الجمعة، 25 سبتمبر 2026

04:03 م

الدكتورة رانية يوسف راغب صافي تكتب: الحماية الجنائية للمرأة ضد العنف الدولي والوطني

الجمعة، 25 سبتمبر 2026 03:10 م

الدكتورة رانية يوسف راغب صافي

الدكتورة رانية يوسف راغب صافي

 يُعدّ العنف ضد المرأة من أخطر صور انتهاكات حقوق الإنسان، لما يترتب عليه من مساس بالحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية والكرامة الإنسانية والمساواة. وقد تجاوزت مواجهة هذه الظاهرة نطاق الاختصاص الداخلي للدول لتصبح من موضوعات القانون الدولي لحقوق الإنسان، فأصبحت الدول مطالبة باتخاذ تدابير تشريعية وقضائية وإدارية واجتماعية للوقاية من العنف، وحماية الضحايا، ومساءلة مرتكبيه، وضمان حصول المتضررات على سبل الانتصاف وجبر الضرر.

ونتناول فيما يلي أهم الأطر لهذه الحماية:

أولاً: الحماية في إطار القانون الدولي: تمثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 (سيداو) أحد أهم الصكوك الدولية المتعلقة بحماية المرأة. وعلى الرغم من أن نص الاتفاقية الأصلي لم يضع تعريفاً شاملاً للعنف ضد المرأة، فإن التوصية العامة رقم 19 لعام 1992، ثم التوصية العامة رقم 35 لعام 2017، أكدتا أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يُعد شكلاً من أشكال التمييز، وأن الدول ملزمة باتخاذ التدابير المناسبة لمنعه والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه وتوفير سبل الانتصاف للضحايا..

كما يُعد إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة لعام 1993 مرجعاً دولياً مهماً، إذ تناول العنف الجسدي والجنسي والنفسي، سواء وقع داخل الأسرة أو المجتمع أو ارتكبته أجهزة الدولة أو تم التسامح معه. ويضاف إلى ذلك إعلان ومنهاج عمل بيجين لعام 1995 الذي جعل القضاء على العنف ضد المرأة أحد المجالات الأساسية للنهوض بحقوقها..

ثانياً: التطورات الإقليمية الحديثة: فعلى المستوى الإقليمي، تُعد اتفاقية مجلس أوروبا للوقاية من العنف ضد المرأة والعنف المنزلي ومكافحتهما لعام 2011، المعروفة باتفاقية إسطنبول، من أكثر الصكوك شمولاً في هذا المجال، إذ تقوم على أربعة محاور رئيسية هي: الوقاية، والحماية والدعم، والملاحقة القضائية، والسياسات المتكاملة..

وفي الإطار الإفريقي، اعتمد الاتحاد الإفريقي في 10 فبراير 2025 اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن إنهاء العنف ضد النساء والفتيات، وهي من أحدث التطورات القانونية الإقليمية في هذا المجال. وتهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية في الوقاية من العنف ضد النساء والفتيات، وحمايتهن، ومكافحة الإفلات من العقاب، وتوفير آليات مناسبة للاستجابة للضحايا.

ثالثاً: الحماية في التشريع الوطني المصري: أكد دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014 الحماية الدستورية للمرأة؛ فنصت المادة 11 على التزام الدولة بحماية المرأة من جميع أشكال العنف، كما قررت المادة 53 مبدأ المساواة وعدم التمييز. وإلى جانب ذلك، يتضمن قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته أحكاماً تجرّم صوراً متعددة من الاعتداء على المرأة، وقد شهد التشريع المصري تعديلات مهمة لتشديد العقوبات المتعلقة بالتحرش الجنسي وختان الإناث، بما يعزز الحماية الجنائية للمرأة..

رابعاً: مقترحات معالجة الإشكالية: تتطلب مواجهة العنف ضد المرأة تطوير التشريعات بصورة مستمرة وسد الثغرات القانونية، مع تعزيز آليات الإبلاغ والحماية وتوفير المساعدة القانونية والنفسية والمأوى الآمن للضحايا. كما ينبغي تدريب الشرطة والنيابة والقضاء والكوادر الصحية على التعامل المتخصص مع قضايا العنف، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة لرصد الظاهرة، وتعزيز التوعية بالحقوق القانونية، وضمان التحقيق الفعال والمساءلة وجبر الضرر. وينبغي كذلك تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة العنف العابر للحدود والعنف المرتبط بالتكنولوجيا والفضاء الرقمي..

وختاما.. يتضح أن مكافحة العنف ضد المرأة أصبحت التزاماً تتكامل فيه القواعد الدولية والإقليمية والوطنية. غير أن فعالية الحماية القانونية لا تتوقف على وجود النصوص، وإنما ترتبط بمدى تطبيقها وقدرة المؤسسات على الوقاية والحماية والمساءلة وتوفير سبل الانتصاف. ومن ثم، فإن مواجهة هذه الإشكالية تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين الإصلاح التشريعي والإنفاذ القضائي والدعم المؤسسي والتوعية المجتمعية، بما يكفل للمرأة التمتع بحقوقها وحرياتها وكرامتها الإنسانية على أساس المساواة وعدم التمييز.

  • عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة

الرابط المختصر

search