الإثنين، 12 أكتوبر 2026

09:17 م

أحمد محارم يكتب: القوة الناعمة المصرية.. ما أراه من أمريكا

الإثنين، 12 أكتوبر 2026 07:45 م

أحمد محارم

أحمد محارم

أعيش في أمريكا منذ سنوات، وألاحظ ظاهرة لافتة: أناس كثيرون هنا يعرفون عن مصر أكثر مما تتوقع. لم يذهبوا إليها، ولا يتابعون أخبارها، لكن اسمها يأتي في الحديث بسهولة. الأهرامات بالطبع. وتاريخها الطويل. ومصري واحد أو اثنان قابلوهما في العمل وما زالوا يتذكرونهن بخير.
هذا ما دفعني للتفكير في سؤال لم أجد له إجابة في الكتب: كيف يصل بلد إلى ذاكرة أناس لم يروه؟
الإجابة، على ما أرى، لا تكون بالأرقام. الإحصاءات تحسب الناتج والصادرات، ولا تقيس شيئًا اسمه الألفة. وهناك شيء أهم من الإحصاءات تمامًا: أن اسم بلدك يُذكر في مجلس لا علاقة له بك، من غير دعوة ولا مناسبة.
لذلك كتبت هذه السطور. لست باحثًا في العلاقات الدولية، ولا أريد استعراضًا لعظمة الحضارة المصرية. أريد أن أفهم من أين يأتي هذا الحضور، ومن يصونه، وهل نحن نصونه فعلًا أم نكتفي بالتباهي به.
*أنت الصورة* 
من كل ما تملكه مصر في الخارج، لا شيء أثمن من المصري نفسه.
الطبيب المصري الذي يعالج مرضاه بإتقان، والمهندس الذي يُلزم نفسه بمواعيده، والأستاذ الجامعي الذي يشرح لطلابه بصبر. هؤلاء لا يدرون غالبًا أنهم سفراء. لا حملة إعلانية ممولة تصنع ما يصنعه أسبوع واحد من العمل الجاد.
والحق أننا نحسب حساب الجالية بحساب خاطئ. نعد أفرادها ونضرب في متوسط التحويلات الشهرية، وكأن قيمة مهاجر تُقاس بما يرسله فقط. والمغيب في هذه الحسابات هو ما يبنيه هؤلاء من علاقات. جار تعرف على أسرة مصرية فوجدها تسأل عن جيرانه قبل أن تسأل عن نفسها. زميل اكتشف أن زميله المصري لا يخلف وعدًا. طالب درس بجوار مصريين فحفظ عن مصر ما لا تحفظه له مقالة.
صور كهذه تُصنع على مدى سنوات، وتُهدم في دقيقة واحدة.
وعلينا نحن المقيمين هنا أن ندرك هذا. الحنين وحده لا يكفي، والاحتفال بالعيد القومي مرة في السنة لا يبني شيئًا. المطلوب ببساطة أن ننجح في ما نفعل، وأن نشارك في حياة المكان الذي يأوينا، وأن نخرج من دوائر الجالية المغلقة إلى المجتمع من حولنا.
ثم هناك أولادنا. القول لهم إن مصر عظيمة غير كافٍ، لأن العظمة بالنسبة لطفل نشأ هنا كلام مجرد. الأجدى أن نصطحبهم إليها، وأن يمشوا في شوارعها، وأن يقابلوا أقاربهم فيها، حتى تصير عنده ذاكرة خاصة بها لا يستعيرها منا.
*بيوت الله في الغربة* 
من موقعي داخل الجالية، أرى ما لا يراه من يقرأ عنها من بعيد.
الكنيسة القبطية هنا ليست مكان صلاة فحسب. هي المكان الذي يلتقي فيه أبناء الجيل الثاني والثالث بلغتهم، ويتعرفون على تراث لم يعيشوه، وتُقام فيها أعراس وعزاءات ولقاءات تجعل الغربة أقل غربة. والأزهر، رغم أن مؤسسته البحثية والتعليمية تقع في القاهرة، له حضور يعرفه المسلمون في أنحاء العالم، اسمه مرادف للعلم عند قطاعات واسعة منهم.
الفائدة من هذا كله تتجاوز الجاليات أنفسها. كل شاب نشأ على صلة بالأزهر أو بالكنيسة القبطية هو إنسان عرف مصر من الداخل، وسينقل ما عرفه حين يتكلم عنها أمام من حوله.
*خريجو الجامعات المصرية* 
قبل أن أفكر في المستقبل، أتذكر الماضي القريب.
الجامعات المصرية استقبلت لعقود طلبة من كل الدول العربية ودول إفريقيا. أطباء ومهندسون وقضاة في بلدان عديدة درسوا في القاهرة أو الإسكندرية، وأكلوا من طعامها وجلسوا مع أهلها وتعلموا لغتها كما تُقال لا كما تُدرَّس. اسأل أي واحد منهم عن سنوات الدراسة، فستسمع ذكريات لا علاقة لها بالمناهج.
المشكلة أن هذه العلاقة تنقطع غالبًا يوم التخرج. يستلم الطالب شهادته ويسافر، وتنتهي القصة. بينما كان يمكن أن تستمر: لقاءات لخريجين، وتعاون في أبحاث، وتبادل زيارات، وأبواب تفتح لطلبة جدد بفضل علاقة قديمة. الجامعات التي تفعل هذا تضاعف أثرها في الخارج دون أن تكلفها ميزانية إضافية.
*إلى أين؟* 
لن أعدد ما تملكه مصر؛ فالقائمة معروفة والتعداد فيها نوع من الكسل. الأجدى أن نسأل: ماذا نفعل بما نملك؟
لدينا تلاوة قرآنية يعرفها العالم الإسلامي كله، ومؤسستان دينيتان عريقتان، وجامعات تخرجت فيها أجيال من العرب والأفارقة، وآثار ما تزال تستقطب الباحثين. كل بند من هذه البنود يحتاج عملًا لا كلامًا. التلاوة تحتاج قراء شباب جدد يُحفَظون ويُعتنى بهم قبل أن يكبر السن الحالي على الحفاظ وحده. والجامعات تحتاج تعليمًا يستحق أن يسافر الطالب من أجله، لا شهادة يتسامح بها. والآثار تحتاج من يعرضها للعالم بالصورة التي تليق بها، لا بالصورة التي اعتدناها.
أما نحن المصريون في الخارج، فدورنا مختلف قليلًا. نحن نتحرك داخل مؤسسات أمريكية، ونجلس في اجتماعات ومحاضرات وغرف عمل، ونقابل كل يوم أناسًا لا يعرفون عن مصر إلا ما نحن أنفسنا نخبرهم به. لست أطالب أحدًا أن يتحول إلى دبلوماسي متطوع. يكفي أن تكون صادقًا في عملك، ومنفتحًا على جيرانك، وعارفًا ببلدك معرفة من قرأ وشاهد وسافر، لا معرفة من المنشورات.
في النهاية، مصر ليست في كتب التاريخ فقط. مصر في الطبيب الذي فحص مريضه أمس في شيكاغو، وفي الخريج الذي يزال يحكي لأولاده عن شارع في مدينة نصر، وفي القارئ الذي تعلّم في الأزهر فصار اسمه خبرًا في بلد بعيد.
التاريخ أعطانا رصيدًا. والرصيد الذي لا يُدار يتبخر.
وهذا ما تقوله أمريكا لمن يسمع.

الرابط المختصر

search