الجمعة، 06 نوفمبر 2026

12:27 م

هاني مصطفي يكتب: مدد مصر واجب

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 11:31 ص

هاني مصطفى

هاني مصطفى

في عالم السياسة وتوازنات القوى ، لا تُقاس العلاقات بين الدول بحسابات المصالح الضيقة أو الجوار الجغرافي العابر ، بل تُقاس بـ «العمق الاستراتيجي والمصير المشترك».

إن العلاقات المصرية السعودية لم تكن يوماً مجرد محطات في جدول الأعمال الدبلوماسي ، بل هي الشريان النابض لأمن المنطقة برمتها. 

فأمن أرض الحرمين الشريفين والجزيرة العربية ليس مجرد ملف خارجي بالنسبة لمصر ، بل هو خط دفاع أول عن أمنها القومي ذاته. 

ومن هنا ، فإن التحرك المصري حين تستدعي اللحظات التاريخية حماية الأشقاء أو تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، لا ينبع من ترف سياسي ، بل من وعي استراتيجي نافذ يدرك أن هدم حوائط الصد العربي هو استهداف للجميع ؛ فبينما تحرس الجيوش الأوطان ، فإن الأرواح هي وحدها التي تحرس المعنى .

قد يظن قاصرو النظر أن استناد الشقيق إلى شقيقه ، أو إلتجاء أرض المملكة والخليج إلى قوة مصر وعضدها العسكري في أوقات الشدائد ، ينقص من قدر طرف أو يرفع من شأن آخر . 

وهيهات هيهات !

فالكبار يعرفون أن الاستناد إلى العضد وقت الخطر هو عين العقل والحكمة ، وأن هبة مصر لمساندة أشقائها وإرسال قواتها لم يكن يوماً تفضلاً ولا منّة ، بل هو واجب الأخوة ودين التاريخ؛ فـ «مدد مصر واجب» , تماماً كما أن وقوف الأشقاء مع مصر في أزماتها واجب متبادل يكتمل به الجناحان . 

فالمساعدة بين أبناء الأمة الواحدة رفعة للجميع ، وتكامل يحفظ للجسد العربي هيبته واستقراره.

وهذا الالتجاء والالتفاف ليس نبت اليوم ولا وليد المعاهدات الحديثة ، بل له جذور ضاربة في عمق التاريخ الوجداني لأمتنا .

ألم تكن أرض مصر دائماً هي الملاذ الآمن والوسادة الحنونة التي تفيء إليها قلوب وأرواح أهل الحجاز وآل البيت الأطهار حين تشتد بهم الخطوب ؟

حين ضاقت الدنيا في المشرق ، تطلعت عين السيدة زينب والسيدة نفيسة — رضي الله عنهما — ومن معهما من بضعة المصطفى ﷺ إلى مصر . 

بل وتعلقت بها القلوب حين التجأ الكرام إلى مصر الأمينة والحارسة بثقلها القوي وحضنها الرحيم برأس الإمام الحسين رضي الله عنه ، وبباقي الأطهار والعلماء والأتقياء . 

لم يكن ذلك مجرد انتقال جغرافي ، بل كان استئماناً لمصر وأهلها على أغلى ما تملك أرض الحجاز ؛ فوجدن فيها الحصن المنيع ، والقلب الرحيم ، والترحاب الذي أسبغ على تراب هذه الأرض قدسية ومحبة تسري في عروق المصريين حتى اليوم .

استقبل المصريون آل البيت وأهل الحجاز بالحب والتبجيل ، وفتحوا لهم القلوب قبل البيوت، وحفروا في وجدانهم مفهوم "الاحتضان والعتبة المباركة" .

فكل من يلجأ إلى مصر — ملكاً كان أم شريفاً أم جندياً أم محباً — يجد فيها السند والظهر الذي لا يميل . 

إن الشعب الذي يعشق تراب أرضه لأنه تبرك ببركة خطىٰ آل البيت ، هو ذاته الشعب الذي يقدم جيشه وأبناءه فداءً لأمن أرض الحرمين الشريفين . 

فالروح التي تحتضن الريحانة ، هي اليد التي تحمل السيف لحماية أصل الشجرة .

إن التأريخ للوفاق المصري السعودي لا يكتمل إلا بإدراك هذه المعادلة الشاملة : 

أن السياسة والعسكرية والعقيدة والرحم القومي في هذه العلاقة شيء واحد لا يتجزأ .

وستبقى مصر عضداً لأشقائها ، وستبقى المملكة قلباً متنبضاً للأمة ، وسيبقى التكامل بينهما هو الصخرة التي تتكسر عليها كل أطماع العابثين .

فليعلم القاصي والداني ؛ أن من حفظ عتبات آل البيت بقلبه ، لن يتردد لحظة في حفظ تراب الحرمين بسيفه وعضده .. 

فهذا هو العهد القديم ، وهذا هو المدد الذي لا ينقطع .

مدد مصر واجب، لأن الوفاء لا يسقط بالتقادم .. 

ومن جغرافيا الحرمين إلى نهر النيل يتردد النداء الأبدي:

إن أمنكم أمننا .. ومدد مصر واجب !

ومدد.. يا رب ! 💚

الرابط المختصر

search