مذكرات المشير الجمسي ترصد كواليس حرب أكتوبر من غرفة العمليات إلى الكيلو 101
الأحد، 04 أكتوبر 2026 05:03 م
أرشيفية
إبراهيم السعيد
لا تبدو حرب أكتوبر 1973 في مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي مجرد سرد لأحداث عسكرية جرت خلال أيام قليلة، وإنما تظهر باعتبارها حصيلة سنوات طويلة من الإعداد وإعادة بناء القوات المسلحة ودراسة طبيعة المواجهة مع إسرائيل.
وفي كتابه «مذكرات المشير الجمسي – يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973»، ينقل الجمسي تجربته من موقع كان قريبًا للغاية من مركز صناعة القرار العسكري، بعدما تولى رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة خلال الحرب، قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة أركان حرب القوات المسلحة ثم منصب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة.
من جذور الصراع إلى حرب أكتوبر
لا يبدأ الجمسي روايته من صباح السادس من أكتوبر، بل يعود إلى محطات سبقت الحرب بسنوات طويلة، مستعرضًا تطورات الصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب فلسطين عام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي عام 1956، ثم نكسة يونيو 1967 وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى الاستعداد للمواجهة التي انتهت بعبور القوات المصرية قناة السويس.
ويشير في مقدمة مذكراته إلى أنه عاصر معظم الحروب العربية الإسرائيلية الرئيسية وشارك فيها، باستثناء حرب فلسطين التي كان خارج مصر وقت اندلاعها في مهمة تدريبية.
ويمنح هذا التسلسل الكتاب طابعًا يتجاوز فكرة «مذكرات حرب»، إذ يحاول صاحبه وضع المواجهة العسكرية داخل إطار سياسي واستراتيجي أوسع، من خلال تناول علاقات إسرائيل بالقوى الكبرى ودور الأطراف الدولية في المنطقة.
كيف أعيد بناء القوات المسلحة؟
تحتل السنوات التي أعقبت نكسة يونيو مساحة مهمة من رواية الجمسي، باعتبارها المرحلة التي جرى خلالها إعداد الجيش المصري لمعركة جديدة.
ويستعرض الكتاب تأثير حرب الاستنزاف في استعادة الخبرات القتالية للقوات المسلحة، وما شهدته الجبهة من عمليات واشتباكات، بالتزامن مع تطوير القدرات العسكرية ووضع تصورات للمعركة المقبلة.
ومن خلال هذه المرحلة تظهر طبيعة عمل الجمسي كأحد أبرز ضباط العمليات، حيث تتداخل في روايته الخرائط والمعلومات الاستخباراتية وتوزيع القوات وقدرات الأسلحة مع حسابات التوقيت والتحرك.
معركة بدأت على الخرائط قبل أن تبدأ على الأرض
مع اقتراب موعد الحرب، ينتقل السرد إلى واحدة من أهم مراحل التجهيز، وهي إعداد الخطة العسكرية للعبور.
ويستعرض الجمسي الدراسات التي سبقت الحرب، بما شمل تقييم قدرات القوات المصرية والإسرائيلية، وطبيعة قناة السويس، والتحصينات الموجودة على الضفة الشرقية، إلى جانب تحديد أدوار القوات الجوية والمدفعية والمشاة وباقي التشكيلات المشاركة في العملية.
كما يكشف الكتاب عن أن تحديد موعد الهجوم لم يكن قرارًا منفصلًا، وإنما جاء بعد دراسة مجموعة من الاعتبارات العسكرية والميدانية، من بينها جاهزية القوات والظروف المحيطة بالقناة والموقف الإسرائيلي والتنسيق مع الجبهة السورية.
ومن هنا تأتي أهمية شهادة الجمسي، باعتباره كان على رأس هيئة العمليات، وهي الجهة التي ارتبط دورها بالتخطيط العملياتي للحرب ودراسة توقيتها.
الساعات الأولى للعبور
مع انطلاق العمليات في السادس من أكتوبر، تتغير طبيعة الرواية من التخطيط إلى المتابعة اليومية للمعركة.
ويرصد الجمسي الضربة الجوية والقصف المدفعي ثم عبور القوات المصرية قناة السويس، وفتح الثغرات في الساتر الترابي، وإنشاء الكباري ونقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
ولا يقدم المشهد من منظور وحدة عسكرية واحدة، وإنما من زاوية القيادة التي تتابع تطورات الجبهة بأكملها، وتتعامل مع المعلومات المتغيرة وردود الفعل الإسرائيلية والقرارات التي اتخذتها القيادة المصرية مع تطور المعركة.
