الجمعة، 30 أكتوبر 2026

01:51 م

هاني مصطفي يكتب: "عتبة السيدة"

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 12:50 م

هاني مصطفى

هاني مصطفى

«ربنا يجعلها عتبة مبروكة!».. 
دعوةٌ مصريةٌ أصيلة يلهج بها المحبون عند كل بداية ، وكأن العتبة في وجدان المصريين لم تكن يوماً مجرد بابٍ خشبي أو حديدي يعبره الإنسان عابراً ، 
بل هي المدخل لكل خير ، ومفتاح البركات والنفحات .
أما عند أهل العرفان والسلوك ، فالأمر أعمق وأصفى ؛ فالعتبة عندهم 
هي «منطقة البرزخ بين صخب الدنيا وسلام اليقين» . 
فبمجرد أن تتجاوز قدمك عتبة هذا المقام المبارك ، ينقطع صخب العالم الخارجي ، وتتلاشى هموم الأرض ، وتبدأ رحلة الروح المعارجية في رحاب من أشرقت بأرض مصر أنوارها .
وهي من هي؟.. 
هي السيدة نفيسة بنت السيد حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .
هي «نفيسة العلم» و«كريمة الدارين» ، التي جمعت بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة ، وتردد على محرابها العلماء وطلبة العلم ، حتى إن إمام دار الهجرة الإمام الشافعي كان يجلّها ويأتيها مُتعَلّماً ومسترشداً . 
وهي «أم العواجز» التي ما خاب من لجأ إلى حماها ، 
و«حبيبة المصريين وقرة عين مصر».. 
تلك الزاهدة التي جعلت من الدنيا جسراً للآخرة ، حتى أنها حفرت قبرها بيديها الشريفتين داخل بيتها ، فكانت تطيل الجلوس فيه ، تختم القرآن آية آية وتبكي خشوعاً ، وتناجي ربها وكأنها ترى الحساب عياناً ؛ لتتزود للدار الباقية وهي في قمة شبابها ونورها ، فما ماتت إلا وقد حفرت في قلوبنا وعقولنا معنى اليقين المطلق!
ومن أجمل ما قيل عنها ...
نَفِيسَةُ دُرَّةٌ مِنْ كَنْزِ طَـٰهَٰ ... بِعَاطِفَةِ ٱلْعَوَارِفِ قَدْ حَبَاهَا
هِيَ ٱلنُّورُ ٱلْمُضِيءُ بِأَرْضِ مِصْرٍ ... نَفِيسَةُ دُرَّةٌ رَبِّي صَفَاهَا
حين تقطع تلك المسافة المباركة في قلب القاهرة المحروسة —ذات الألف وثمانمائة متر التي تفصل بين مقام أم هاشم السيدة زينب رضي الله عنها ومقام نفيسة العلم
فكأنما تنتقل من محطة "النداء والأمومة" إلى محطة "السكينة والعلم واليقين" . هي رحلة قصيرة في الشارع ، لكنها معراج طويل للروح بين دُرّتي عِقد آل البيت في مصر .
وهنا على عتبتها الطاهرة ، يتبدل شعور القلب ؛ تخلع على الباب أوزار الهموم ، وتدخل إلى واحة ناضرة من النور والرضا ، حيث كانت تقضي ليلها بين ركوع وسجود ، ذاكرة لله ، عارفة بأسرار الشريعة والحقيقة .
وكم من قلب ضاقت به السبل ، وتحالفت عليه كروب الزمان ، فلجأ إلى عتبتها المباركة ، فوجد الدواء والشفاء بالوِرد المأثور الذي خلّفته لأهل الصدق واليقين ؛ حيث يُروى أن من دَهَمَهُ همُُّ أو كرب ، توضأ وصلى ركعتين لله بنية قضاء الحاجة ، وقرأ فاتحة الكتاب مرة ، وسورة الإخلاص إحدى عشرة مرة ، وسبّح الله إحدى عشرة مرة ، ثم ناجى ربه بكلماتها الخالدة التي تذوب فيها الجبال :
كَمْ حَارَبَتْنِي شِدَّةٌ بِجَيْشِهَا .... فَضَاقَ صَدْرِي مِنْ لَقَاهَا وَانْزَعَجْ
حَتَّى إِذَا أَيِسْتُ مِنْ زَوَالِهَا ... جَاءَتْنِي الأَلْطَافُ تَسْعَى بِالْفَرَجْ
وحين يبلغ اليأس بالعبد مداه ، وتتأهب الهموم للفتك بروحه ، 
تأتي "الألطاف الإلهية" تسعى حثيثة للفرج ، لتنقلب عتمة الضيق إلى إشراق السعة والرضا .

إن الوقوف على عتبة السيدة نفيسة ليس مجرد زيارة لمكان ، بل هو تجديد للعهد مع أهل النور ، وتأكيد على أن #عاصمة_العشق المحمدي في مصر محروسة ببركاتهم ، موصولة بمددهم .
وها نحن نرفع أكف الضراعة في رحاب سيرتها الطاهرة ، متوسلين إلى الله بجاهها وبجاه جدها المصطفى ﷺ بدعاء فضيلة الشيخ عبد السلام علي شتا رحمه الله :
اللهم يا من لا يشغله شأن عن شأن إجعل شغلى بذكرك ما أحييتنى حتى ألقاك قرير العين رطب اللسان فائزا بما أعددته لعبادك الصالحين من خير يدوم ونعيم لا يزول 
بسر إسمك العظيم الأعظم الذى لا ترد به من قصدك ودعاك » .
ياربي تقبل ، وصلِِ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين .
ومدد .. يا نفيسة العلم ! 💚

الرابط المختصر

search