الأربعاء، 14 يناير 2026

09:28 م

البدوي كما تخيلته أوروبا: من الرحلة إلى الأسطورة بكتاب "الأسطورة البدوية"

الأربعاء، 14 يناير 2026 04:19 م

كتاب الأسطورة البدوية

كتاب الأسطورة البدوية

لم تكن الصحراء يومًا كما رآها أهلها فقط، بل كما تخيّلها الآخرون وهم يعبرونها محملين بأسئلتهم وقلقهم وأحلامهم.

 هناك، على تخوم الرمل والدهشة، لم يُولد "البدوي" بوصفه إنسانًا من لحم ودم، بل بوصفه فكرة، صورة ذهنية نسجها الخيال الأوروبي بين خوفٍ قديم وإعجابٍ مستتر.

 هكذا تحول قاطع الطريق إلى حكيم فطري، وتبدل العداء إلى أسطورة نقاء، لا لأنها الحقيقة، بل لأنها كانت ما تحتاجه أوروبا لتفكّر في ذاتها من بعيد.

في هذا الفضاء الملتبس بين الواقع والتمثيل، يأتي كتاب "الأسطورة البدوية.. في كتابات رحالة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر" للمفكر الفرنسي سارجا موسى، وترجمة الدكتورة منى زهير الشايب، والصادر عن المركز القومي للترجمة برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح، ليكشف كيف لم تكن كتابات الرحّالة عن البدو مجرد وصفٍ لآخر بعيد، بل ممارسة ثقافية أعادت تشكيل علاقة أوروبا بالإسلام، وبالنبي محمد ، وبالشرق كله، في لحظة تاريخية كانت القارة العجوز تعيد فيها تعريف العقل، والحرية، والإنسان.

ويوضح الكتاب أن البدو الرحّل حظوا، شيئًا فشيئًا خلال القرن الثامن عشر، بنظرة مثالية سرعان ما تحوّلت — بعد كتابات جان جاك روسو — إلى ما يشبه "الأسطورة البدائية"، حيث غدا البدوي رمزًا للإنسان الطبيعي المتخيَّل، السابق على تعقيدات المجتمع الأوروبي الحديث. ويتتبع المؤلف جذور هذه الأسطورة كما ظهرت في كتابات رحالة القرن التاسع عشر، الذين لعبوا دورًا حاسمًا في ترسيخها ونشرها، من خلال روايات متباينة نجدها لدى أسماء معروفة مثل لامارتين، إلى جانب مؤلفين أقل شهرة مثل المؤرخ جوزيف بوجولات.

كما يتناول الكتاب انتقادات مفكرين بارزين مثل فولتير وشاتوبريان، التي على الرغم من دعمها النسبي للنظرة المثالية للبدو، لم تمنع تشكّل خطابٍ معادٍ تأكّد مع مطلع القرن التاسع عشر، وبلغ ذروته في كتاب «رحلة إلى الشرق» لـ غوستاف فلوبير، بوصفه المحصلة النهائية لمسار طويل من التمثيل والاختزال الثقافي.

ويؤكد سارجا موسى أن "الأسطورة البدوية" لا تقوم على فكرة هيمنة (الآخر) بقدر ما تعبّر عن ميل عدد من الرحّالة إلى نوع من التجرّد من الذات الأوروبية نفسها، واستخدام صورة البدوي مرآةً للعودة بالنقد على أوروبا، في سياق عصر التنوير والرومانسية، حيث تحوّل الشرق إلى مساحة للتفكير في الذات بقدر ما كان موضوعًا للمعرفة والاكتشاف.

يأتي الكتاب ضمن إصدارات المركز القومي للترجمة، تأكيدًا لدور المركز في تقديم نصوص فكرية كاشفة، لا تعيد إنتاج الصور الجاهزة عن الشرق والغرب، بل تفككها، وتعيد وضعها في سياقها التاريخي والثقافي، فاتحةً بابًا أوسع لفهم علاقة أوروبا بالآخر، وبذاتها في آنٍ واحد.

اقرأ أيضاً.. محمد فراج يخوض رحلة نفسية معقدة فى «أب ولكن»

الرابط المختصر

search