وتكشف هذه الرواية كيف انتقلت الخطة الموضوعة مسبقًا من الخرائط وغرف العمليات إلى مواجهة عسكرية متغيرة على الأرض.
خط بارليف.. من التحصينات إلى العبور
يخصص الكتاب مساحة مهمة لعملية اختراق التحصينات الإسرائيلية شرق قناة السويس، باعتبارها واحدة من أبرز المهام التي واجهت القوات المصرية في بداية الحرب.
ويعرض الجمسي عملية التعامل مع الساتر الترابي وفتح الممرات أمام القوات، ثم إنشاء الكباري وتأمين رؤوس الكباري وتثبيتها، إلى جانب مواجهة الهجمات المضادة.
ومن خلال هذا السرد يظهر خط بارليف باعتباره جزءًا من منظومة دفاعية متكاملة، تطلب تجاوزها تنسيقًا بين عدد كبير من الأسلحة والتشكيلات، وليس مجرد عملية عبور للقناة.
ماذا حدث عند تطوير الهجوم شرقًا؟
تتوقف المذكرات عند واحدة من أكثر مراحل حرب أكتوبر إثارة للجدل في الدراسات العسكرية، وهي قرار تطوير الهجوم شرقًا بعد نجاح عملية العبور.
ويعرض الجمسي الظروف التي أحاطت بهذه المرحلة، خصوصًا في ظل التطورات التي شهدتها الجبهة السورية، وما ترتب عليها من ضغوط عسكرية وسياسية.
وتبرز هنا مجموعة من الأسئلة المتعلقة بحدود التقدم شرق القناة، ومدى الحفاظ على الحماية التي وفرتها مظلة الدفاع الجوي، وكذلك العلاقة بين الأهداف العسكرية والحسابات السياسية.
ولهذا تكتسب رواية الجمسي أهمية خاصة عند مقارنتها بشهادات أخرى لقادة الحرب، وعلى رأسها مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، إذ تمثل مسألة تطوير الهجوم والثغرة إحدى أبرز نقاط الاختلاف والنقاش في الروايات المتعلقة بالحرب.
الثغرة.. تغير مسار الأيام الأخيرة
ومع وصول الحرب إلى مراحلها الأخيرة، يتناول الجمسي تطورات ثغرة الدفرسوار ونجاح القوات الإسرائيلية في العبور إلى غرب قناة السويس.
وتتابع المذكرات محاولات التعامل مع الوضع العسكري الجديد، في وقت أصبحت فيه المعركة مرتبطة بصورة أكبر بالتحركات السياسية الدولية، مع تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ومجلس الأمن في مسار الأحداث والدفع نحو وقف إطلاق النار.
وتوضح هذه المرحلة كيف انتقلت الحرب تدريجيًا من مواجهة ميدانية مباشرة إلى أزمة تجمع بين الحسابات العسكرية والتحركات الدبلوماسية.
من غرفة العمليات إلى مفاوضات الكيلو 101
لا تتوقف رواية الجمسي عند إطلاق النار، بل تمتد إلى المرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار، عندما شارك في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية التي جرت عند الكيلو 101 على طريق القاهرة–السويس.
وفي هذه المرحلة تغيرت أدوات المواجهة؛ فبعد أن كانت الخرائط تستخدم لتحديد تحركات القوات، أصبحت تستخدم لتحديد مواقع الانتشار والفصل بين القوات.
وتناول المفاوضات قضايا مرتبطة بتثبيت وقف إطلاق النار، والأوضاع الميدانية، وإمدادات الجيش الثالث، وترتيبات فصل القوات.
وبذلك يقدم الجمسي الحرب والمفاوضات باعتبارهما حلقتين متصلتين، بدأت الأولى في ميدان القتال وانتهت الثانية إلى طاولة التفاوض.
لماذا تظل مذكرات الجمسي مهمة؟
تأتي أهمية الكتاب من كون مؤلفه كان جزءًا أساسيًا من القيادة العسكرية المصرية خلال حرب أكتوبر، وشاهدًا مباشرًا على مراحل التخطيط والتنفيذ والتعامل مع التطورات التي طرأت أثناء المعركة وبعدها.
