الإثنين، 28 سبتمبر 2026

10:36 ص

هشام عياد يكتب: أنا في عمر أبي

الإثنين، 28 سبتمبر 2026 09:12 ص

هشام عياد

هشام عياد

خشيت أن ينتهي العالم بفقده.. فاكتشفت أنني أصبحت هو.. 

تقف في منتصف العمر، تنظر في المرآةِ كعادتك، فتتوقف الحركة للحظة، وتتجمد الأنفاس.

 الملامح التي أمامك ليست مجرد ظل لوجهك، بل هي ذات العينين اللتين طالما حرستا أيامك، وذات القلق النبيل الذي كنت تراه في وجه أبيك. 

في تلكَ اللحظة بالذات، تدرك أنَ الأب الحقيقي لا يغيب أبداً، إنما ينتقل من جسد إلى جسد، ومن روحٍ إلى روح، ليكمل حكاية الحبِ التي لا تنتهي.

الكشاف الذي ينير ظلماتِ العالم

لم يكن والدي مجرد نقطة ضوءٍ بعيدة في طريقي، بل كان الكشاف الأعظمَ الذي مشى أمامي في زوايا العالمِ المظلمة.

 أمسكَ بيدي صغيراً وكبيراً، حمل عني ثقل الأيام، وكان السند والظهر الذي لا يميل حتّى يشتد عودي. 

كان يريد مني أن أصير رجلاً يستطيعُ أن يرى العالم بنفسه وببصرهِ الخاص…

 لكنه لم يعلم أن البصر الذي أرى به اليوم ليس إلا شعاعاً من نورهِ هو.

طوال حياتي، كان أعظم مخاوفي هي تلك اللحظة التي يبتعد فيها. كنت أتخيل أنَ رحيله يعني نهاية العالم، وانطفاء المجرات، وتوقف الحياةِ عن الدوران. 

كنت ألهج بالدعاءِ في كلِ صلاةٍ أن يطيل الله في عمرِه. 

فأنا لا أحتمل فكرة الوجودِ في كون خال من أنفاسه.

كانت غيبته القصيرة في العملِ أو السفرِ تشبه الليل الطويل، وكانت عودته كل يومٍ إشروقاً لشمس جديدة، كأنَ الحياة لا تبدأ إلا بلقائه. كنت أعشق أمي أعظمَ العشق، فقد كانت هي النسيمَ والهواء الذي أستنشقه، أما أبي... فكان هو الحياة بكلِ تفاصيلها ومعانيها.

كانت رسائله واتصالاته في سفري وعملي صلوات من الاطمئنان، يتبادل فيها معي مشاعر عميقة لا تحتاج إلى كثير كلام، بل إلى قلبين يفهمان بعضهما بدون زيف.

حين أُصبح أنا... «أبي»

اليوم، عبرت نفس الجسر الزمني، وأصبحت في مثل عمرِه. أمشي في أروقة بيتي فأجد نفسي أحمل ذات الوجه القلقِ على مستقبل أبنائي، ذات الشغف والمشاعرِ المتدفقة في الاطمئنانِ عليهم كل دقيقة.

أقف في المرآة أتأمّل نفسي، فلا أرى الملامح التي ظننتها لي... بل أرى وجهه هو.

 أسمع نبرة صوتي فأجدها لغته وتعابيره، أقيم بحركات يديه، وأتكلم بذات الحكمة اللهجة التي كان يتكلم بها.

 لقد ذابت الروحان، وأصبحت أبي بكلِ جسده وروحه ووجدانه.

إنَ حزن الفقد شعور لا يستوعبه إلا من ارتبط بوالده ارتباطَ الصديق بالحبيب، المشفوع بالتوقير والحبِ الخالص. 

يظلُ الأب هو الكائن الوحيد في هذه الحياة الذي يتمنى أن تكون أفضل منه، ويسعى بكلِ نبضه ليبني لكَ عرشاً من النجاحِ لتعلو عليه.

كلُ ما وصلنا إليه اليوم، وكلُ المحطات العظيمة التي سنطأُها غداً، هي بعد فضلِ الله تعالى نتاج جهد ذلك الأب السند، وثمرة ذلكَ الدعاء الصادقِ الذي كتبته الأم في ساعاتِ الليل.

رحمَ الله والدي رحمة واسعة، وجزاهما عني خير ما جزى والداً عن ولده، وجعلني لهما امتداداً صالحاً وأثراً لا ينقطع.

الرابط المختصر

search