الجمعة، 06 نوفمبر 2026

03:49 م

هشام عياد يكتب: سنوات من العمر في محطات الروتين.. حين يلتهم الظلم الوظيفي الأعمار

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 01:58 م

هشام عياد

هشام عياد

حين يلتفت الإنسان إلى الوراء بعد أن يتخطى حاجز معين من العمر قضاها في محرقة الروتين الوظيفي، يتساءل بمرارة أحيانا وبحكمة العارف أحيانا أخرى، هل أخذت منا الوظيفة أكثر مما أعطتنا؟ 

وهل كان هذا الدرب الذي سلكناه بكامل الإرادة، وبذلنا فيه أقصى الجهد لنصنع حياة آمنة ومستقرة لأنفسنا ولأولادنا، يستحق كل هذه التضحيات؟

سنوات طويلة مضت، كأنها وميض بصر أو مرور قطار فائق السرعة، تركت خلفها محطات كان لابد للمرء أن يقف عندها طويلا ليدقق النظر في رحلة العمر هذه، التي تراكمت فيها النجاحات والإخفاقات، 

ويبقي السؤال الثقيل يتردد في صمت، ما الذي تبقى من الروح، وهل كانت الخسائر النفسية هي الثمن الخفي لما وصلنا إليه الآن؟

فمنذ اليوم الأول، دخلنا عالم العمل ونحن نحمل إيمانا راسخا بأن الإجادة هي جواز السفر الوحيد، وأن الالتزام والابتكار هما قاطرة التقدم. كنا نؤمن بأن الرزق سيطارد الساعي بصدق، وبأن الضمير الحي هو البوصلة التي لا تخطئ. 

وسط هذا الإيمان عشنا لا نلتفت لمن يختصرون الطرق، ولا لمن ينتزعون المناصب بغير استحقاق، ولا لمن يجيدون فنون الالتفاف حول القيادة لاقتطاع قطعة من الحلوى لا تقرها كفاءة ولا جهد.

عشنا نؤمن بأن من يحمل طهارة اليد ونقاء الضمير، ويكتفي بأن يجعل من عمله نموذجا يعلن عن نفسه، لا يمكن إلا أن ينصفه القدر يوما. 

تحركنا في محيط العمل بقاعدة إنسانية نبيلة، لا نحب الأذى، نقف بجانب المظلوم، نرد الإساءة بالحسنى، نجبر الخواطر، ولا نرد السيئة بالسيئة. ولكن، لأسف الشديد، كثيرا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن،

 إذ نصطدم بحقيقة مؤلمة مفادها أن المعايير في كثير من الأحيان ليست للكفاءات، وأن قواعد اللعبة لا تقاس بذلك المفهوم الشريف الذي ظنناه أقصر طريق للنجاح.

الحياة الوظيفية بحق مجهدة ومملة وفي أغلب مفاصلها غير عادلة. 

حين تنظر إلى شريط العمر، تراه يمر كقطار سريع ترك خلفه محطات كان واجبا أن نقف فيها لنتأمل الواقفين المنتظرين لدورهم، أولئك الذين دفعوا تذاكر باهظة من أعمارهم وصحتهم وأعصابهم، ويستحقون اللحاق بمن سبقوهم. 

لكن، يا للأسف، تجد أن هناك من حظي بمعرفة مشغل القطار، ذلك المتحكم الخفي الذي يقرر من يقف ومن يركب، ومن عليه أن ينتظر القطار البطيء الذي لن يبلغ غايته إلا بعد أن يتم الراكب عامه الستين، ليأخذ في النهاية حفنة من الفتات نظير سنوات طويلة قضاها واقفا على المحطة يشاهد راكبي القطار السريع وهم يلوحون له من الشبابيك المغلقة.

إنها مأساة المنظومة حين يتلفها الإنسان المتحكم، ومن وضعه ووظفه على زر التشغيل الكهربائي للتحكم في أرزاق العباد ومستقبلهم. معايير تسير بها الإدارة في كثير من المؤسسات، تحمل في طياتها الكثير من الخطأ والظلم للأغلبية الساحقة من البشر. لا يستفيد من هذه المنظومة الخاطئة إلا قلة قليلة، ساعدتها الظروف والتقارب المصطنع مع نخبة معينة، بلا اعتبار لأقدمية، ولا لخبرة حقيقية، ولا لكفاءة ميدانية، بل امتلكوا فقط قدرة فائقة على التسلق والقفز على أكتاف الآخرين.

 وفي المقابل، يدفع أصحاب الضمائر الحية الثمن، ويكتفون بالعزاء النفسي الوحيد،

 أنهم أدوا الأمانة على أكمل وجه، وظلوا أوفياء لأنفسهم ولمهنتهم حتى آخر المدى.

إصلاح هذا الخلل، وإعادة النظر في تلك المنظومة الإدارية البالية، يتطلب جهدا كبيرا وإيمانا حقيقيا بأهمية الاعتراف بالأخطاء وضرورة تصحيحها.

 إننا بحاجة ماسة لثقافة إدارية تنصف من يجيد لا من يصطنع، من يفيد لا من يستفيد، ومن يعمل بضمير لا من يبيع الوهم للناس. فالحياة أقصر من أن تقضى في انتظار قطار عادل قد لا يأتي، والعمر أثمن من أن يهدى لروتين ظالم لا يقدر معنى الإنسان.

الرابط المختصر

search