لكن المذكرات، في الوقت نفسه، تظل رواية شخصية لصاحبها، وهو ما يجعل قراءتها التاريخية أكثر فائدة عند مقارنتها بوثائق الحرب وشهادات القادة الآخرين والمصادر المصرية والإسرائيلية والأمريكية.
وتزداد أهمية المقارنة في القضايا التي لا تزال محل نقاش، وفي مقدمتها تطوير الهجوم شرقًا، وثغرة الدفرسوار، وطبيعة القرارات التي اتخذتها القيادة خلال الأيام الأخيرة من الحرب.
ومن هذه الزاوية، لا تقدم مذكرات الجمسي رواية وحيدة ونهائية عن حرب أكتوبر، وإنما تمثل واحدة من الشهادات الرئيسية التي تساعد في فهم الحرب من داخل غرفة العمليات، إلى جانب مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي والرئيس الراحل أنور السادات وغيرهما ممن عاصروا تلك المرحلة.
متى صدرت مذكرات الجمسي؟
تشير سجلات الفهارس المصرية إلى صدور كتاب «مذكرات الجمسي: حرب أكتوبر 1973» عام 1989 عن المنشورات الشرقية، قبل أن تصدر له طبعات أخرى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، من بينها طبعة ثانية عام 1998 وطبعة عام 2003.
كما أعادت دار نهضة مصر إصدار الكتاب في طبعة حديثة تحت عنوان «مذكرات المشير الجمسي – يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973»، ليظل الكتاب واحدًا من أبرز المراجع الشخصية التي تناولت الحرب من منظور أحد كبار المسؤولين عن التخطيط العملياتي لها.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
تحليل.. الأسهم العالمية تستفيد من مؤشرات تباطؤ الاقتصاد الأمريكي
05 أكتوبر 2026 01:57 م
ارتفاع أسعار الذهب اليوم الإثنين.. عيار 21 يسجل 6150 جنيهًا والجنيه الذهب بـ49200
05 أكتوبر 2026 01:36 م
إدراج مادة الثقافة المالية ضمن مناهج الصف الثاني الثانوي العام المقبل
05 أكتوبر 2026 01:27 م
جهاز تنمية المشروعات يطلق الدورة الثامنة من معرض «تراثنا» 17 أكتوبر
05 أكتوبر 2026 12:07 م
الرقابة المالية تمنح 12 شركة موافقات لمزاولة أنشطة مالية غير مصرفية
05 أكتوبر 2026 12:06 م
وزير الزراعة في إسبانيا لبحث زيادة صادرات الحاصلات المصرية وفتح أسواق جديدة
05 أكتوبر 2026 11:12 ص
الأكثر قراءة
-
باسم عوض الله يكتب: ثقافات (١): ثقافة الاعتذار
-
جلسة حاسمة تحسم مصير ياسر إبراهيم مع الأهلي.. عرض ليبي بـ 1.5 مليون دولار يهدد استمراره
-
ارتفاع أسعار الذهب اليوم الإثنين.. عيار 21 يسجل 6150 جنيهًا والجنيه الذهب بـ49200
-
من الميدان إلى الشاشة.. حكايات نجوم خاضوا معركة أكتوبر بالزي العسكري
-
زد يطلب استعادة كباكا من الأهلي.. واللاعب ينتظر قرار عموتة لحسم مصيره
-
بعد إلغاء الدوري بسبب الحرب.. حكاية كأس أكتوبر وبطلها الزمالك
-
هاجمه دي زيربي واعتذر لفان بيرسي.. من هو حكم قمة الأهلي والزمالك؟
-
أوبريونوفيتش حكما لمباراة القمة بين الزمالك والأهلي
-
إلغاء مباراة الزمالك والجيش الرواندي في بطولة إفريقيا لكرة اليد
-
غياب رافينها يفتح الباب أمام حمزة عبد الكريم للمشاركة مع برشلونة أمام خيتافي
-
وزير التعليم: نعتز بالشراكة الهامة والممتدة مع الجانب الفرنسي
-
بعد إلغاء الدوري بسبب الحرب.. حكاية كأس أكتوبر وبطلها الزمالك
-
اتفاقية جديدة بين إيجاس وشيفرون العالمية باستثمارات 88 مليون دولار
-
علاء ثابت مسلم يكتب: يوم المعلم.. نحن لا نُعلّم أبناءكم الدروس فقط
-
السيسي: الدولة المصرية قوية بمؤسساتها وقادرة على حماية أمنها القومي وصون مقدراتها
أكثر الكلمات انتشاراً