الجمعة، 16 أكتوبر 2026

04:06 م

هاني مصطفى يكتب: السيرة الهلالية.. والغضروف الهلالي!

الجمعة، 16 أكتوبر 2026 02:15 م

هاني مصطفى

هاني مصطفى

 "أول كلامي أصلّي على النبي المختار .. وأقول يا دهر مالك ومالي ، كل ما أقول تصفالي تكدّر صفالي ! "

بهذه التنهيدة الخالدة التي تتردد على أوتار الربابة، كان الراوي يمهد لتقلبات الأيام بصوت دافئ شجين، قبل أن يستثير حماسة المستمعين لصولات بني هلال وجولاتهم . 

وكان أحدنا – وهو يتابع حكايات الشجاعة والتغريبة – يرى في نفسه شيئاً من روح "أبو زيد الهلالي “ وهو يجوب الفيافي والقفار ، أو يحس بجسارة ”دياب بن غانم " وهو يتحدى العواتي والصعاب . 

نركض في الميدان اليومي، ونطوي المسافات ، ونقطع المواعيد ، وكأننا فرسان لا يرهقهم مسير ولا تثنيهم كبوة !

حتى تفاجئك الأيام بمفارقة ساخرة تأتيك من حيث لا تحتسب..

 لا بنبال الأعداء ولا بصهيل الخيل في ساحة القتال ، بل بوقفة إجبارية يفرضها عليك "هلال" آخر خالص! 

ليس هلال التغريبة التي قطعوا فيها القفار ، ولا هلال السماء.. بل “الغضروف الهلالي” القابع بكسلٍ وهدوء في تجويف الركبة !

يا لسخرية القدر ودفء تعجبها! 

كيف لهذا النسيج الرقيق المقوس كحرف (C) ، والذي لا يتجاوز حجمه ميليمترات معدودة.، أن يقف في وجه تلك الجحافل من الأحلام والطموحات ؟

 ذلك الجار الصغير ، الذي أودعه الخالق ليكون وسادة لامتصاص الصدمات ورمانة ميزان الحركة، قرر فجأة – إثر حركة خاطئة أو جهد زائد – أن يمارس صلاحياته السيادية ، فيُصدر أمراً لا يُرد : " توقف تام للرحلة!" .

وهنا.، تُعزف على أوتار الجسد قطعة أدبية أخرى من السيرة ؛ 

حين يترجل الفارس مرغماً ، وينظر إلى خيله الحبيبة تحمحم دون حركة ! 

فمن الناحية الميكانيكية البسيطة ، يعود المفصل العظيم عاجزاً عن الثني أو الانسياب ؛ يصبح الثبات توجساً ، والخطوة البسيطة حساباً دقيقاً ، وكأن تلك الماكينة البشرية الهائلة توقفت بسبب شريحة صغيرة مجهرية !

أمّا من الناحية النفسية.. فما أشدها من لحظة صدق مع النفس ؛ حين يتباطأ الجسد رغماً عنه ، وتتروض عزة النفس وغرور القوة ، ليراقب الإنسان العابرين بنشاط وسلاسة ، ويدرك في لمحة خاطفة كم هو مخلوق ضعيف وهش ، 

تعني له "الخطوة دون ألم " أسمى معاني النعمة والسلام .

ولكن.. هل نسخر اعتراضاً ؟ حاشا لله ..

فبين السخرية والرضا يقع الجوهر ؛ لا اعتراض على حكم الله وقدره ، 

فسبحانه من جعل في أصغر أجزاء خلقنا آية تذكرنا بدوام الحاجة إليه ، وبأن قوتنا وحركتنا ما هي إلا عارية واستردادها بيده ولطفه . 

إن هذه الوقفات الإجبارية ليست إلا استراحة محارب ، ورسالة لطيفة لمراجعة النفس ولإدراك قيمة النعم المغفول عنها ؛ فنعم بسيطة كالمشي الهادئ أو السجود بمرونة هي كنوز لا تُقدّر بمال .

والأمل في الله قائمٌ لا ينقطع ، فلا يأس مع رحمته . 

وكما تلتئم الأنسجة وتترمم الأجساد بعناية الشافي، تلتئم الأرواح بالرضا والتسليم ، ليعود الإنسان لمواصلة سعيه وطموحه .. ولكن هذه المرة بقلب أكثر تواضعاً ، وعقل أكثر حذراً ، ومركبة تشهد أن القدر فوق كل تدبير !

حفظنا الله وإياكم من كل هلالٍ غادر .

الرابط المختصر

search