزال موضع نقاش بين الباحثين والمؤرخين.

حضارة اهتمت بالفلك والرياضيات والعمارة

ولم يقتصر ازدهار الدولة البابلية الحديثة على القوة العسكرية والسياسية، وإنما امتد إلى مجالات معرفية وحضارية متعددة.

فقد عرفت بلاد الرافدين تقاليد متقدمة في الفلك ورصد حركة الأجرام السماوية والحساب والرياضيات، كما تطورت أساليب تسجيل المعلومات باستخدام الكتابة المسمارية، التي استُخدمت في توثيق المعاملات والنصوص الدينية والإدارية والأحداث المختلفة.

كما شهدت بابل تطورًا ملحوظًا في الإدارة وتنظيم الدولة والجيش، الأمر الذي ساعدها على إدارة مناطق واسعة من النفوذ، ورسخ مكانتها باعتبارها واحدة من أهم المراكز السياسية والثقافية والدينية في الشرق الأدنى القديم.

سقوط بابل ونهاية الدولة الكلدانية

واستمر ازدهار الإمبراطورية البابلية الحديثة حتى القرن السادس قبل الميلاد، قبل أن تنتهي مرحلة الحكم البابلي المستقل عام 539 قبل الميلاد، عندما دخل قورش الثاني، المعروف بقورش الكبير، مدينة بابل، وأصبحت المنطقة جزءًا من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية.

ورغم انتهاء الدولة الكلدانية كقوة سياسية مستقلة، فإن ذلك لم يعنِ اختفاء الإرث الحضاري الذي تركته بابل وبلاد الرافدين، إذ ظل تأثير تلك المرحلة حاضرًا في الدراسات التاريخية والأثرية، وفي الذاكرة الثقافية المرتبطة بتاريخ العراق القديم.

الكلدان.. هوية ولغة وتراث

وانتقلت كلوديا حنا في حديثها من التاريخ القديم إلى واقع الكلدان في العصر الحديث، مؤكدة أهمية النظر إلى الهوية الكلدانية باعتبارها جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي المتنوع للعراق.

وترتبط الهوية الكلدانية المعاصرة بصورة أساسية بالكلدان المسيحيين، وخاصة أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، الذين يحتفظون بتراث ديني ولغوي وثقافي خاص.

ويتحدث عدد كبير من الكلدان المعاصرين بلهجات من الآرامية الحديثة، التي تُعرف في مناطق عراقية باسم «السورث»، بينما تستخدم الكتابة السريانية في السياقات الكنسية والأدبية، مع وجود أشكال وخطوط مختلفة للكتابة السريانية.

ويمتد هذا التراث إلى الموسيقى والألحان الكنسية المشرقية، والعادات الاجتماعية، والأزياء التقليدية، والمأكولات الشعبية، وغيرها من المظاهر التي تعكس البيئة التاريخية التي نشأت فيها المجتمعات الكلدانية، خاصة في شمال العراق وسهل نينوى.

من تاريخ بلاد الرافدين إلى الكنيسة الكلدانية

كما تطرق الحديث إلى المسار التاريخي للكنيسة الكلدانية، الذي يرتبط بانقسام وقع في كنيسة المشرق خلال القرن السادس عشر.

ففي عام 1553، دخل جزء من رجال الدين وأتباع كنيسة المشرق في شركة مع الكنيسة الكاثوليكية في روما، في سياق تطورات كنسية وسياسية معقدة، وتبلور من هذا المسار ما أصبح يعرف لاحقًا بالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.

ومنذ ذلك الوقت أصبح اسم «الكلدان» مرتبطًا بشكل وثيق بالهوية الكنسية الكلدانية الكاثوليكية، خاصة في العراق، قبل أن ينتشر أبناء هذه الجماعات في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط والعالم.

الكلدان في العراق.. من الموصل وسهل نينوى إلى المهجر

ويرتبط الوجود الكلداني تاريخيًا بعدد من المدن والبلدات العراقية، وفي مقدمتها بغداد والبصرة والموصل ومناطق سهل نينوى، إلى جانب بلدات وقرى مثل تلكيف وألقوش وقره قوش وكرمليس، فضلًا عن وجودهم في مناطق بإقليم كردستان العراق، من بينها أربيل ودهوك.

وشهدت العقود الأخيرة تغيرات كبيرة في التركيبة السكانية للمسيحيين العراقيين، ومن بينهم الكلدان، نتيجة الحروب والصراعات والاضطرابات السياسية، إضافة إلى موجات العنف والتهجير التي تصاعدت بصورة كبيرة بعد عام 2003.

وكانت هجمات تنظيم داعش عام 2014 وما تبعها من نزوح وتهجير قسري نقطة فارقة بالنسبة للعديد من المسيحيين في العراق، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الهجرة خارج البلاد.

انتشار واسع حول العالم

ومع موجات الهجرة المتعاقبة، تشكلت تجمعات كلدانية كبيرة خارج العراق، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أبرز مراكز الوجود الكلداني في المهجر، خاصة ولاية ميشيغان ومنطقة ديترويت، التي تضم تجمعًا كلدانيًا كبيرًا.

كما توجد تجمعات كلدانية في ولايات أمريكية أخرى، إلى جانب أستراليا، خاصة في سيدني وملبورن، وكذلك عدد من الدول الأوروبية، من بينها السويد وفرنسا وألمانيا، فضلًا عن تجمعات في دول أخرى حول العالم.

ورغم اختلاف ظروف الحياة بين العراق والمهجر، ظل الحفاظ على اللغة والتراث والعادات والهوية من الملفات المهمة لدى كثير من أبناء الجاليات الكلدانية، الذين يعملون على نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.

كلوديا حنا: الهوية الكلدانية امتداد لتاريخ عريق

وخلال الحلقة، قدمت كلوديا حنا قراءة شخصية وثقافية لتاريخ الكلدان، جمعت خلالها بين الحديث عن الجذور التاريخية القديمة وبين واقع الهوية الكلدانية في الوقت الراهن، متوقفة عند محطات بارزة تبدأ من بلاد الرافدين، مرورًا ببابل وصعود الدولة البابلية الحديثة، وصولًا إلى الكنيسة الكلدانية والمجتمعات الكلدانية المنتشرة في أنحاء العالم.

وأكدت النجمة العراقية أهمية التعريف بهذا التراث والحفاظ عليه، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة من تغيرات وحروب وهجرات أثرت على تركيبة المجتمعات التاريخية في العراق.

ولم يقتصر تفاعل الجمهور مع الحلقة على الجانب التاريخي، إذ حظي حديث كلوديا حنا عن جذورها وهويتها باهتمام واسع من المتابعين، الذين تفاعلوا مع المعلومات التي طرحتها حول الكلدان ولغتهم وثقافتهم وانتشارهم، لتتحول الحلقة إلى مساحة للتعريف بجانب مهم من تاريخ بلاد الرافدين وتراث العراق المتنوع.

وبذلك، أعادت كلوديا حنا من خلال ظهورها في برنامج طارق إسماعيل تسليط الضوء على الهوية الكلدانية، ليس فقط باعتبارها جزءًا من الماضي، وإنما بوصفها هوية وثقافة وتراثًا لا يزال حاضرًا في العراق ومجتمعات المهجر، ويحمل في تفاصيله امتدادًا تاريخيًا طويلًا يرتبط بواحدة من أقدم المناطق الحضارية في العالم.

الرابط المختصر

search