الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

09:51 م

علاء البدري يكتب: شفرة السادات.. خطة الخداع الاستراتيجي التي أربكت العالم في أكتوبر

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 08:31 م

رئيس التحرير

رئيس التحرير

في حوار صحفي أجريته عام 1999 مع الدكتور عصمت عبد المجيد، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، حكى لي واقعة لافتة تكشف جانبا من أسرار التفكير الاستراتيجي للرئيس الراحل أنور السادات قبل حرب أكتوبر 1973.

أخبرني عبد المجيد أنه تم تكليفه رسميا، عندما كان مندوبا لمصر لدى الأمم المتحدة قبل الحرب، التواصل مع مندوبي الدول الكبرى، وتحريك الاتصالات الدبلوماسية في اتجاه تخفيف حدة الصراع مع إسرائيل، وإظهار الرغبة في العودة إلى مائدة الحوار. لكنه اكتشف لاحقا أنه استُخدم، دون أن يعرف حقيقة المهمة وأبعادها، ضمن عملية خداع أوسع استهدفت إسرائيل والعالم.

خلال حواري مع الدكتور عصمت عبد المجيد  عام ١٩٩٩

تأمل معي عزيزي القارئ هذه المفارقة، دبلوماسي مصري يتحرك في المحافل الدولية بحثا عن مخرج سياسي، بينما كانت الدولة المصرية قد اتخذت فعلا قرار الحرب، وبدأت فعلا في تنفيذ الخطة في سرية تامة وصارمة لاستعادة أرضها المحتلة.

هنا لا نتحدث فقط عن مجرد مناورة سياسية، بل عن عقل استراتيجي أدرك أن المعركة لا تبدأ بالضرورة مع إطلاق الرصاصة الأولى، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، في غرف السياسة والاستخبارات، وفي الطريقة التي يفكر بها الخصم ويفسر بها ما يراه ويسمعه.

كان الرئيس السادات يدرك وقتها أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يمكن مواجهته بالسلاح وحده، وأن تحقيق المفاجأة قد يكون السبيل إلى تغيير موازين القوة وفتح الطريق أمام الجيش المصري لعبور قناة السويس وتحطيم أسطورة خط بارليف.

وفي هذا السياق، يجب ألا ننسى ما حدث في يوليو 1972، حيث اتخذ السادات قرارا بإنهاء مهمة أعداد كبيرة من الخبراء العسكريين السوفييت في مصر، وسط خلافات حقيقية مع موسكو بشأن الدعم العسكري والسياسي. وقد أثار القرار تساؤلات حول مستقبل القدرات العسكرية المصرية، وأسهم في تكوين انطباعات بأن القاهرة لا تستعد لحرب قريبة. ولم يكن القرار مجرد خدعة كما قد يتصور البعض، لكنه جاء في سياق سياسي واستراتيجي أوسع، استفادت منه خطة التضليل المصرية في إرباك حسابات الخصم.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك محاولات وتوجهات سياسية مؤثرة، ففي فبراير 1973، حمل حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي المصري، إلى هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي، رسائل تتعلق بتصورات مصر للتسوية السياسية، وظلت هذه الاتصالات قائمة، وبقي احتمال الحل الدبلوماسي حاضرا في المشهد الدولي، بينما كانت القيادة المصرية تستعد فعليا وواقعيا لتنفيذ خطة الحرب.

وهنا أيها القارئ العزيز ينبغي أن نتوقف سويا ونطرح التساؤل الهام، هل كان السادات يبحث عن السلام أم يستعد للحرب؟ الحقيقة أن السياسة والحرب لم تكونا في حساباته طريقين متناقضين بالضرورة. كان يريد تحريك القوى الدولية، وكسر الجمود الذي أعقب هزيمة 1967، لكنه كان يدرك أيضا أن استمرار الاحتلال دون تغيير حقيقي في موازين القوة لن يجبر إسرائيل على تقديم تنازلات جوهرية.

ومع اقتراب موعد المعركة، أصبحت إدارة المعلومات أكثر أهمية، ففي الأيام الأولى من أكتوبر 1973، كانت هناك تحركات عسكرية مصرية يمكن أن تثير الشكوك، لكن الخطة اعتمدت على تداخل الاستعدادات الحقيقية مع أنشطة عسكرية مألوفة، وعلى منع تحول المؤشرات المتفرقة إلى إنذار واضح بموعد الهجوم.

ومن الوقائع اللافتة لنا والتي وقفت عندها كثيرا وأنا أخطط لكتابة هذا المقال، وجدت أن إجراءات التعبئة التي سبقت الحرب لم تمنع استمرار الانطباع بأن المواجهة ليست وشيكة.

فقد أعلنت مصر في الرابع من أكتوبر تسريح جنود الاحتياط الذين استُدعوا قبل أيام، في حين استمرت الاستعدادات الفعلية للحرب.

وأسهم هذا المشهد في تعزيز الاعتقاد بأن حالة الاستنفار تتراجع، بينما كانت ساعة الصفر تقترب من دقائقها الأخيرة.

ولم يكن التحدي مقتصرا على تضليل إسرائيل، بل امتد إلى ضرورة الحفاظ على سرية موعد الهجوم داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بحيث تصل التعليمات إلى القادة والوحدات في التوقيت المناسب، دون أن يؤدي انتشار المعلومات مبكرا إلى كشف الخطة.

والآن عزيزي القارئ تخيل معي حجم الانضباط المطلوب لتنفيذ عملية بهذا الحجم، مئات الآلاف من الجنود يتحركون في إطار خطة تتطلب السرية والتنسيق الدقيق، فيما يتعين على القيادة منع التسريبات والحفاظ على عنصر المفاجأة حتى اللحظة الأخيرة.

لكن الخداع المصري لم يكن كاملا، ولم تكن إسرائيل محرومة من المعلومات والتحذيرات، فقد رصدت أجهزتها مؤشرات على الاستعدادات المصرية والسورية، إلا أن تقديراتها الاستخباراتية تمسكت بفرضيتها ومفهومها بأن العرب لن يشنوا حربا ما لم تتوافر لهم شروط معينة تضمن فرص نجاحها وفق الحسابات الإسرائيلية.

وهنا تكمن واحدة من أهم مفارقات حرب أكتوبر، لم تكن المشكلة أن إسرائيل لم تر المؤشرات، بل أنها لم تمنحها التفسير الصحيح. فقد أسهمت الثقة المفرطة بالتفوق العسكري، والاستهانة بقدرة مصر على اتخاذ قرار الحرب وتنفيذه، في تحويل التحذيرات إلى معلومات لم تنتج الاستعداد المطلوب.

وفي السادس من أكتوبر 1973، انطلقت عملية بدر، وعبرت القوات المصرية قناة السويس، ونجحت في اقتحام خط بارليف وتحقيق مفاجأة استراتيجية وعملياتية أربكت الحسابات الإسرائيلية في الساعات الأولى من الحرب.

ورغم أن هدفي مما اكتبه في مقالي هذا هو قراءة عميقة لخطة الخداع الاستراتيجي التي أطلقها الرئيس السادات بمهارة، إلا أنه من الإنصاف التاريخي ألا ننسب الانتصار إلى الخداع وحده، فقد كان العبور ثمرة تخطيط عسكري دقيق، وتدريب مكثف، واستخدام مدروس للمدفعية ووسائل العبور، وبناء مظلة دفاع جوي ساعدت القوات المصرية على العمل في ظروف بالغة الصعوبة، فضلا عن شجاعة الجنود وكفاءة القيادات والايمان الشديد بالنصر.

عزيزي القارئ هناك رسالة مهمة علينا أن نتأملها اليوم.

فالقوة لا تقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، بل تشمل القدرة على التخطيط، وإدارة المعلومات، وفهم عقل الخصم، والجمع بين التحرك السياسي والاستعداد العسكري دون كشف الأهداف الحقيقية قبل أوانها.

لقد كان عبور قناة السويس أكثر من عملية عسكرية ناجحة، كان تحولا في الإرادة والثقة والقدرة على تغيير الواقع.

أما ما سبق العبور، فيكشف أن بعض المعارك تحسم بداياتها في العقول قبل أن تحسمها المدافع على الأرض.

وهكذا، لم يكن انتصار أكتوبر مجرد عبور لقناة السويس، بل عبورا من أسر الحسابات الإسرائيلية إلى استعادة مصر زمام المبادرة، وفرض واقع جديد أعاد تشكيل معادلات الحرب والسلام في المنطقة حتى هذه اللحظة وأنت تختتم قراءة سطوري هذه.

ويبقى القول الفصل:" ولنا في حرب أكتوبر المجيدة عبر يجب أن نستلهم منها رؤية المستقبل".

الرابط المختصر

search